الإسلام > الأوقاف والملكية > الإقطاع > ثانيا: المعادن الباطنة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةثانيًا: المَعادنُ الباطِنةُ:
اختَلفَ الفَقهاءُ في المَعادنِ الباطِنةِ، هل يَجوزُ للإمامِ أنْ يُقطِعَها أم لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ -وهم لا يُفرِّقُونَ بينَ المَعادنِ الظاهِرةِ والباطِنةِ- والشافِعيةُ في قولٍ والحَنابلةُ في رِوايةٍ اختارَها ابنُ قُدامةَ إلى أنَّه يَجوزُ للإمامِ أنْ يُقطِعَ المَعادنَ الباطنةَ، وذلك لما رُويَ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أقطَعَ بِلالَ بنَ الحارثِ المُزنِيَّ مَعادنَ القبليَّةِ (١) جَلسِيَّها وغَورِيَّها، وحيثُ يَصلُحُ الزَّرعُ مِنْ قُدسٍ ولَم يُعطِه حقَّ مُسلمٍ وكتَبَ له النَّبيُّ ﷺ «بسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، هذا ما أعطَى مُحمدٌ رَسولُ اللَّهِ بِلالَ بنَ الحارِثِ المُزنِيَّ، أَعطاهُ مَعادنَ القبليَّةِ جَلسِيَّها وغَورِيَّها، وحيثُ يَصلُحُ الزَّرعُ مِنْ قُدسٍ، ولَم يُعطِه حقَّ مُسلمٍ» (٢). ولأنَّه يَجوزُ إِقطاعُ ما لا يُملَكُ بالإِحياءِ، كمَقاعدِ الأَسواقِ والطُّرقِ (٣).
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: والصَّحيحُ جَوازُ ذلك؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أقطَعَ لبِلالِ بنِ الحارِثِ مَعادنَ القبليَّةِ جَلسِيَّها وغَورِيَّها (٤).
وقد تَقدَّمَ قولُ المالِكيةِ في المَسألةِ السابِقةِ، وهم لا يُفرِّقونَ بينَ المَعدِنِ الظاهرِ والباطِنِ، فيَجوزُ للإمامِ إِقطاعُه.
(١) قريةُ بينَ مكةَ والمدينةِ: يُقالُ لها الفرعُ. «مغني المحتاج» (٤/ ٤٤٦).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٣٠٦٢، ٣٠٦٣).
(٣) «البيان» (٧/ ٤٩٥، ٤٩٦).
(٤) «المغني» (٥/ ٣٣٣)، و «الكافي» (٢/ ٤٤٤).
وكلامُ الحَنفيةِ يَدلُّ على جَوازِ إِقطاعِ المَعادنِ الباطنةِ، فجاءَ في الدرِّ المُختارِ: واعلَمْ أنَّه ليسَ للإمامِ أنْ يُقطِعَ ما لا غَنى للمُسلِمينَ عنه مِنْ المَعادنِ الظاهِرةِ -وهي ما كانَ جَوهرُها الذي أودَعَه اللهُ في جَواهرِ الأرضِ بارِزًا- كمَعادنِ المِلحِ والكُحلِ والقارِ والنّفطِ (١).
وظاهِرُ هذا أنَّه يَجوزُ إِقطاعُ المَعادنِ الباطِنةِ، واللهُ أعلمُ.
وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةِ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ للإمامِ إِقطاعُ المَعادنِ الباطنةِ؛ لأنَّها لا تُملَكُ بالإِحياءِ فلَم يَجزْ إِقطاعُها كالمَعادنِ الظاهِرةِ.
قالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: قد ذكَرْنا أنَّ المَعادنَ ضَربانِ: ظاهِرةٌ وباطِنةٌ، وذكَرْنا أنَّ الظاهِرةَ منها لا يَجوزُ إِقطاعُها، فأما الباطِنةُ -وهي التي لا شيءَ في ظاهرِها حتى تُحفَرَ أو تُقطَعَ فيَظهرُ ما فيها بالحَفرِ والقَطعِ كمَعادنِ الفِضةِ والذَّهبِ والنُّحاسِ والحَديدِ، سَواءٌ احتاجَ ما فيها إلى سَبكٍ وتَخليصٍ كالفِضةِ والنُّحاسِ أو لَم يَحتَجْ إلى ذلك -كالتبْرِ مِنْ الذَّهبِ- ففي جَوازِ إِقطاعِها قَولانِ:
أحدُهما: أنَّ إِقطاعَها لا يَجوزُ، والناسُ كلُّهم فيها شَرعٌ يَتساوَى جَميعُهم في تَناولِ ما فيها كالمَعادنِ الظاهرةِ التي يَتساوى الناسُ فيها، ولا يَجوزُ إِقطاعُها؛ لأنَّ ما فيها جميعًا مَخلوقٌ يُوصَلُ إليه بالعَملِ ويُملَكُ
(١) «الدر المختار» (٦/ ٤٣٣، ٤٣٤)، ويُنظَر: «تبيين الحقائق» (٦/ ٣٦)، و «العناية شرح الهداية» (١٤/ ٣١٤)، و «البحر الرائق» (٨/ ٢٤٠)، و «اللباب» (١/ ٦٨٣).
بالأَخذِ، فعلى هذا يَستوي حالُ المُقطِعِ وغيرِه في تَناولِ ما فيها، كما لو أقطَعَ المَعادنَ الظاهرةَ ولم يَصرْ أَحقَّ بها مَنْ لَم يَستقطِعْها.
والقولُ الثانِي: أنَّ إِقطاعَها جائزٌ، والمُقطِعُ أحقُّ بها مِنْ غيرِه، روى كَثيرُ ابنُ عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ عَوفٍ المُزنِيُّ عن أَبيه عن جَدِّه: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أقطَعَ بِلالَ بنَ الحارِثِ المُزنِيَّ مَعادنَ القبليَّةِ جَلسِيَّها وغَورِيَّها، وحيثُ يَصلُحُ الزَّرعُ مِنْ مُدهِنٍ ولَم يُعطِه حقَّ مُسلمٍ» وفيه تَأويلانِ:
أحدُهما: وهو قولُ عبدِ اللهِ بنِ وَهبٍ أنَّ جَلسِيَّها وغَورِيَّها أَعلاها وأَسفلَها. والتَّأويلُ الثانِي: وهو قولُ أَبي عُبيدٍ وابنِ قُتيبةَ أنَّ الغَورَ ما كانَ مِنْ بلادِ تهامةَ والجَلْسَ ما كانَ مِنْ بلادِ نجدٍ، قالَ الشَّماخُ:
فأضحَتْ على ماءِ العُذَيبِ وعَينُها كوَقبِ الصَّفَا جِلسِيُّها قد تَغوَّرَا
ولأنَّ المَعادنَ الباطنةَ تُخالفُ الظاهِرةَ مِنْ وَجهينِ تَوافَقَ بينَهما المَواتُ:
أحدُهما: ما يَلزمُ مِنْ كثرةِ المَؤونةِ في الباطِنةِ حتى ربَّما ساوَت مؤونةَ إِحياءِ المَواتِ وزادَتْ ولا يَلزمُ ذلك في الظاهرِ.
والثانِي: أنَّ ما في الباطِنةِ مَظنونٌ مُتوهَّمٌ فشابَهَ ما يَظنُّ مِنْ مَنافعِ المَواتِ بعدَ الإِحياءِ، وما في الظاهِرةِ مَشاهِد مُتيقَّنٌ فصارَتِ الباطِنةُ مِنْ هذينِ الوَجهينِ مُفارِقةً للظاهِرةِ في المَنعِ من إِقطاعِها، ومُلحَقةً بالمَواتِ في جَوازِ إِقطاعِها.
فعلى هذا إذا أقطَعَها الإمامُ رَجلًا فما لَم يَتصرَّفْ فيهما بالعملِ لَم يَملكْها كما لا يَملكُ المَواتَ بالإِقطاعِ ما لم يُحيِه، فإذا عمِلَ فيها صارَ مالكَها، وفي ملكِه قَولانِ:
أحدُهما: أنَّه قد ملَكَها ملكًا مُؤبَّدًا، سواءٌ أقامَ على العَملِ أو ترَكَ، كما يَملِكُ المَواتَ بالإِحياءِ سَواءٌ استَدامَ عِمارتَه أو عطَّلَه، فعلى هذا يَكونُ إذنُ الإمامِ شَرطًا في ثُبوتِ ملكِها، وإنْ لَم يَكنْ إذنُه في إِقطاعِها شَرطًا في تَناولِ ما فيها؛ لِكونِه على أَصلِ الإِباحةِ.
والقولُ الثانِي: أنَّ ملكَه لها مُقدَّرٌ بمدَّةِ عَملِه فيها، فما أقامَ على العَملِ فهو على ملكِه، وله مَنعُ الناسِ منه، فإذا فارقَ العَملَ زالَ ملكُه عنه وعادَ إلى أَصلِ الإِباحةِ، إلا أنْ يَكونَ ذلك لتَعذُّرِ آلةٍ أو هَربِ عبدٍ فلا يَزولُ ملكُه ما كانَ ناويًا للعَملِ حتى يَقطَعَ قَطعَ تَركٍ فيَزولُ ملكُه، وإنَّما كانَ كذلك لأنَّ عَملَه يَكونُ إِحياءً للطَّبقةِ التي عمِلَ فيها، فصارَ مالكًا لها بإِحيائِه وعملِه، فأما ما تحتَ تلك الطَّبقةِ فلَم يَقعْ عليها عَملٌ ولَم يَحصلْ فيها إِحياءٌ فلَم يَملِكْها.
فعلى هذا اختَلفَ أَصحابُنا هل يَكونُ إذنُ الإمامِ شَرطًا في ثُبوتِ ملكِه عليها مدةَ عَملِه فيها؟ على وَجهينِ:
أحدُهما: أنَّ إذنَه شَرطٌ فيه حتى يَجوزَ مَنعُ غيرِه كما لو قيلَ بتَأييدِ ملكِه.
والوجهُ الثانِي: أنَّ إذنَه ليسَ بشَرطٍ كما لَم يَكنْ إذنُه شَرطًا في إِحياءِ المَواتِ؛ لأنَّ ملكَه فيها يَختصُّ بما باشرَ عملَه، ويَجوزُ له عندَ شُروعِه في العملِ أنْ يَمنعَ غيرَه مِنْ المَوضعِ الذي عمِلَ فيه، ولا يَمنعُه مِنْ غيرِ ذلك
المَوضعِ مِنْ العذرِ كما لا يَمنعُ بشُروعِه في إِحياءِ المَواتِ مِنْ غيرِ إِقطاعٍ، إلا مِنْ المَوضعِ الذي عمِلَ فيه، واللهُ أَعلمُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فأما المَعادنُ الباطِنةُ وهي التي لا يُوصَلُ إليها إلا بالعَملِ والمُؤنةِ، كمَعادنِ الذَّهبِ والفِضةِ والحَديدِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ والبَلورِ والفَيروزجِ، قالَ أَصحابُنا: ليسَ للإمامِ إِقطاعُها لأنَّها لا تُملَكُ بالإِحياءِ.
والصَّحيحُ جَوازُ ذلك؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أقطَعَ لبِلالِ بنِ الحارِثِ مَعادنَ القبليَّةِ جَلسِيَّها وغَورِيَّها (٢).
وقالَ البُهوتيُّ رحمة الله عليه: وليسَ للإمامِ إِقطاعُ مَعادنَ ظاهِرةٍ أو باطِنةٍ؛ لما فيه مِنْ التَّضييقِ، وصحَّحَ في الشَّرحِ جَوازَه «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أقطَعَ بِلالَ بنَ الحارِثِ مَعادنَ القبليَّةِ جَلسِيَّها وغَورِيَّها» رواه أبو داودَ وغيرُه.
فإنْ كانَ بقُربِ الساحلِ مَوضعٌ إذا حصَلَ فيه الماءُ صارَ مِلحًا مُلكَ بالإِحياءِ، وللإمامِ إِقطاعُه لأنَّه لا تَضييقَ على المُسلِمينَ بذلك، بل يَحدُثُ نَفعُه بالعَملِ فيه، فلَم يَمنعْ منه كبَقيةِ المَواتِ.
وإِحياؤُه بتَهيئتِه لمَا يَصلُحْ له مِنْ حَفرِ تُرابِه وتَمهيدِه وفَتحِ قَناةٍ إليه يَتهيَّأُ بهذا للانتِفاعِ به (٣).
(١) «الحاوي الكبير» (٧/ ٤٩٧، ٤٩٨)، ويُنظَر: «المهذب» (١/ ٤٢٦، ٤٢٧)، و «البيان» (٧/ ٤٨٦، ٤٨٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٤٦).
(٢) «المغني» (٥/ ٣٣٣)، ويُنظَر: «المبدع» (٥/ ٢٥٢)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٢٩)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ١٨٢).
(٣) «كشاف القناع» (٤/ ٢٢٩).
ارجع إلى الإقطاع للاطلاع على جميع المسائل.