الضرب الثاني: ما حماه الخلفاء بعده

الإسلام > الأوقاف والملكية > الحمى > الضرب الثاني: ما حماه الخلفاء بعده

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

الضرب الثاني: ما حماه الخلفاء بعده - الأقوال والأدلة

الضربُ الثانِي: ما حَماه الخُلفاءُ بعدَه:

وهو إما أنْ يَحمِيَ لِنفسِه أو يَحمِيَ للمُسلِمينَ.

فأما ما حَماه لنَفسِه فلا خِلافَ بينَ المُسلِمينَ على أنَّه لا يَجوزُ، وهو يُفارِقُ حِمى النَّبيِّ لنَفسِه؛ لأنَّ صَلاحَه يَعودُ إلى صَلاحِ المُسلِمينَ، ومالُه كانَ يَردُّه في المُسلِمينَ، ففارقَ الأئِمةَ في ذلك، ولأنَّ هذا مِنْ خَصائصِ النَّبيِّ أنْ يَحميَ لنَفسِه دونَ الأئِمةِ.

وأما ما حَماه الأئِمةُ بعدَ النَّبيِّ للمُسلِمينَ فقد اختَلفَ الفَقهاءُ فيه:

فذهَبَ الشافِعيةُ في مقابلِ الأظهرِ إلى أنَّه لا يَجوزُ أنْ يَحميَ؛ لروايةِ مجاهدٍ عن ابنِ عَباسٍ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ : «المُسلِمونَ شُركاءُ في ثلاثٍ: في الماءِ والكَلأِ والنَّارِ، وثَمنُه حَرامٌ» (١)

ولِما رواه ابنُ عَباسٍ رضي الله عنهما أنَّ الصَّعبَ بنَ جثَّامةَ رضي الله عنه قالَ: إنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «لا حِمى إلا للهِ ولرَسولِه» (٢) أيْ: ليسَ لأحدٍ أنْ يَحميَ للمُسلِمينَ إلا ما حَماهُ النَّبيُّ (٣).

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الإمام أحمد في «مسنده» (٢٣١٣٢)، وابن ماجه (٢٤٧٢) واللفظ له، والبيهقي في «الكبرى» (١١٦١٢).
(٢) أخرجه البخاري (٢٢٤١).
(٣) «الحاوي الكبير» (٧/ ٤٨٣، ٤٨٤)، و «المهذب» (١/ ٤٢٧)، و «البيان» (٧/ ٤٩٨، ٥٠٠)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٠٩، ١١٠)، و «أسنى المطالب» (٢/ ٤٤٩)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٢٣، ٤٢٤)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٣٨)، و «فتح الباري» (٥/ ٤٤).

وذهَبَ جُمهورُ الفَقهاءِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ في الأَظهرِ والحَنابلةِ إلى أنَّه يَجوزُ للإمامِ أنْ يَحميَ للمُسلِمينَ مِنْ المَواتِ مَراعيَ تَرعى فيها خَيلُ المُجاهِدينَ ونَعمُ الجِزيةِ وإِبلُ الصَّدقةِ وضَوالُّ الناسِ التي يَقومُ الإمامُ بحِفظِها وماشِيةُ الضَّعيفِ مِنْ الناسِ على وجهٍ لا يَستضرُّ به مَنْ سِواه مِنْ الناسِ.

ولِما رُويَ أنَّ أَبا بَكرٍ رضي الله عنه حَمى بالرَّبذةِ لإِبلِ الصَّدقةِ، واستَعملَ عليه مَولاه أَبا أُسامةَ وتَولاهُ عليه قُرطُ بنُ مالكٍ، وحَمى عُمرُ بنُ الخَطابِ رضي الله عنه الشرفَ فحَمى منه نحوَ ما حَمى أَبو بَكرٍ رضي الله عنه بالرَّبذةِ.

فرَوى عامرُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ عن أَبيه قالَ: «أَتى أَعرابيٌّ مِنْ أهلِ نَجدٍ عُمرَ فقالَ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، بلادُنا قاتَلْنا عليها في الجاهليَّةِ وأسلَمْنا عليها في الإِسلامِ، فعلامَ تَحمِيها؟ فأطرقَ عُمرُ رضي الله عنه وجعَلَ يَنفخُ ويَفتلُ شاربَه -وكانَ إذا كرِهَ أمرًا فتَلَ شاربَه ونفَخَ-، فلما رَأى الأَعرابيُّ ما به جعَلَ يُردِّدُ ذلك، فقالَ عُمرُ: المالُ مالُ اللهِ والعِبادُ عِبادُ اللهِ، فلولا ما أَحملُ عليه في سَبيلِ اللهِ ما حمَيْت مِنْ الأرضِ شِبرًا في شبْرٍ» (١).

قالَ مالكٌ: نُبِّئتُ أنَّه كانَ يَحملُ في كلِّ عامٍ على أربَعينَ ألفًا مِنْ الظَّهرِ، وقالَ مَرةً: مِنْ الخَيلِ.

ورَوى زَيدُ بنُ أَسلمَ عن أَبيه أنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ رضي الله عنه «استَعملَ مولًى له يُدعَى هنَيًّا على الحِمى، فقالَ: يا هنَيُّ، اضْممْ جناحَكَ عن الناسِ،

(١) رواه أبو عبيد في «الأموال» (٧٤٢).

واتَّقِ دعوةَ المظلومِ؛ فإنَّ دعوةَ المَظلومِ مُستجابةٌ، وأدخِلْ ربَّ الصُّريمَةِ ورَبَّ الغُنيمةِ، وإيَّاي ونَعمَ ابنِ عَوفٍ ونَعمَ ابنِ عَفانَ؛ فإنَّهما إنْ تَهلكْ ماشِيتُهما يَرجعانِ إلى نَخلٍ وزَرعٍ، وإنَّ ربَّ الصُّريمَةِ ورَبَّ الغُنيمةِ إنْ تَهلكْ ماشِيتُه يَأتنِي ببَنِيه فيَقولُ: يا أميرَ المُؤمِنينَ .. يا أميرَ المؤمِنينَ! أفتَاركُهم أنَا -لا أَبا لك-! فالماءُ والكَلأُ أَيسرُ عليَّ مِنْ الذَّهبِ والوَرِقِ، وايمُ اللهِ إنَّهم لَيَرونَ أنَّي قد ظلَمْتُهم، إنَّها لَبلادُهم ومِياهُهم قاتَلوا عليها في الجاهليَّةِ وأسلَموا عليها في الإِسلامِ، والذي نَفسِي بيدِه لَولا المالُ الذي أَحمِلُ عليه في سَبيلِ اللهِ ما حمَيتُ عليهم مِنْ بِلادِهم شبْرًا» (١).

ولأنَّ ما كانَ لمَصالحِ المُسلِمينَ قامَت الأئِمةُ فيه مَقامَ رَسولِ اللهِ ، وقد رُويَ عن النَّبيِّ أنَّه قالَ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ إذا أطعَمَ نَبيًّا طُعمةً فهي للذي يَقومُ من بعدِه» (٢).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه مالك في «الموطأ» (١٨٢٢)، وقَالَ العمراني في «البيان» (٧/ ٥٠٠) وقوله: (وأدخلَ ربُّ الصُّريمةِ والغُنيمةِ) أي: لا تُمنَعُ الضُّعفاءُ مِنْ هذا الحِمى.
و (الصُّريمةُ): تَصغيرُ صِرمَةٍ، وهي: ما بينَ العشرِ إلى الثَّلاثينَ مِنْ الإبلِ. وما دونَ العشرِ يُقالُ له: الذّودُ.
و (الغُنيمةُ): تَصغيرُ غَنمٍ.
وأما قولُه: (وإيَّاك ونَعَمَ ابنِ عفانَ، ونَعَمَ ابنِ عوفٍ) أيْ: لا تُدخِلها الحِمى؛ لأنَّهما غَنيانِ لا يَضرُّهما هَلاكُ نَعمِهما.
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٢٩٧٥)، وأحمد (١٤).

وأَحيا عُثمانُ رضي الله عنه واشتَهرَ ذلك بينَ أَصحابِ النَّبيِّ فلَم يُنكِرْ عليهم أحدٌ فكانَ إِجماعًا.

ولأنَّ مَنْ ملَكَ الوِلايةَ على بيتِ المالِ ملكَ أنْ يَحميَ المَواتَ، أَصلُه النَّبيُّ ولأنَّ ما كانَ للنَّبيِّ إِمساكُه لمُؤنةِ بَيتِ المالِ جازَ للإمامِ، كالحَشيشِ النابِتِ في أَراضِي بَيتِ المالِ، ولأنَّ مَنْ جازَ له أنْ يُقطِعَ جازَ له أنْ يَحميَ، أَصلُه النَّبيُّ ، ولأنَّ كلَّ تَصرفٍ جازَ للنَّبيِّ في مَصالحِ المُسلِمينَ جازَ للإمامِ، أَصلُه الإِقطاعُ.

وأما قولُ النَّبيِّ : «المُسلِمونَ شُركاءُ في ثَلاثٍ» فهو عامٌّ خُصَّ منه الحِمى، على أنَّ الحِمى يُشرَكُ فيه المُسلِمونَ؛ لأنَّ نَفعَ الحِمى يَعودُ عليهم كافَّةً مِنْ الفُقراءِ والأَغنياءِ، أما الفُقراءُ فلأنَّه مَرعى صَدقاتِهم، وأما الأَغنياءُ فلخَيلِ المُجاهِدينَ عنهم، فإذا حَماه كانَ لهم، فقد وصَلَ نَفعُه إلى جَماعتِهم، وهذا لا يَمنعُ الشَّركةَ.

وأما قولُه : «لا حِمى إلا اللهِ» فمَعناها: لا حِمى إلا على مثلِ ما حَماهُ اللهُ ورَسولُه، للفُقراءِ والمَساكينِ ولمَصالحِ المُسلِمينَ كافَّةً، لا على مِثلِ ما كانوا عليه في الجاهليَّةِ مِنْ تَفرُّدِ العَزيزِ منهم بالحِمى لنَفسِه، كالذي كانَ يَفعلُه كُليبُ بنُ وائلٍ، فإنَّه كانَ يُوافي بكَلبٍ عن نَشازٍ مِنْ الأرضِ ثُم يَستعدِيه ويَحمي ما انتَهى إليه عِواؤُه مِنْ كلِّ الجِهاتِ، ويُشاركُ الناسَ فيما عَداه حتى كانَ ذلك سَببَ قَتلِه.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب إحياء الموات
مسألة

وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَوَتَانُ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ مِنِّي " .

وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " عِمَارَاتُ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ فَيْءٌ وَلِأَنَّ مَا لَمْ يَجر عَلَيْهِ مِلْكٌ نَوْعَانِ: أَرْضٌ، وَحَيَوَانٌ، فَلَمَّا مَلَكَ الْحَيَوَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ بِالِاصْطِيَادِ مَلَكَ مَوَاتَ الْأَرْضِ إِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ بِالْإِحْيَاءِ.

فَصْلٌ

: فَإِذَا تَقَرَّرَ جَوَازُ الْإِحْيَاءِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: بِلَادُ الْمُسْلِمِينَ شيئان عامر وموات ونما خَصَّ الشَّافِعِيُّ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ قِسْمَيِ الْعَامِرِ وَالْمَوَاتِ وَإِنْ كَانَتْ بِلَادُ الشِّرْكِ قِسْمَيْنِ: عَامِرٌ، وَمُوَاتٌ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ عَامِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ لِأَهْلِهِ لَا يُمْلَكُ عَلَيْهِ إِلَّا بِإِذْنِهِمْ وَعَامِرَ بِلَادِ الشِّرْكِ قَدْ يُمْلَكُ عَلَيْهِمْ قَهْرًا وَغَلَبَةً بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ بَدَأْنَا بِذِكْرِ الْعَامِرِ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ بِمَوَاتِهِمْ أَمَّا الْعَامِرُ فَلِأَهْلِهِ الَّذِينَ قَدْ مَلَكُوا بِأَحَدِ أَسْبَابِ التَّمْلِيكِ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ:

أَحَدُهَا: الْمِيرَاثُ.

وَالثَّانِي: الْمُعَاوَضَاتُ.

وَالثَّالِثُ: الْهِبَاتُ.

وَالرَّابِعُ: الْوَصَايَا.

وَالْخَامِسُ: الْوَقْفُ.

وَالسَّادِسُ: الصَّدَقَاتُ.

وَالسَّابِعُ: الْغَنِيمَةُ.

وَالثَّامِنُ: الْإِحْيَاءُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 114 - 117

ارجع إلى الحمى للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد