الإسلام > الأوقاف والملكية > إذا كان اللقيط محكوما بكفره وتنازعه مسلم وكافر > الثاني: أن ينفق عليه محتسبا الرجوع بغير إذن الحاكم
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةوبالعَدلِ والإِحسانِ، ولأنَّه إِحياءُ مَعصومٍ وإِنقاذٌ له مِنْ التَّلفِ فوجَبَ كإِنقاذِ الغَريقِ، ولا يَرجعُ المُنفقُ بما أنفَقَه عليه؛ لأنَّها فَرضُ كِفايةٍ، إذا قامَ بها البعضُ سقَطَت عن الباقِينَ لحُصولِ المَقصودِ، وإنْ ترَكَ الكلُّ أثِمُوا، ولأنَّها وجَبَت للمُواساةِ فهي كنَفقةِ القَريبِ وقِرى الضَّيفِ (١).
قالَ الحَنفيةُ: فإذا ادَّعى بعدَ بُلوغِه أنَّه أنفَقَ عليه كذا وصدَّقَه اللَّقيطُ في ذلك رجِعَ عليه به، وإنْ كذَّبَه فالقَولُ قَولُ اللَّقيطِ، وعلى المُدَّعي البَينةُ؛ لأنَّه يَدَّعي لنَفسِه دَينًا في ذِمتِه، وهو ليسَ بأَمينٍ في ذلك، وإنما يَكونُ أَمينًا فيما يَنفي به الضَّمانَ عن نَفسِه، فلهذا كانَ عليه إِثباتُ ما يدَّعيه بالبَينةِ، وشَهادةُ اللَّقيطِ بعدما أدرَكَ جائِزةٌ إذا كانَ عَدلًا؛ لأنَّه حُرٌّ مُسلِمٌ فيَكونُ مَقبولَ الشَّهادةِ في الأَمورِ كلِّها إذا ظهَرَت عَدالتُه (٢).
الثانِي: أنْ يُنفقَ عليه مُحتسِبًا الرُّجوعَ بغيرِ إِذنِ الحاكِمِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أنفَقَ المُلتقِطُ على اللَّقيطِ مُحتسِبًا الرُّجوعَ عليه بغير إِذنِ الحاكِمِ، هل يَرجعُ عليه أم لا؟
(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ٣٥٠، ٣٥١)، و «التمهيد» (٣/ ١٢٨، ١٢٩)، و «الكافي» (١/ ٤٨٤)، و «تفسير القرطبي» (٩/ ١٣٥)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٤٥)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٣١، ١٢٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥٣٤، ٥٣٥)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٤٤، ٤٥)، و «الإشراف» (٦/ ٣٦٠)، و «المغني» (٦/ ٣٨)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٧٧)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٤٤).
(٢) «المبسوط» (١٠/ ٢١١).
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ أنَّه لا يَرجعُ على المُلتقِطِ بشَيءٍ كما لو تبَرَّعَ به؛ لأنَّه غيرُ مَجبورٍ على ما صنَعَ شرعًا، والمُتطوِّعُ مَنْ يَكونُ مُخيَّرًا غيرَ مُجبَرٍ على إِيجادِ شَيءٍ شَرعًا، ولو أنفَقَ على وَلدٍ له أبٌ مَعروفٌ بغيرِ إِذنِ أَبيه كانَ مُتطوِّعًا في ذلك، فكذلك إذا أنفَقَ على اللَّقيطِ، وهذا لأنَّه بالالتِقاطِ يَثبتُ له مِنْ الحَقِّ بقَدرِ ما يَنتفعُ به اللَّقيطُ، وهو الحِفظُ والتَّربيةُ، ولمْ يَثبتْ له عليه وِلايةُ إِلزامِ شَيءٍ في ذِمتِه؛ لأنَّ ذلك لا يَنفعُه، ولأنَّه ليسَ بينَهما سَببٌ مُثبِتٌ للوِلايةِ، ولهذا لا يَرجعُ بالنَّفقةِ عليه، ولأنَّ الغالِبَ مِنْ أَحوالِ الناسِ أنَّهم بمِثلِ هذا يَتبَرَّعونَ، وفي الرُّجوعِ لا يَطمَعونَ، ومُطلَقُ الفِعلِ مَحمولٌ على ما هو المُعتادُ (١).
إلا أنَّ المالِكيةَ قالوا: يَثبتُ للمُلتقِطِ الرُّجوعُ على أَبي الطِّفلِ المُلتقَطِ بالنَّفقةِ التي أنفَقَها عليه إنْ كانَ أَبوه طرَحَه عَمدًا بإِقرارٍ أو ببَينةٍ، بشَرطِ أنْ يَثبتَ الإِنفاقُ ويَحلِفَ أنَّها كانَت على وَجهِ السَّلفِ لا على وَجهِ الهِبةِ، ويُشترطُ أنْ يَكونَ الأَبُ مُوسِرًا حينَ الإِنفاقِ، ويَرجعُ عليه حينَئذٍ بنَفقةِ المِثلِ، أما لو تاهَ منه أو هرَبَ أو نحوُ ذلك فأنفَقَ عليه شَخصٌ نَفقةً فإنَّه
(١) «المبسوط» (١٠/ ٢١٠، ٢١١)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ٣٥٠، ٣٥١)، و «المهيد» (٣/ ١٢٨، ١٢٩)، و «الكافي» (١/ ٤٨٤)، و «تفسير القرطبي» (٩/ ١٣٥)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٢٧٨)، رقم (١١١٩)، و «جامع الأمهات» ص (٤٦٠)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٤٥)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٣١، ١٢٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥٣٤، ٥٣٥)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٤٤، ٤٥)، و «الإشراف» (٦/ ٣٦٠).
لا رُجوعَ له على أَبيه ولو مُوسِرًا؛ لأنَّ النَّفقةَ حينَئذٍ على وَجهِ الهِبةِ، وإذا تَنازَعا في قَدرِ النَّفقةِ فلا بدَّ مِنْ الإِثباتِ، وإلا فالقَولُ قَولُ أَبيه بيَمينٍ؛ لأنَّه غارِمٌ، واعتمَدَ الباتُّ على ظنٍّ قَويٍّ ولو اختلَفا في طَرحِه عَمدًا، فادَّعى المُلتقَطُ أنَّ أَباه طرَحَه عَمدًا وأنكَرَ ذلك الأَبُ، فالظاهِرُ أنَّ القَولَ للأَبِ؛ لمَا جُبلَ عليه مِنْ الشَّفقةِ، وكذلك لو اختلَفا في يُسرِ الأَبِ وَقتَ الإِنفاقِ عليه (١).
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: إنْ أنفَقَ عليه بنِيةِ الرُّجوعِ بغيرِ أَمرِ الحاكِمِ تُؤدَّى إليه نَفقتُه مِنْ بَيتِ مالِ المُسلِمينِ؛ لأنَّه أدَّى ما وجَبَ على غيرِه، فكانَ له الرُّجوعُ على مَنْ كانَ الوُجوبُ عليه، كالضامِنِ إذا قَضى عن المَضمونِ عنه (٢).
(١) «التمهيد» (٣/ ١٢٨، ١٢٩)، و «الكافي» (١/ ٤٨٤)، و «تفسير القرطبي» (٩/ ١٣٥)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٤٥)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٣١، ١٢٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥٣٤، ٥٣٥)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٤٤، ٤٥).
(٢) «المغني» (٦/ ٣٨)، و «الإنصاف» (٦/ ٤٣٣، ٤٣٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٧٧)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٤٤).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوديعة
١٠٧٢ - مسألة؛ قال: (وإذا طالبه بالوديعة، فقال: ما أودعتنى. ثم قال: ضاعت من حرز، كان ضامنا؛
وُجِدَ عليها مَكْتُوبًا وَدِيعةً، لم يكُنْ حُجَّة عليهم، لجَوازِ أن يكون الظَّرْفُ كانت فيه وَدِيعةٌ قبلَ هذا، أو كان وَدِيعةً لمَوْرُوثِهِم عندَ غيرِه، أو كانت وَدِيعةً فابْتاعَها، وكذلك لو وَجَدَ فى زُرْمَانَجِ أبِيه، أنَّ لفلانٍ عندى وَدِيعة. لم يَلْزَمْه بذلك؛ لِجوازِ أن يكونَ قد رَدَّها وَنَسِىَ الضَّرْبَ على ما كَتَبَ، أو غيرِ ذلك.
١٠٧٢ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا طَالَبهُ بالْوَدِيعَةِ، فَقَالَ: مَا أَوْدَعْتَنِى. ثُمَّ قَالَ: ضَاعَتْ مِنْ حِرْزٍ، كَانَ ضَامِنًا؛ لِأنَّه خَرَجَ مِنْ حَالِ الْأَمَانَةِ. ولَوْ قَالَ: مالَكَ عِنْدِى شَىْءٌ. ثمَّ قَالَ: ضَاعَتْ مِنْ حِرْزٍ. كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ)
ارجع إلى إذا كان اللقيط محكوما بكفره وتنازعه مسلم وكافر للاطلاع على جميع المسائل.