الإسلام > الأوقاف والملكية > خصائص عقد الوديعة > أخذ الأجرة على الوديعة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةفلمْ يُفرِّقْ بينَ أنْ يَشترطَ الضَّمانَ أو لا يَشترطَ، ولأنَّ ما كانَ أَصلُه الأَمانةُ لمْ يَصرْ مَضمونًا بالشَّرطِ، كالمَضمونِ لا يَصيرُ أَمانةً بالشَّرطِ (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إذا شرَطَ ربُّ الوَديعةِ على المُستودَعِ ضَمانَ الوَديعةِ فقبِلَه أو قالَ أنا ضامِنٌ لها لمْ يَضمنْ، قالَ أَحمدُ في المُودَعِ إذا قالَ أنا ضامِنٌ لها فسُرقَت فلا شيءَ عليه، وكذلك كلُّ ما أَصلُه الأَمانةُ كالمُضاربَةِ ومالِ الشَّركةِ والرَّهنِ والوَكالةِ، وبهذا قالَ الثَّوريُّ والشافِعيُّ وإسحاقُ وابنُ المُنذرِ، وذلك لأنَّه شرَطَ ضَمانَ ما لم يُوجدْ سَببُ ضَمانِه فلمْ يَلزمْه، كما لو شرَطَ ضَمانَ ما يَتلفُ في يدِ مالِكِه (٢).
أَخذُ الأُجرةِ على الوَديعةِ:
كما تقَدمَ أنَّ الوَديعةَ أَمانةٌ في يدِ المُودَعِ باتِّفاقِ الفُقهاءِ إذا كانَت مِنْ غَيرِ عِوضٍ، إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا فيما لو كانَت بأُجرةٍ مُقابِلَ الحِفظِ، هل تَصيرُ مَضمونَةً أم تَظلُّ أَمانةً كما هي؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّه لا فرقَ في الوَديعةِ بينَ أنْ تَكونَ بأَجرٍ أو بغَيرِ أَجرٍ، فهي أَمانةٌ مُطلَقًا، سَواءٌ كانَت بأَجرٍ أو بغَيرِ أَجرٍ؛ حيثُ إنَّ
(١) «البيان» (٦/ ٤٧٦، ٤٧٧).
(٢) «المغني» (٦/ ٣٠٠، ٣٠١)، ويُنْظَر: «البحر الرائق» (٧/ ٢٧٤)، و «مجمع الضمانات» (١/ ١٦٣)، و «ابن عابدين» (٨/ ٣٣١)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ١١٥، ١١٦)، و «شرح الزرقاني» (٦/ ١١٧)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٣٤٨)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٠٥).
أَخذَ الأُجرةِ على الوَديعةِ لا يُغيِّرُ شَيئًا مِنْ أَحكامِ الأَمانةِ أو الضَّمانِ فيها كالوَكالةِ، فعليه لا يَضمنُ المُودَعُ الوَديعةَ إذا تلِفَت أو ضاعَت مِنْ غَيرِ تَعدٍّ ولا تَفريطٍ مُطلَقًا، سَواءٌ كانَت بأَجرٍ أو بغَيرِ أَجرٍ، وسواءٌ كانَت مما يُمكنُ التَّحرُّزُ عنه أم لا (١).
وأما الحَنفيةُ فيُفرِّقُونَ في الضَّمانِ بينَ ما إذا كانَت الوَديعةُ بأَجرٍ أو بغَيرِ أَجرٍ فقالُوا: الوَديعةُ أَمانةٌ في يدِ الوَديعِ، بِناءً عليه إذا هلَكَت بلا تَعدٍّ مِنْ المُستودَعِ وبدونِ صُنعِه وتَقصيرِه في الحِفظِ فلا يَلزمُ الضَّمانُ، إلا أنَّه إذا كانَ الإِيداعُ بأُجرةٍ على حِفظِ الوَديعةِ فهلَكَت أو ضاعَت بسَببٍ يُمكنُ التَّحرزُ منه لزِمَ المُستودَعَ ضَمانُها، مثلًا لو وقَعَت السَّاعةُ المُودعَةُ مِنْ يدِ الوَديعِ بلا صُنعِه فانكسَرَت لا يَلزمُ الضَّمانُ، أما لو وُطئَت السَّاعةُ بالرِّجلِ أو وقَعَ مِنْ اليدِ عليها شيءٌ فانكَسرَت لزِمَ الضمانُ، كذلك إذا أودَعَ رَجلٌ مالَه عندَ آخرَ وأَعطاه أُجرةً على حِفظِه فضاعَ المالُ بسَببٍ يُمكنُ التَّحرزُ منه كالسَّرقةِ والغَصبِ فيَلزمُ المُستودَعَ الضَّمانُ، وأما إنْ حصَلَ التَّلفُ أو الهَلاكُ بسَببٍ لا يُمكنُ التَّحرزُ منه كحَريقٍ غالبٍ فإنَّ المُودَعَ لا يَضمنُ، سَواءٌ كانَت الوَديعةٌ بأُجرةٍ أو بغَيرِ أُجرةٍ، هكذا جاءَ في «مَجلة الأَحكامِ العَدليةِ» على المَذهبِ الحَنفيِّ (٢).
(١) «شرح ميارة» (٢/ ٣٢٧)، و «البهجة في شرح التحفة» (٢/ ٤٦٩، ٤٧٠)، و «الثمر الداني» (١/ ٥٢٦)، و «مغني المحتاج» (٤/ ١٣٥)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٣١٢)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ١٣٢)، و «الديباج» (٣/ ١١٠).
(٢) يُنْظَر: «مرشد الحيران» (٣/ ١٢١٤)، و «مجلة الأحكام» ص (١٤٨).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوديعة
مسألة:
السلام - لِرَدِّهَا عَلَى أَهْلِهَا، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ إِلَى التَّعَاوُنِ بِهَا حَاجَةً مَاسَّةً وَضَرُورَةً دَاعِيَةً لِعَوَارِضِ الزَّمَانِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْقِيَامِ عَلَى الْأَمْوَالِ، فَلَوْ تَمَانَعَ النَّاسُ فِيهَا لَاسْتَضَرُّوا وَتَقَاطَعُوا.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّعَاوُنِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ مَنِ اسْتَوْدَعَ وَدِيعَةً مِنْ ثَلَاثِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْجِزُ عَنْهَا، وَلَا يَثِقُ بِأَمَانَتِهِ نَفْسِهِ فِيهَا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ بِهَا وَلَيْسَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقُومُ بِهَا فَهَذَا مِمَّنْ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا، وَلَزِمَهُ اسْتِيدَاعُهَا، كَمَا تُعَيَّنُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّاهِدِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَتَحَمَّلُهَا سِوَاهُ، وَكَمَا يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ خَلَاصُ نَفْسٍ يَقْدِرُ عَلَى إِحْيَائِهَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَالِ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا، وَقَادِرًا عَلَى حِفْظِهَا، وَقَدْ يُوجَدُ غَيْرُهُ مِنَ الْأُمَنَاءِ عَلَيْهَا، فَهَذَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ:
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوديعة
فصل في بيان ما يغير حال الوديعة من الأمانة إلى الضمان
الْمُودَعَ بَعْدَ الصُّلْحِ، وَإِنْ لَمْ يَصْطَلِحَا وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الْأَلْفَ لَهُ، لَا يَدْفَعُ إلَى أَحَدِهِمَا شَيْئًا؛ لِجَهَالَةِ الْمُقِرِّ لَهُ الْوَدِيعَةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمُودَعَ فَإِنْ اسْتَحْلَفَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَالْأَمْرُ لَا يَخْلُو، إمَّا أَنْ يَحْلِفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِمَّا أَنْ يَنْكُلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِمَّا أَنْ يَحْلِفَ لِأَحَدِهِمَا وَيَنْكُلَ لِلْآخَرِ، فَإِنْ حَلَفَ لَهُمَا فَقَدْ انْقَطَعَتْ خُصُومَتُهُمَا لِلْحَالِ إلَى وَقْتِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، كَمَا فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَهَلْ يَمْلِكَانِ الِاصْطِلَاحَ عَلَى أَخْذِ الْأَلْفِ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الِاسْتِحْلَافِ، فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ، وَالْمَعْرُوفُ بَيْنَ، أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، عَلَى قَوْلِهِمَا لَا يَمْلِكَانِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَمْلِكَانِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الصُّلْحِ بَعْدَ الْحَلِفِ، وَقَدْ مَرَّتْ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوديعة
١٠٧٤ - مسألة؛ قال: (ومن أودع شيئا، فأخذ بعضه، ثم رده أو مثله، فضاع الكل، لزمه مقدار ما أخذ
وهو العِلْمُ بعَيْنِ المالكِ، فكَفَاه يمينٌ واحدةٌ، كما لو ادَّعَياها فأقَرَّ بها لأحَدِهِما، ويُفارِقُ ما إذا أَنْكَرَهَا ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَدَّعِى عليه أنَّها له، فهما دَعْوَيانِ، فإنَّ حَلَفَ أُقْرِعَ بينهما، فمن قَرَعَ صاحِبَه حَلَفَ، وسُلِّمَتْ إليه. وقال الشَّافعىُّ: يَتَحالفانِ، ويُوقَف الشىءُ بينَهما حتَّى يَصْطَلِحَا. وهو قولُ ابنِ أبى لَيْلَى؛ لأنَّه لا يَعْلَمُ المالِكَ منهما. وللشَّافِعىِّ قولٌ آخرُ، أنَّها تُقْسَمُ بيهما، كما لو أَقَرَّ بها لهما. وهذا الذى حَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن ابنِ أبِى لَيْلَى، وهو قولُ أبى حنيفةَ وصاحِبَيْه فيما حُكِىَ عنهم، قالوا: ويَضْمَنُ المُسْتَوْدَعُ نِصْفَها لكلِّ واحدٍ منهما؛ لأنَّه فَوَّتَ ما اسْتُودِعَ بجَهْلِه. ولَنا، أنَّهما تَساوَيا فى الحَقِّ فيما ليس بأَيْديِهما ، فوَجَبَ أن يُقْرَعَ بينهما، كالعَبْدَيْنِ إذا أعْتَقَهُما فى مَرَضِه فلم يَخْرُجْ من الثُّلُثِ إلَّا أحَدُهما، أو كما لو أرادَ السَّفَرَ بإحْدَى نِسائِه. وقولُ أبى حنيفةَ ليس بصَحِيحٍ؛ فإنَّ العَيْنَ لم تَتْلَفْ، ولو تَلِفَتْ بغيرِ تَفْريطٍ منه فلا ضَمانَ عليه، ليس فى جَهْلِه تَفْرِيطٌ، إذ ليس فى وُسْعِه أن لا يَنْسَى ولا يَجْهَلَ.
١٠٧٤ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ أُودِعَ شيْئًا، فَأَخَذَ بَعْضَهُ، ثُمَّ رَدَّهُ أو مِثْلَهُ، فَضَاعَ الْكُلُّ، لَزِمَهُ مِقْدَارُ ما أَخَذَ)
ارجع إلى خصائص عقد الوديعة للاطلاع على جميع المسائل.