ثالثا: الاختلاف في رد المغصوب

الإسلام > الأوقاف والملكية > اختلاف الغاصب والمغصوب منه > ثالثا: الاختلاف في رد المغصوب

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

ثالثا: الاختلاف في رد المغصوب - الأقوال والأدلة

وقالَ الحَنفيةُ: إذا قالَ الغاصِبُ: «هلَكَ المَغصوبُ في يَدي»، ولم يُصدِّقْه المَغصوبُ منه ولا بَيِّنةَ للغاصِبِ فإنَّ القاضِي يَحبِسُ الغاصِبَ مُدةً لو كانَ قائِمًا لأظهَرَه في تلك المُدةِ، ثم يَقضي عليه بالضَّمانِ؛ لأنَّ الحُكمَ الأَصليَّ للغَصبِ هو وُجوبُ رَدِّ عَينِ المَغصوبِ، والقيمةُ خَلَفٌ عنه، فما لم يَثبُتِ العَجزُ عن الأصلِ لا يُقضَى بالقيمةِ التي هي خَلَفٌ (١).

ثالِثًا: الاختِلافُ في رَدِّ المَغصوبِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو قالَ الغاصِبُ: «رَدَدتُ المَغصوبَ»، وأنكَرَه المالِكُ، هل القَولُ قَولُ الغاصِبِ أو قَولُ المالِكِ أنَّه لم يَردَّه؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ القَولَ قَولُ المالِكِ أنَّه لم يَردَّ عليه المَغصوبَ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ ذلك واشتِغالُ الذِّمةِ به، وذلك لأنَّ الغاصِبَ أقَرَّ بالسَّببِ المُوجِبِ للضَّمانِ وهو الغَصبُ، وادَّعى ما يُبَرِّئُه، فيَكونُ القَولُ قَولَ المالِكِ (٢).

(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ١٦٣).
(٢) «التنبيه» ص (١١٦)، و «المغني» (٥/ ١٧١)، و «الكافي» (٢/ ٤١٣)، و «كشاف القناع» (٤/ ١٤٠)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٦٤).

قالَ الحَنفيةُ: لو أقَرَّ الغاصِبُ بما يَدَّعي المَغصوبُ منه من الغَصبِ وادَّعى الرَّدَّ عليه لا يُصدَّقُ إلا ببَيِّنةٍ؛ لأنَّ الإِقرارَ بالغَصبِ إِقرارٌ بوُجودِ سَببِ وُجودِ الضَّمانِ منه، فهو بقَولِه: «رَدَدتُ عليكَ» يَدَّعي انفِساخَ السَّببِ فلا يُصدَّقُ من غيرِ بَيِّنةٍ، والقَولُ قَولُ المَغصوبِ منه أنَّه لم يَقبِضْ منه ولم يَردَّ عليه مع يَمينِه، إلا أنْ يُقيمَ الغاصِبُ بَيِّنةً.

ولو تعارَضَت البَيِّنتانِ فأقامَ المالِكُ البَيِّنةَ على أنَّ الدابةَ أو السَّيارةَ مَثلًا تلِفَت عندَ الغاصِبِ من رُكوبِه، وأقامَ الغاصِبُ البَيِّنةَ على أنَّه ردَّها إلى المالِكِ فتُقبلُ بَيِّنةُ المالِكِ، وعلى الغاصِبِ قيمةُ المَغصوبِ؛ لأنَّ بَيِّنةَ الغاصِبِ لا تَدفعُ بَينةَ المَغصوبِ منه؛ لأنَّها قامَت على رَدِّ المَغصوبِ، ومن الجائِزِ أنَّه رَدَّها، ثم غصَبَها وركِبَها فتلِفَت في يَدِه، ولو أقامَ المَغصوبُ منه البَيِّنةَ أنَّه غصَبَ الدابةَ ونفَقَت عندَه، وأقامَ الغاصِبُ البَيِّنةَ أنَّه رَدَّها إليه وأنَّها نفَقَت عندَه فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ من الجائِزِ أنَّ شُهودَ المَغصوبِ منه اعتَمَدوا في شَهادتِهم على استِصحابِ الحالِ؛ لمَا أنَّهم علِموا بالغَصبِ وما علِموا بالرَّدِّ، فبَنَوُا الأمرَ على ظاهِرِ بَقاءِ المَغصوبِ في يَدِ الغاصِبِ إلى وَقتِ الهَلاكِ، وشُهودُ الغاصِبِ اعتَمَدوا في شَهادتِهم حَقيقةَ الأمرِ، وهي الرَّدُّ؛ لأنَّه أمرٌ لم يَكُنْ، فكانَت الشَّهادةُ القائِمةُ على الرَّدِّ أوْلى، وعن أَبي يُوسفَ أنَّ الغاصِبَ ضامِنٌ (١).

(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ١٦٤)، و «المحيط البرهاني» (٥/ ٤١٤)، و «البحر الرائق» (٨/ ١٣٦)، و «مجمع الضمانات» (١/ ٣٣٢)، و «الفتاوى الهندية» (٥/ ١٣٨).

كتاب الشُّفعة

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الغصب
فصل في حكم اختلاف الغاصب والمغصوب منه

هَذَا وَقِيلَ مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ خَلَّلَهَا بِالنَّقْلِ مِنْ الظِّلِّ إلَى الشَّمْسِ لَا بِشَيْءٍ لَهُ قِيمَةٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا غَصَبَ جِلْدَ مَيْتَةٍ وَدَبَغَهُ أَنَّهُ إنْ دَبَغَهُ بِشَيْءٍ لَا قِيمَةَ لَهُ كَالْمَاءِ وَالتُّرَابِ وَالشَّمْسِ كَانَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ الْجِلْدَ كَانَ مِلْكَهُ وَبَعْدَمَا صَارَ مَالًا بِالدِّبَاغِ بَقِيَ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ.

وَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ فِيهِ عَيْنُ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ قَائِمٍ إنَّمَا فِيهِ مُجَرَّدُ فِعْلِ الدِّبَاغِ، وَمُجَرَّدُ الْعَمَلِ لَا يَتَقَوَّمُ، إلَّا بِالْعَقْدِ، وَلَمْ يُوجَدْ هَذَا إذَا أَخَذَهُ مِنْ مَنْزِلِهِ فَدَبَغَهُ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْمَيْتَةُ مُلْقَاةً عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَذَ جِلْدَهَا فَدَبَغَهُ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْجِلْدِ؛ لِأَنَّ الْإِلْقَاءَ فِي الطَّرِيقِ إبَاحَةٌ لِلْأَخْذِ كَإِلْقَاءِ النَّوَى وَقُشُورِ الرُّمَّانِ عَلَى قَوَارِعِ الطُّرُقِ، وَلَوْ هَلَكَ الْجِلْدُ الْمَغْصُوبُ بَعْدَ مَا دَبَغَهُ بِشَيْءٍ لَا قِيمَةَ لَهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ إمَّا أَنْ يَجِبَ بِالْغَصْبِ السَّابِقِ، وَإِمَّا أَنْ يَجِبَ بِالْإِتْلَافِ لَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ وَقْتَ الْغَصْبِ وَلَا سَبِيلَ إلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْإِتْلَافُ مِنْ الْغَاصِبِ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ يَضْمَنُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِلْكَهُ قَبْلَ الدِّبَاغِ وَبَعْدَمَا صَارَ مَالًا بِالدِّبَاغِ بَقِيَ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ لَا حَقَّ لِلْغَاصِبِ فِيهِ، وَإِتْلَافُ مَالٍ مَمْلُوكٍ لِلْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ فَيُوجِبُ الضَّمَانَ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوديعة
باب الاختلاف في المؤلفة

باب الاختلاف في المؤلفة

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " قَالَ بَعْضُ النَّاسِ لا مؤلفة فيجعل سهمهم وسهم سَبِيلِ اللَّهِ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ فِي ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَتْ مَسَائِلُ هَذَا الْبَابِ مَشْرُوحَةً بِدَلَائِلِهَا وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ الشَّافِعِيُّ مَقْصُورًا عَلَى ذِكْرِ الِاخْتِلَافِ فِيهَا وَالِاحْتِجَاجِ عَلَيْهَا فَاقْتَصَرْنَا مِنْهُ عَلَى الْإِشَارَةِ إِلَى تَفْصِيلِ مَا أَوْرَدَهُ، فَمِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَتَانِ قَدَّمَهُمَا فِي هَذَا الْفَصْلِ:

إِحْدَاهُمَا: فِي سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ.

وَالثَّانِيَةُ: فِي سَهْمِ سَبِيلِ اللَّهِ.

فَأَمَّا سَهْمُ الْمُؤَلَّفَةِ فَإِنَّ أبا حنيفة أَسْقَطَهُ وَزَعَمَ أَنْ لَا مُؤَلَّفَةَ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُمْ بِقُوَّةِ الدِّينِ وَإِعْزَازِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ثَابِتٌ عَلَى الشَّرْحِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْبَتَ لَهُمْ فِي آيَةِ الصَّدَقَاتِ سَهْمًا فَلَمْ يَجُزْ نَسْخُهُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْوَحْيِ؛ وَلِأَنَّ مَا بَقِيَ لِلْإِسْلَامِ أَعْدَاءٌ يَلْزَمُ جِهَادُهُمْ بَقِيَ مُؤَلَّفَةٌ يُتَآلَفُ قُلُوبُهُمْ كَالْعَصْرِ الْأَوَّلِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 544 - 547

ارجع إلى اختلاف الغاصب والمغصوب منه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله