الإسلام > الأوقاف والملكية > حد القرب والبعد من العامر > إحياء الذمي للموات
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةإِحياءُ الذِّميِّ للمَواتِ:
اتَّفقَ الفَقهاءُ على أنَّ الإِحياءَ المَذكورَ إنَّما هو للمُسلمِ خاصَّةً، واختَلفوا في الذِّميِّ هل يَجوزُ له إِحياءُ المَواتِ ويَشتركُ مع المُسلمِ في حكمِ الإِحياءِ؟ أم أنَّ الإِحياءَ خاصٌّ بالمُسلمِ دونَ الذِّميِّ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفَقهاءِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ إلى أنَّه لا فَرقَ بينَ المُسلمِ والذِّميِّ في إِحياءِ المَواتِ، فيَجوزُ للذِّميِّ أنْ يُحييَ المَواتَ؛ لعُمومِ قولِ النَّبيِّ ﷺ: «مَنْ أَحيا أرضًا مَيتةً فهي له» (١)، ولأنَّ هذه جِهةٌ مِنْ جِهاتِ التَّمليكِ فاشتَركَ فيها المُسلمُ والذِّميُّ كسائرِ جِهاتِه، ولأنَّ الذِّميَّ مِنْ أهلِ دارِ الإِسلامِ تَجرِي عليه أَحكامُها ويَمتلكُها كما يَملكُها بالشراءِ، ويَملكُ مُباحاتِها مِنْ الحَشيشِ والحَطبِ والصّيودِ والرِّكازِ والمَعدِنِ واللُّقطَةِ، وهي مِنْ مَرافقِ دارِ الإِسلامِ.
ولأنَّ الإِحياءَ سَببُ الملكِ فيَستوِي فيه المُسلِمُ والذِّميُّ كسائرِ الأَسبابِ (٢).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٠٧٣)، والترمذي (١٣٧٨)، والنسائي في «الكبرى» (٥٧٦١).
(٢) «الهداية» (٤/ ٩٩)، و «الاختيار» (٣/ ٨٣)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٢٠٠)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٢٢)، و «اللباب» (١/ ٦٨٢)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٢٤٠)، رقم (١٠٨٧)، و «المنتقى» (٦/ ٢٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٤٤)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٢٨، ٦٢٩)، و «حاشية الصاوي» (٩/ ١٢٥)، و «المغني» (٥/ ٣٢٩، ٣٣٠)، و «الشرح الكبير» (٦/ ١٥٠).
إلا أنَّه لا يُحيِي في جَزيرةِ العَربِ -ولو أذِنَ له الإمامُ عندَ المالِكيةِ- لأنَّه ليسَ له السُّكنَى فيها، وكذا ما قرُبَ مِنْ العُمرانِ لا يَجوزُ له إِحياؤُه ولو أذِنَ فيه الإمامُ، أما ما بعُدَ عن العُمرانِ فيَجوزُ إِحياؤُه بغيرِ إذنِ الإمامِ (١).
وقالَ الحَنفيةُ: لا يَجوزُ إِحياؤُه إلا بإذنِ الإمامِ اتِّفاقًا (٢).
وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: لا يُشتَرطُ إذنُ الإمامِ فيما يُحيِيه الذميُّ في ديارِ الإِسلامِ كالمُسلمِ.
وفي قولٍ: لا بدَّ مِنْ إذنِ الإمامِ (٣).
وذهَبَ الشافِعيةُ وابنُ القصَّارِ مِنْ المالكِيةِ وبعضُ الحَنابلةِ كابنِ حامدٍ إلى أنَّه لا يَجوزُ للذِّميِّ أنْ يُحيِيَ في دارِ الإِسلامِ ولا يَملكُه بذلك، سَواءٌ أذِنَ له الإمامُ أم لَم يَأذنْ، وليسَ للإمامِ أنْ يَأذنَ له في ذلك، وذلك لما رُويَ مَوقوفًا على ابنِ عَباسٍ رضي الله عنهما: «إنَّ عادِيَّ الأرضِ للهِ ولرَسولِه ولكم مِنْ بعدُ، فمَن أَحيا شيئًا مِنْ مَوتانِ الأرضِ فهو أحقُّ به» (٤).
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٢٤٠)، رقم (١٠٨٧)، و «المنتقى» (٦/ ٢٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٤٤)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٢٨، ٦٢٩)، و «حاشية الصاوي» (٩/ ١٢٥).
(٢) «الهداية» (٤/ ٩٩)، و «الاختيار» (٣/ ٨٣)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٢٠٠)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٢٢)، و «اللباب» (١/ ٦٨٢).
(٣) «الإنصاف» (٦/ ٣٥٧، ٣٥٩)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٢٦، ٢٢٧).
(٤) «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٤٨٧)، رقم (٢٢٣٨٥)، والبيهقي في «الكبرى» (٦/ ١٤٣)، رقم (١١٥٦٥).
وقد رُويَ عن طاوسٍ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «عادِيُّ الأرضِ للهِ ولِرَسولِه، ثُم هو بعدُ لكم» (١).
فوجهُ الدليلِ مِنْ الخبَرِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أضافَ المَواتَ إلى اللهِ لا على سَبيلِ أنَّه يَملكُها لأنَّه مالكٌ لها ولغيرِها، وإنَّما أضافَها إلى اللهِ تَعالَى تَشريفًا لها؛ لأنَّها تُملَكُ بغيرِ عِوضٍ ولا عن مالكٍ، كما أضافَ خُمسَ الغَنيمةِ إليه لِشرفِه؛ لأنَّه يُملَكُ بغيرِ عِوضٍ ولا عن مُملّكٍ؛ لقولِه تَعالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، فلمَّا لَم يَكنِ للكافرِ حقٌّ في خُمسِ الغَنيمةِ فكذلك في المَواتِ في بلادِ الإِسلامِ، وإنَّما لم يُضفِ الزكاةَ إليه؛ لأنَّها أَوساخُ الناسِ، ثُم قالَ: «ثُم هو بعدُ لكم» وهذا خَطابُ للمُسلِمينَ.
حتى لو أذِنَ له الإمامُ لَم يَملِكْها؛ لأنَّه استِعلاءٌ وليسَ له أنْ يَستعليَ في دارِ الإِسلامِ، وللمُسلمِ أنْ يَأخذَه منه ويَملكَه إنْ أَحياه وإنْ لم يَأذنْ له فيه الإمامُ، فإنْ كانَ فيه عينٌ له كزَرعٍ رَدَّه المُسلمُ إليه، فإنْ أعرَضَ عنه فهو لبَيتِ المالِ وليسَ لأحدٍ التصرُّفُ فيه، ولا أجرةَ عليه مدَّةَ إِحيائِه، لأنَّه ليسَ ملكًا لأحدٍ.
لكنْ يَجوزُ له وللمُستأمِنِ الاحتِطابُ والاحتِشاشُ والاصطِيادُ ونَقلُ التُّرابِ (٢).
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو عبيد في «الأموال» (٦٧٤)، والبيهقي في «الكبرى» (١١٥٦٤).
(٢) «البيان» (٧/ ٤٨١)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٩٨)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٠٩)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢١٤)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٢٧)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٢٩)، و «الإنصاف» (٦/ ٣٥٨).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب إحياء الموات
مسألة
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَوَتَانُ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ مِنِّي " .
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " عِمَارَاتُ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ فَيْءٌ وَلِأَنَّ مَا لَمْ يَجر عَلَيْهِ مِلْكٌ نَوْعَانِ: أَرْضٌ، وَحَيَوَانٌ، فَلَمَّا مَلَكَ الْحَيَوَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ بِالِاصْطِيَادِ مَلَكَ مَوَاتَ الْأَرْضِ إِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ بِالْإِحْيَاءِ.
فَصْلٌ
: فَإِذَا تَقَرَّرَ جَوَازُ الْإِحْيَاءِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: بِلَادُ الْمُسْلِمِينَ شيئان عامر وموات ونما خَصَّ الشَّافِعِيُّ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ قِسْمَيِ الْعَامِرِ وَالْمَوَاتِ وَإِنْ كَانَتْ بِلَادُ الشِّرْكِ قِسْمَيْنِ: عَامِرٌ، وَمُوَاتٌ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ عَامِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ لِأَهْلِهِ لَا يُمْلَكُ عَلَيْهِ إِلَّا بِإِذْنِهِمْ وَعَامِرَ بِلَادِ الشِّرْكِ قَدْ يُمْلَكُ عَلَيْهِمْ قَهْرًا وَغَلَبَةً بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ بَدَأْنَا بِذِكْرِ الْعَامِرِ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ بِمَوَاتِهِمْ أَمَّا الْعَامِرُ فَلِأَهْلِهِ الَّذِينَ قَدْ مَلَكُوا بِأَحَدِ أَسْبَابِ التَّمْلِيكِ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ:
أَحَدُهَا: الْمِيرَاثُ.
وَالثَّانِي: الْمُعَاوَضَاتُ.
وَالثَّالِثُ: الْهِبَاتُ.
وَالرَّابِعُ: الْوَصَايَا.
وَالْخَامِسُ: الْوَقْفُ.
وَالسَّادِسُ: الصَّدَقَاتُ.
وَالسَّابِعُ: الْغَنِيمَةُ.
وَالثَّامِنُ: الْإِحْيَاءُ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب إحياء الموات
٩١٣ - مسألة؛ قال أبو القاسم: (ومن أحيا أرضا لم تملك، فهى له)
٩١٣ - مسألة؛ قال أبو القاسم: (ومَنْ أحْيَا أرْضًا لَمْ تُمْلَكْ، فَهِىَ لَهُ)
وجملتُه أنَّ المَوَاتَ قِسْمانِ؛ أحَدُهما، ما لم يَجرِ عليه مِلْكٌ لأحَدٍ، ولم يُوجَدْ فيه أَثَرُ عِمَارَةٍ، فهذا يُمْلَكُ بالإِحْياءِ ، بغير خِلَافٍ بين القائِلِينَ بالإِحْياءِ. والأخْبَارُ التي رَوَيْناها مُتَنَاوِلَةٌ له. القسم الثاني، ما جَرَى عليه مِلْكُ مالِكٍ، وهو ثلاثةُ أَنْوَاعٍ؛ أحدها؛ مالَه مالِكٌ مُعَيَّنٌ، وهو ضَرْبانِ؛ أحدهما، ما مُلِكَ بشِرَاءٍ أو عَطِيّةٍ، فهذا لا يُمْلَكُ بالإِحْياءِ، بغيرِ خِلَافٍ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ العُلَماءُ على أنَّ ما عُرِفَ بمِلْكِ مالِكٍ غيرِ مُنْقَطعٍ، أنَّه لا يجوزُ إحْياؤُه لأحدٍ غيرِ أرْبَابِه. الثاني، ما مُلِكَ بالإِحْياءِ، ثم تُرِكَ حتى دَثَرَ وعادَ مَوَاتًا، فهو كالذى قَبْلَه سواءً. وقال مالِكٌ: يُمْلَكُ هذا؛ لِعُمُومِ قوله: "مَنْ أَحْيَا أرْضًا مَيْتَةً فَهِىَ لَهُ" . ولأنَّ أصْلَ هذه الأرْضِ مُبَاحٌ، فإذا تُرِكَتْ حتى تَصِيرَ مَوَاتًا عادَتْ إلى الإِبَاحةِ، كمن أخَذَ ماءً من نَهْرٍ ثم رَدَّهُ فيه. ولَنا، أنَّ هذه أرْضٌ يُعرَفُ مالِكُها، فلم تُمْلَكْ بالإِحْياءِ، كالتى مُلِكَتْ بِشِرَاءٍ أو عَطِيَّةٍ، والخَبَرُ مُقَيّدٌ بغيرِ المَمْلُوكِ، بقولِه في الرِّوَايةِ الأخرى: "من أحْيَا أرْضًا مَيتَةً لَيْسَتْ لأَحَدٍ" . وقوله: "في غيرِ حَقِّ مُسْلِمٍ" . وهذا يُوجِب تَقيِيدَ مُطْلَقِ حَدِيثِه. وقال هِشَامُ بن عُرْوَةَ، في تَفْسِيرِ قولِه عليه السلام: "ولَيْسَ لِعِرْقٍ ظالِمٍ حَقٌّ" : العِرْقُ الظالِمُ أن يَأْتِىَ الرَّجُلُ الأرْضَ المَيْتَةَ لغيرِه، فيَغْرِسَ فيها. ذَكَرَه سَعِيدُ بن منصورٍ، في "سُنَنِه" . ثم الحَدِيثُ مَخْصُوصٌ بما مُلِكَ بِشِرَاءٍ أو عَطِيّةٍ،
ارجع إلى حد القرب والبعد من العامر للاطلاع على جميع المسائل.