الثاني: أن تكون الدابة تالفة

الإسلام > الأوقاف والملكية > الانتفاع بالعارية > الثاني: أن تكون الدابة تالفة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

الثاني: أن تكون الدابة تالفة - الأقوال والأدلة

أحدُهما: أنَّ له أَجرَ المِثلِ؛ لأنَّهما لو اتَّفَقا على عَقدِ الإِجارةِ واختَلفا في قدرِ الأُجرةِ لَم يَستحقَّ المُسمَّى، فبألَّا يَستحقَّ المُسمَّى ولَم يَتفقا على قدرِ الإِجارةِ أَولى.

والوجهُ الثانِي عندَهما: أنَّ له الأُجرةَ المُسماةَ التي ادَّعاها؛ لأنَّه وجَبَ بقولِ المالكِ ويَمينِه، فوجَبَ ما حلَفَ عليه كالأَصلِ.

وفي احتِمالٍ عندَ الشافِعيةِ أنَّ المالكَ يَستحقُّ أقلَّ الأَمرينِ مِنْ المُسمَّى أو أُجرةِ المِثلِ؛ لأنَّه إنْ كانَ المُسمَّى أَكثرَ، لَم يَستحِقّ الزِّيادةَ عليه؛ لأنَّه لا يَجوزُ أنْ يَستحِقَّ ذلك بدَعواه أو يَمينِه، وإنْ كانَ أُجرةُ المِثلِ أَكثرَ لَم يَستحِقّ الزِّيادةَ على المُسمَّى؛ لأنَّه يَدعِيها.

الثانِي: أنْ تَكونَ الدابَّةُ تالِفةً:

قالَ العُمرانِيُّ الشافعيُّ رحمة الله عليه: وإنِ اختَلفا بعدَ تَلفِ الدابَّةِ نظَرتَ:

فإنْ تلِفَت عُقيبَ الدَّفعِ قبلَ أنْ تَمضيَ مُدةٌ لمِثلِها أُجرةٌ، فإنِ المالكُ ادَّعى عَقدَ الإِجارةِ -ولو صحَّ عَقدُها لانفسَخَت بمَوتِ الدابَّةِ عُقيبَ الدَّفعِ- فلا تَصحُّ دَعواه للأُجرةِ؛ لأنَّ الراكِبَ يُقرُّ له بقِيمةِ الدابَّةِ، وهو لا يَدعِيها.

قالَ الشَّيخُ أَبو حامدٍ: فيُقالُ لِمالكِ الدابَّةِ: قد أقرَّ لك بقِيمةِ الدابَّةِ، فإنْ شِئتَ فصدِّقْه أنَّك أَعرتَه الدابَّةَ وخذْ قِيمتَها منه، وإنْ لَم تُصدِّقْه فلا شيءَ لك.

وإنْ تلِفَت الدابَّةُ بعدَ أنْ مضَت مُدةٌ لمِثلِها أُجرةٌ فإنَّ المالكَ يَدَّعي أُجرةَ ما مَضى ولا يَدَّعي القِيمةَ، والراكِبُ يُنْكِرُ الأُجرةَ ويُقرُّ له بالقِيمةِ، واختَلفَ أَصحابُنا فيها:

فمنهم مَنْ قالَ: يُنظَرُ فيه؛ فإنْ كانَت الأُجرةُ والقِيمةُ سَواءً فإنَّ الحاكمَ يَأخذُ ذلك مِنْ الراكِبِ، ويَدفعُه إلى المالكِ مِنْ غيرِ يَمينٍ؛ لأنَّهما قد اتَّفَقا على استِحقاقِ مالكِ الدابَّةِ لذلك، وإنِ اختَلفا في سَببِه، فإنْ كانَت القِيمةُ أَكثرَ مِنْ الأُجرةِ ألزَمَه الحاكمُ دَفعَ قَدرِ الأُجرةِ، وقيلَ للمالكِ: «أنت لا تدَّعي الزِّيادةَ على قَدرِ الأُجرةِ، فإن أرَدْت أنْ تَستِحقَّه فأقِرَّ أنَّك أعرْتَه ولَم تُؤاجِرْه»، وإنْ كانَت الأُجرةُ أَكثرَ مِنْ القِيمةِ ألزَمَه الحاكمُ أنْ يَدفعَ إليه قَدرَ القِيمةِ، وكانَ الحُكمُ في الزِّيادةِ على الطَّريقَينِ إذا كانَت الدابَّةُ باقِيةً.

ومنهم مَنْ قالَ: يَسقُطُ إِقرارُه بالقِيمةِ؛ لأنَّه أقرَّ بها لمَن لا يَدَّعيها، والمالكُ يَدَّعي الأُجرةُ والراكِبُ يُنكِرُ، ومَن القولُ قولُه؟ على الطَّريقَينِ إذا كانَت الدابَّةُ باقِيةً (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنِ اختَلفا في ذلك بعدَ تَلفِ البَهيمةِ قبلَ مُضي مدةٍ لِمثلِها أجرٌ فالقولُ قولُ المالكِ، سواءٌ ادَّعى الإِجارةَ أو الإِعارةَ؛ لأنَّه إنِ ادَّعى الإِجارةَ فهو مُعتَرفٌ للراكِبِ ببَراءةِ ذمَّتِه مِنْ ضَمانِها، فيُقبَلُ إِقرارُه على نَفسِه، وإنِ ادَّعى الإِعارةَ فهو يَدَّعي قِيمتَها فالقولُ قولُه؛ لأنَّهما

(١) «البيان» (٦/ ٥٣٢، ٥٣٣). ويُنظَر: «المهذب» (١/ ٣٣٦)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٦٣٢، ٦٣٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٢٨٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب العارية
٨٦١ - مسألة؛ قال: (والعارية مضمونة، وإن لم يتعد فيها المستعير)

مَالِكِها، فكانت أمَانَةً، كالوَدِيعَةِ. قالوا: وقولُ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "العَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ" . يَدُلُّ على أنَّها أمَانَةٌ، لقولِ اللهِ تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} . ولَنا، قولُ النبىّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في حَدِيثِ صَفْوَانَ: "بل عَارِيَّةٌ مَضْمُونَة" . ورَوَى الحَسَنُ، عن سَمُرَةَ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: "عَلَى الْيَدِ مَا أخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ" . رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِىُّ . وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ولأنَّه أخَذَ مِلْكَ غيرِه لِنَفْعِ نَفْسِه، مُنْفَرِدًا بِنَفْعِه من غيرِ اسْتِحْقَاقٍ، ولا إذْنٍ في الإِتْلَافِ، فكان مَضْمُونًا كالغَصْبِ ، والمَأْخُوذِ على وَجْهِ السَّوْمِ. وحَدِيثُهُم يَرْوِيهِ عُمَرُ بن عبد الجَبَّارِ، عن عُبَيْدِ بن حَسَّانٍ، عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، وعُمَرُ وعُبَيْدٌ ضَعِيفَانِ. قالَه الدَّارَقُطْنِىُّ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ ضَمَانَ المَنَافِعِ والأَجْزَاءِ، وقِيَاسُهم مَنْقُوضٌ بالمَقْبُوضِ على وَجْهِ السَّوْمَ.

فصل: وإن شَرَطَ نَفْىَ الضَّمَانِ، لم يَسْقُطْ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حَفْصٍ العُكْبَرِىُّ: يَسْقُطُ. قال أبو الخَطَّابِ. أَوْمَأَ إليه أحمدُ. وهو قولُ قَتَادَةَ والعَنْبَرِىِّ؛ لأنَّه لو أَذِنَ في إِتْلَافِها لم يَجِبْ ضَمَانُها، فكذلك إذا أسْقَطَ عنه ضَمَانَها. وقيل: بل مذهبُ قَتَادَةَ والعَنْبَرِىِّ، أنَّها لا تُضْمَنُ إلَّا أن يَشْتَرِطَ ضَمَانَها فيَجِبُ؛ لقولِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لِصَفْوَانَ: "بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَة" . ولَنا، أنَّ كلَّ عَقْدٍ اقْتَضَى الضَّمَانَ، لم يُغَيِّرْهُ الشَّرْطُ، كالمَقْبُوضِ بِبَيْعٍ صَحِيحٍ أو فاسِدٍ، وما اقْتَضَى الأَمَانَةَ، فكذلك، كالوَدِيعَةِ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 196 - 197

ارجع إلى الانتفاع بالعارية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله