المسألة السادسة: إذا وهب العين المغصوبة

الإسلام > الأوقاف والملكية > تصرفات الغاصب > المسألة السادسة: إذا وهب العين المغصوبة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

المسألة السادسة: إذا وهب العين المغصوبة - الأقوال والأدلة

أَحدُهما: يَرجعُ؛ لأنَّه دخَلَ على أنَّ المَنافعَ له غيرُ مَضمونةٍ عليه.

والثانِي: لا يَرجعُ؛ لأنَّه انتفَعَ بها فقد استَوفَى بَدلَ ما غرِمَ، وكذلك الحُكمُ فيما تلِفَ من الأَجزاءِ بالاستِعمالِ، وإذا كانَت العَينُ وَقتَ القَبضِ أكثَرَ قيمةً من يَومِ التَّلفِ فضمِنَ الأكثَرَ يَنبَغي أنْ يَرجعَ بما بينَ القيمَتَينِ؛ لأنَّه دخَلَ على أنَّه لا يَضمنُه، ولم يَستَوفِ بَدلَه، فإنْ رَدَّها المُستعيرُ على الغاصِبِ فللمالِكِ أنْ يُضمِّنَه أيضًا؛ لأنَّه فوَّتَ المِلكَ على مالِكِه بتَسليمِه إلى غيرِ مُستحِقِّه، ويَستقرُّ الضَّمانُ على الغاصِبِ إنْ حصَلَ التَّلفُ في يَدَيه، وكذلك الحُكمُ في المُودَعِ وغيرِه (١).

المَسألةُ السادِسةُ: إذا وهَبَ العَينَ المَغصوبةَ:

لو وهَبَ الغاصِبُ العَينَ المَغصوبةَ فتلِفَت عندَ المَوهوبِ له فللمالِكِ تَضمينُ أيِّهما شاءَ باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ، إلا أنَّهم اختَلَفوا فيمَن يَستقرُّ عليه الضَّمانُ، وهل هناك فَرقٌ بينَ إذا كانَ عالِمًا بالغَصبِ أو جاهِلًا أو لا؟

قالَ الحَنفيةُ: لو وهَبَ الغاصِبُ المَغصوبَ لآخَرَ وسلَّمَه إياه فإذا كانَ مَوجودًا في يَدِ ذلك الشَّخصِ عَينًا كانَ المَغصوبُ منه مُخيَّرًا، إنْ شاءَ أجازَ الهِبةَ والتَّسليمَ وإنْ شاءَ فسَخَ الهِبةَ واستَردَّه من المَوهوبِ له، وإنْ شاءَ ضمَّنَ بدَلَه للغاصِبِ، باعتِبارِ أنَّ تَسليمَه لآخَرَ استِهلاكٌ.

(١) «المغني» (٥/ ١٥٩، ١٦٩)، و «الكافي» (٢/ ٤٠٦، ٤٠٨)، و «كشاف القناع» (٤/ ١٢٧).

وإذا تلِفَ في يَدِ المَوهوبِ له كانَ المَغصوبُ منه مُخيَّرًا، إنْ شاءَ ضمَّنَ الغاصِبَ وإنْ شاءَ ضمَّنَ المَوهوبَ له، فإنْ ضمَّنَ المَوهوبَ له فليس له الرُّجوعُ ببَدلِ الضَّمانِ على الغاصِبِ؛ لأنَّ قَبضَ ذلك الشَّخصِ المالَ المَذكورَ قد كانَ لنَفسِه.

والحُكمُ في الصَّدقةِ على هذا المِنوالِ أيضًا.

قالَ الطَّحاويُّ: قالَ أَصحابُنا: إذا غصَبَ ثَوبًا فوهَبَه لغيرِه فخرَقَه ثم جاءَ المَغصوبُ، فإنْ شاءَ ضمَّنَ الغاصِبَ وإنْ شاءَ ضمَّنَ المَوهوبَ له، فأيَّهما ضمَّنَ لم يَرجِعْ على الآخَرِ (١).

قالَ المالِكيةُ: وارِثُ الغاصِبِ ومَن وهَبَه الغاصِبُ شَيئًا إنْ علِما بالغَصبِ فحُكمُهما حُكمُ الغاصِبِ في غَرامةِ قيمةِ المُقوَّمِ ومِثلِ المِثليِّ، وللمُستحِقِّ الرُّجوعُ بالغَلةِ على أيِّهما شاءَ، ويَرجعُ على الوارِثِ والمَوهوبِ له بالغَلَّةِ؛ لأنَّهما لمَّا علِما خُوطِبا بالرَّدِّ، فلمَّا لم يَفعَلا تَرتَّب عليهما بسَببِ ذلك حُكمُ التَّعدِّي.

وإنْ لم يَعلَمِ المَوهوبُ له بالغَصبِ بُدئَ بالغاصِبِ في الغَرامةِ إنْ كانَ حَيًّا مُوسِرًا، ومِن تَركتِه إنْ كانَ مَيتًا مُوسِرًا، فيُغرَّمُ قيمةَ المُقوَّمِ إنْ فاتَت السِّلعةُ ويُغرَّمُ مِثلَ المِثليِّ.

(١) «مختصر اختلاف العُلماء» (٤/ ١٨٠)، و «مجمع الضمانات» (١/ ٢٩٣)، و «حاشية ابن عابدين» (٦/ ١٩٧، ١٩٨)، و «الهندية» (٥/ ١٤٧)، و «درر الحكام» (٢/ ٥٢٧).

ويَرجعُ المالِكُ على الغاصِبِ المَليءِ بالغَلَّةِ التي استغَلَّها المَوهوبُ من الشَّيءِ المَغصوبِ، ولا يَرجعُ الغاصِبُ بشَيءٍ من ذلك على المَوهوبِ له، وإذا رجَعَ عليه بغَلَّةِ مَوهوبِه فأَوْلى ما استغَلَّه هو، والرُّجوعُ على الغاصِبِ بغَلةِ مَوهوبِه مَحلُّه إذا كانَت السِّلعةُ قائِمةً أو فاتَت ولم يَختَرْ تَضمينَه القيمةَ؛ إذْ لا يَجمعُ بينَ القيمةِ والغلَّةِ.

فإنْ كانَ الغاصِبُ مُعسِرًا ولم يَقدِرْ عليه فإنَّ المُستحِقَّ يَرجعُ بالغَلَّةِ على المَوهوبِ؛ لأنَّه المُستهلِكُ لذلك، ولا يَرجعُ المَوهوبُ له على الغاصِبِ بشَيءٍ من ذلك؛ لأنَّه يَقولُ: «وهَبتُك شَيئًا»، فاستُحِقَّ، فإنْ كانا عَديمَينِ اتَّبَع أوَّلَهما يَسارًا، ومَن غُرِّمَ منهما لا يَرجعُ على صاحِبِه.

ويَرجعُ على المَوهوبِ بما استغَلَّه فقط إنْ كانَت السِّلعةُ قائِمةً أو فاتَت واختارَ أخْذَ الغَلَّةِ، وإنِ اختارَ تَضمينَه أخَذَ القيمةَ فقط، ولا شَيءَ له من الغَلَّةِ؛ لأنَّه لا يَجمعُ له بينَهما (١).

وقالَ القَرافيُّ رحمة الله عليه: إذا وهَبَ الغاصِبُ لكَ طَعامًا أو إِدامًا فأكَلتَه أو ثَوبًا فلبِستَه حتى أبلَيتَه رجَعَ مُستحِقُّه على الغاصِبِ المَليءِ؛ لأنَّه المُتعدِّي المُسلَّطُ، وإنْ كانَ مُعدِمًا أو مَعجوزًا عنه فعليكَ؛ لأنَّك المُنتفِعُ بمالِه، ولا تَرجعُ أنتَ على الواهِبِ بشَيءٍ لعَدمِ انتِفاعِه وانتِفاعِك، وكذلك لو أعارَك الغاصِبُ فنقَصَت بلُبسِك لا تَرجعُ على المُعيرِ …

(١) «التاج والإكليل» (٤/ ٣٢٥، ٣٢٧)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١٤٧، ١٤٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (١٨٣، ١٨٤)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٤٠٥)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٨/ ٤٢٦، ٤٢٨).

قالَ ابنُ يُونسَ: قالَ أشهَبُ: إذا وهَبَك الغاصِبُ فأبلَيتَ أو أكَلتَ اتَّبعَ أيَّكما شاءَ؛ لوُجودِ سَببِ الضَّمانِ في حَقِّكما، قالَ ابنُ القاسِمِ: إنْ كانَ الواهِبُ غيرَ غاصِبٍ لم يَتبَعْ غيرَ المَوهوبِ المُنتفِعِ، وهو خِلافُ ما له في كِتابِ الاستِحقاقِ في مُكري الأرضِ يُحابي في كِرائِها ثم يَطرأُ أَخوه، وسَواءٌ بينَ المُتعدِّي وغيرِه، وهو أصلُه في «المُدوَّنة» أنْ يَبدأَ بالرُّجوعِ على الواهِبِ، فإنْ أُعدِمَ فعلى المَوهوبِ، إلا أنْ يَكونَ الواهِبُ عالِمًا بالغَصبِ فكالغاصِبِ في جَميعِ الأُمورِ، ويَرجعُ على أيِّهما شاءَ، وقَولُ أشهَبَ أقيَسُ، ولا يَكونُ المَوهوبُ أحسَنَ حالًا من المُشتَري، ووَجهُ التَّبدِئةِ بالغاصِبِ: أنَّ الظالِمَ أحَقُّ أنْ يُحمَلَ عليه، والفَرقُ بينَ المَوهوبِ والمُشتَري أنَّ المُشتَري إذا غُرِّمَ رجَعَ بالثَّمنِ، والمَوهوبُ لا يَرجعُ (١).

وقالَ الشافِعيةُ: لو وهَبَ الغاصِبُ المَغصوبَ من شَخصٍ فقَرارُ الضَّمانِ على المَوهوبِ له على الأظهَرِ؛ لأنَّه -وإنْ كانَت يَدُه ليسَت يَدَ ضَمانٍ- أخَذَه للتَّملُّكِ.

ومُقابِلُ الأظهَرِ القَرارُ على الغاصِبِ؛ لأنَّ يَدَ الاتِّهابِ ليسَت يَدَ ضَمانٍ (٢).

(١) «الذخيرة» (٨/ ٢٧٣).
(٢) «روضة الطالبين» (٣/ ٦٤١)، و «الحاوي الكبير» (٧/ ٢٠٥)، و «النجم الوهاج» (٥/ ١٧٦)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٢٩٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الغصب
٨٦٢ - مسألة؛ قال: (ومن غصب أرضا، فغرسها، أخذ بقلع غرسه وأجرتها إلى وقت تسليمها، ومقدار نقص

كالبَيْعِ وكالنَّقْصِ. وقد قال أحمدُ، في رِوَايَةِ ابن مَنْصُورٍ: إذا كَسَرَ الحَلْىَ، يُصْلِحُه أَحَبُّ إلىَّ. قال القاضي: وهذا مَحْمُولٌ على أنَّهما تَرَاضَيا بذلك، لا أنَّه على طَرِيقِ الوُجُوبِ. وهذا فيما إذا كانت الصِّنَاعَةُ مُبَاحَةً، فإن كانت مُحَرَّمَةً كالأَوَانِي وحَلْىِ الرِّجَالِ، لم يَجزْ ضَمَانُه بأَكْثَرَ من وَزْنِه، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ الصِّنَاعَةَ لا قِيمَةَ لها شَرْعًا، فهى كالمَعْدُومَةِ.

٨٦٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ غَصَبَ أَرْضًا، فغَرَسَها، أُخِذَ بِقَلْعِ غَرْسِه وأُجْرَتِهَا إلى وَقْتِ تَسْلِيمِهَا، ومِقْدَارِ نُقْصَانِهَا، إنْ كَانَ نَقَصَهَا الغَرْسُ) .

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 501 - 504

ارجع إلى تصرفات الغاصب للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله