أولا: الاختلاف في قيمة المغصوب

الإسلام > الأوقاف والملكية > اختلاف الغاصب والمغصوب منه > أولا: الاختلاف في قيمة المغصوب

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

أولا: الاختلاف في قيمة المغصوب - الأقوال والأدلة

فصل في اختِلافِ الغاصِبِ والمَغصوبِ منه

الغاصِبُ والمالِكُ قد يَتَّفِقانِ على الغَصبِ، إلا أنَّهما قد يَختلِفانِ في قيمةِ المَغصوبِ أو في قَدرِه أو صِفتِه أو رَدِّه أو تَلفِه أو غيرِ ذلك، فهل القَولُ قَولُ الغاصِبِ فيما يَدَّعيه أو قَولُ المالِكِ؟

أولاً: الاختِلافُ في قيمةِ المَغصوبِ:

إذا اتَّفقَ الغاصِبُ والمَغصوبُ منه على الغَصبِ ثم اختَلَفا في قيمةِ المَغصوبِ بأنْ قالَ الغاصِبُ: قيمَتُه عَشرةٌ مَثلًا، وقالَ المَغصوبُ منه: بل قيمَتُه خَمسةَ عَشرَ، ولا بَيِّنةَ لأَحدِهما فالقَولُ قَولُ الغاصِبِ بيَمينِه عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ؛ لأنَّ الأصلَ بَراءةُ ذِمتِه فلا يَلزمُه إلا ما أقَرَّ به، كما لو ادَّعى عليه دَينًا من غيرِ غَصبٍ فأقَرَّ ببَعضِه، إلا أنْ يُقيمَ المالِكُ البَيِّنةَ على ما قالَ.

قالَ الشافِعيةُ: فإنْ أَقامَ البَيِّنةَ على أنَّ قيمَتَه أكثَرُ ممَّا قالَه الغاصِبُ من غيرِ تَقديرٍ سُمِعَت البَيِّنةُ، وكُلِّف الغاصِبُ الزِّيادةَ إلى ما قالَه، إلى حَدٍّ لا تَقطعُ البَيِّنةُ بالزِّيادةِ علاه، وقيلَ: إنَّها لا تُسمعُ (١).

(١) «المهذب» (١/ ٣٧٦)، و «النجم الوهاج» (٥/ ١٩٦)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٠٥)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٦٢)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ١٩٦)، و «الديباج» (٢/ ٣٩٤)، و «العناية شرح الهداية» (٩/ ٦٨)، و «الفتاوى الهندية» (٥/ ١٣٨)، و «مجمع الضمانات» (١/ ٣٣١)، و «المغني» (٥/ ١٧٠)، و «الكافي» (٢/ ٤١٣)، و «كشاف القناع» (٤/ ١٣٩)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٦٤).

قالَ الإِمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: ولو اختَلَفا في أصلِ الغَصبِ أو في جِنسِ المَغصوبِ أو نَوعِه أو قَدرِه أو صِفتِه أو قيمَتِه وَقتَ الغَصبِ فالقَولُ في ذلك كلِّه قَولُ الغاصِبِ؛ لأنَّ المَغصوبَ منه يَدَّعي عليه الضَّمانَ وهو يُنكِرُ، فكانَ القَولُ قَولَه؛ إذِ القَولُ في الشَّرعِ قَولُ المُنكِرِ (١).

وقالَ المالِكيةُ: إذا اختَلفَ الغاصِبُ والمَغصوبُ منه في قَدرِ المَغصوبِ ولم يَكُنْ لأَحدِهما بَيِّنةٌ فالقَولُ قَولُ الغاصِبِ مع يَمينِه إنْ أشبَهَ في دَعواه، سَواءٌ أشبَهَ رَبَّه أو لا، فإنْ كانَ قَولُ الغاصِبِ لم يُشبِهْ فالقَولُ لرَبِّه بيَمينِه.

قالَ الشَّيخُ أَحمدُ الصاويُّ رحمة الله عليه: رُبَّما يَدخلُ في تَحالُفِهما في القَدْرِ مَسألتانِ:

الأُولى: غاصِبُ صُرةٍ ثم يُلقيها في البَحرِ مَثلًا، ولا يَدري ما فيها، فالقَولُ قَولُ الغاصِبِ بيَمينِه عندَ مالِكٍ وابنِ ناجي وعليه الفَتوَى، لإِمكانِ مَعرفةِ ما فيه بعِلمٍ سابِقٍ أو بحَبسِها.

وقالَ مُطرِّفٌ وابنُ كِنانةَ وأشهَبُ: القَولُ لرَبِّها إنِ ادَّعى ما يُشبهُ وكانَ مِثلُه يَملِكُه؛ لأنَّه ادَّعى تَحقيقًا والآخَرُ يَدَّعي تَخمينًا، وهذا ما لم يَغِبِ الغاصِبُ عليها قبلَ ذلك، وإلا فالقَولُ قَولُه بيَمينِه من غيرِ خِلافٍ.

(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ١٦٣، ١٦٤).

الثانيةُ: قالَ عبدُ المَلكِ في قَومٍ أَغاروا على مَنزلِ رَجلٍ والناسُ يَنظُرونَ فنَهَبوا ما فيه وشهِدَت الناسُ بالإِغارةِ والنَّهبِ لا بأَعيانِ المَغصوبِ فلا يُعطَى المُنتهَبُ منه بيَمينِه وإنِ ادَّعى ما يُشبهُ، إلا ببَيِّنةٍ.

وقالَ ابنُ القاسِمِ: القَولُ قَولُ المُغارِ عليه مع يَمينِه إنْ أشبَهَ وكانَ مِثلُه يَملِكُ ذلك (١).

وقالَ ابنُ جُزيٍّ الكَلبيُّ الغِرناطيُّ رحمة الله عليه: إنِ اختَلفَ الغاصِبُ والمَغصوبُ منه في جِنسِ المَغصوبِ أو صِفتِه أو قَدرِه ولم يَكُنْ لأَحدِهما بَيِّنةٌ فالقَولُ قَولُ الغاصِبِ مع يَمينِه، والغاصِبُ ضامِنٌ لمَا غصَبَه، سَواءٌ تلِفَ بأمرِ اللهِ أو من مَخلوقٍ (٢).

وقالَ الخَرشيُّ: (ص) والقَولُ لهُ في تَلفِه ونَعتِه وقَدرِه وحلَفَ (ش) يَعني أنَّ الغاصِبَ إذا قالَ: «إنَّ الشَّيءَ المَغصوبَ قد تلِفَ»، وكَذَّبه رَبُّه فالقَولُ قَولُ الغاصِبِ لأنَّه غارِمٌ، وكذلك القَولُ قَولُ الغاصِبِ في نَعتِه -أي: في صِفتِه-، وكذلك القَولُ قَولُ الغاصِبِ في قَدرِ الشَّيءِ المَغصوبِ، يُريدُ مع يَمينِه في المَسائلِ الثَّلاثِ، كما في «المُدوَّنة» فالضَّميرُ في «له» للغاصِبِ، وإنَّما يَكونُ القَولُ قَولَه في نَعتِه وقَدرِه حيثُ أشبَهَ، أشبَهَ الآخَرَ أو لا، فإنْ لم

(١) «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٨/ ٢٤٠)، ويُنْظَر: «مواهب الجليل» (٧/ ٢٦٣)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٣٢٢)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١٤٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٨١)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٤٠٣)، و «القوانين الفقهية» (١/ ٢١٨)، و «شرح ميارة» (٢/ ٤٢٨)، و «منح الجليل» (٧/ ١٣٠).
(٢) «القوانين الفقهية» (١/ ٢١٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الغصب
فصل في حكم اختلاف الغاصب والمغصوب منه

هَذَا وَقِيلَ مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ خَلَّلَهَا بِالنَّقْلِ مِنْ الظِّلِّ إلَى الشَّمْسِ لَا بِشَيْءٍ لَهُ قِيمَةٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا غَصَبَ جِلْدَ مَيْتَةٍ وَدَبَغَهُ أَنَّهُ إنْ دَبَغَهُ بِشَيْءٍ لَا قِيمَةَ لَهُ كَالْمَاءِ وَالتُّرَابِ وَالشَّمْسِ كَانَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ الْجِلْدَ كَانَ مِلْكَهُ وَبَعْدَمَا صَارَ مَالًا بِالدِّبَاغِ بَقِيَ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ.

وَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ فِيهِ عَيْنُ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ قَائِمٍ إنَّمَا فِيهِ مُجَرَّدُ فِعْلِ الدِّبَاغِ، وَمُجَرَّدُ الْعَمَلِ لَا يَتَقَوَّمُ، إلَّا بِالْعَقْدِ، وَلَمْ يُوجَدْ هَذَا إذَا أَخَذَهُ مِنْ مَنْزِلِهِ فَدَبَغَهُ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْمَيْتَةُ مُلْقَاةً عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَذَ جِلْدَهَا فَدَبَغَهُ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْجِلْدِ؛ لِأَنَّ الْإِلْقَاءَ فِي الطَّرِيقِ إبَاحَةٌ لِلْأَخْذِ كَإِلْقَاءِ النَّوَى وَقُشُورِ الرُّمَّانِ عَلَى قَوَارِعِ الطُّرُقِ، وَلَوْ هَلَكَ الْجِلْدُ الْمَغْصُوبُ بَعْدَ مَا دَبَغَهُ بِشَيْءٍ لَا قِيمَةَ لَهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ إمَّا أَنْ يَجِبَ بِالْغَصْبِ السَّابِقِ، وَإِمَّا أَنْ يَجِبَ بِالْإِتْلَافِ لَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ وَقْتَ الْغَصْبِ وَلَا سَبِيلَ إلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْإِتْلَافُ مِنْ الْغَاصِبِ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ يَضْمَنُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِلْكَهُ قَبْلَ الدِّبَاغِ وَبَعْدَمَا صَارَ مَالًا بِالدِّبَاغِ بَقِيَ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ لَا حَقَّ لِلْغَاصِبِ فِيهِ، وَإِتْلَافُ مَالٍ مَمْلُوكٍ لِلْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ فَيُوجِبُ الضَّمَانَ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 540 - 542

ارجع إلى اختلاف الغاصب والمغصوب منه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد