الإسلام > الأوقاف والملكية > خلط الوديعة واختلاطها وإتلافها > إتلاف الوديعة بأمر صاحبها
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةوانظُرْ ما تقدَّمَ في الطَّعامِ المُستهلَكِ أنَّه إنْ أخَذَ ما لا يَشكُّ أنَّه أَقلُّ مِنْ طَعامِه جازَ معَ ما تقدَّمَ لابنِ حَبيبٍ مِنْ قِسمةِ الزَّرعِ المَخلوطِ على حَسبِ الزَّريعةِ، معَ ما تقدَّمَ لابنِ رُشدٍ مِنْ تَخفيفِ اقتِسامِ الطَّعامِ المَخلوطِ بالقِيمةِ.
ولو خلَطَ عَداءً هل يَكونُ ذلك كلُّه مُسوِّغًا للذين يَخلطونَ أَلبانَهم أنْ يَأخذَ الإِنسانُ مِنْ الجُبنِ القَدرَ الذي لا يَشكُّ أنَّه يَخرجُ له مِنْ لَبنِ غَنمِه لو أفرَدَها؟ وقد بسَطْت في «سُنن المُهتدينَ» أنَّ إِقدامَ المَرءِ على شَيءٍ بتَأويلٍ ليسَ كمَن أقدَمَ عليه مُجاهِرًا، ومَن أكَلَ حَرامًا يَعتقدُ أنَّه حَلالٌ أُثيبَ على قَصدِه ولا يُعاقَبُ على فِعلِه ولا يُظلمُ به قَلبُه، ومَن أقدَمَ على حَلالٍ صِرفٍ يَعتقدُ شُبهتَه قَسا قَلبُه به وأظلَمَ، وإنْ كانَ مُعتقِدًا حُرمتَه كانَ ذلك جُرحةً فيه، وعليه دَركُ المُخالَفةِ معَ كَونِ ذلك الشَّيءِ في نَفسِه حَلالًا صِرفًا (١).
إِتلافُ الوَديعةِ بأَمرِ صاحِبِها:
نصَّ الفُقهاءُ على أنَّه لا يَجوزُ للإِنسانِ أنْ يُتلفَ مالَ غيرِه ولو بإِذنِه، فإذا قالَ ربُّ الوَديعةِ للمُودَعِ: أَتلِفْ وَديعَتي أو أَلقِها في البَحرِ أو أَحرِقْها بالنَّار لمْ يَجزْ له أنْ يَفعلَ ذلك؛ لأنَّ اللهَ تَعالى نَهى عن إِتلافِ المالِ.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفُوا فيما لو أقدَمَ على إِتلافِها وأتلَفَها بإِذنِ ربِّها هل يَضمنُها أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا ضَمانَ عليه؛ لإِذنِ ربِّها له بذلك؛ لأنَّ الحقَّ في الوَديعةِ ثابِتٌ
(١) «التاج والإكليل» (٤/ ٢٥٨، ٢٦٠).
لصاحِبِها، وقد أسقَطَه حينَ أذِنَ له بإِتلافِها، فصارَ كما لو استَنابَه في مُباحٍ، فلا يَغرمُ الوَديعُ له شَيئًا.
ولأنَّ التَّحريمَ أَثرُه في بَقاءِ حقِّ اللهِ تَعالى وهو التَّأثيمُ، أما حقُّ الآدميِّ فلا يَبقى معَ إِذنِه في تَفويتِه (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ وابنُ المُنذرِ مِنْ الشافِعيةِ إلى أنَّه لا يَجوزُ للمُودَعِ إِتلافُ الوَديعةِ ولو أذِنَ له ربُّها في إِتلافِها، فإنْ أتلَفَها ضمِنَها لوُجوبِ حِفظِ المالِ، كمَن قالَ لرَجلٍ: اقتُلني أو وَلدي ففعَلَ، ولأنَّ مُقتضى عَقدِ الوَديعةِ وُجوبُ حِفظِها على الوَديعِ، فصارَ الإِذنُ له في إِتلافِها كشَرطٍ مُناقضٍ لمُقتضى عَقدِها فيُلغى (٢).
قالَ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: ولأنَّه مَمنوعٌ مِنْ إِتلافِ المالِ في غيرِ حالِ الضَّرورةِ؛ لأنَّ ذلك مُحرَّمٌ، وفاعِلُه عاصٍ، يَجبُ أنْ يُحجرَ عليه؛ لنَهي النَّبيِّ ﷺ عن إِضاعةِ المالِ، فإذا أمَرَه بما ليسَ له، فأَمرُه وسُكوتُه سيَّان.
ولو كانَ هذا لا شَيءَ عليه، لكانَ المُسلِمُ إذا قالَ لأَخيه المُسلمِ: «اضرِبْ عُنقي» فقطَعَه ألَّا شَيءَ عليه؛ لأنَّه فعَلَ ما أُمرَ به، وقد أجمَعَ أَهلُ
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٣٦)، و «البناية شرح الهداية» للعيني (٩/ ٣٣٧)، و «شرح الزرقاني على خليل» (٦/ ٢٠٤)، و «الإشراف» (٦/ ٣٤٤، ٣٤٥)، و «الحاوي الكبير» (٦/ ٧٩)، و «المهذب» (١/ ٣٦٠)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٥٩٠)، و «المغني» (٦/ ٣٠٩)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٤٦).
(٢) «شرح الزرقاني على خليل» (٦/ ٢٠٤)، و «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٥/ ١٢١)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٨/ ١٤٧).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوديعة
فصل في بيان ما يغير حال الوديعة من الأمانة إلى الضمان
الْمُودَعَ بَعْدَ الصُّلْحِ، وَإِنْ لَمْ يَصْطَلِحَا وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الْأَلْفَ لَهُ، لَا يَدْفَعُ إلَى أَحَدِهِمَا شَيْئًا؛ لِجَهَالَةِ الْمُقِرِّ لَهُ الْوَدِيعَةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمُودَعَ فَإِنْ اسْتَحْلَفَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَالْأَمْرُ لَا يَخْلُو، إمَّا أَنْ يَحْلِفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِمَّا أَنْ يَنْكُلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِمَّا أَنْ يَحْلِفَ لِأَحَدِهِمَا وَيَنْكُلَ لِلْآخَرِ، فَإِنْ حَلَفَ لَهُمَا فَقَدْ انْقَطَعَتْ خُصُومَتُهُمَا لِلْحَالِ إلَى وَقْتِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، كَمَا فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَهَلْ يَمْلِكَانِ الِاصْطِلَاحَ عَلَى أَخْذِ الْأَلْفِ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الِاسْتِحْلَافِ، فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ، وَالْمَعْرُوفُ بَيْنَ، أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، عَلَى قَوْلِهِمَا لَا يَمْلِكَانِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَمْلِكَانِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الصُّلْحِ بَعْدَ الْحَلِفِ، وَقَدْ مَرَّتْ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوديعة
مسألة:
السلام - لِرَدِّهَا عَلَى أَهْلِهَا، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ إِلَى التَّعَاوُنِ بِهَا حَاجَةً مَاسَّةً وَضَرُورَةً دَاعِيَةً لِعَوَارِضِ الزَّمَانِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْقِيَامِ عَلَى الْأَمْوَالِ، فَلَوْ تَمَانَعَ النَّاسُ فِيهَا لَاسْتَضَرُّوا وَتَقَاطَعُوا.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّعَاوُنِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ مَنِ اسْتَوْدَعَ وَدِيعَةً مِنْ ثَلَاثِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْجِزُ عَنْهَا، وَلَا يَثِقُ بِأَمَانَتِهِ نَفْسِهِ فِيهَا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ بِهَا وَلَيْسَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقُومُ بِهَا فَهَذَا مِمَّنْ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا، وَلَزِمَهُ اسْتِيدَاعُهَا، كَمَا تُعَيَّنُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّاهِدِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَتَحَمَّلُهَا سِوَاهُ، وَكَمَا يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ خَلَاصُ نَفْسٍ يَقْدِرُ عَلَى إِحْيَائِهَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَالِ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا، وَقَادِرًا عَلَى حِفْظِهَا، وَقَدْ يُوجَدُ غَيْرُهُ مِنَ الْأُمَنَاءِ عَلَيْهَا، فَهَذَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ:
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوديعة
١٠٦٩ - مسألة؛ قال: (ولو أمره أن يجعلها فى منزل، فأخرجها عن المنزل، لغشيان نار، أو سيل، أو
١٠٦٩ - مسألة؛ قال: (ولَوْ أمَرَهُ أنْ يَجْعَلَها فِى مَنْزِلٍ، فَأخْرَجَهَا عَنِ الْمَنْزلِ، لِغشَيانِ نَارٍ، أو سَيْلٍ، أو شَىْءٍ الْغالِبُ مِنْهُ التَّوَى ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْه)
ارجع إلى خلط الوديعة واختلاطها وإتلافها للاطلاع على جميع المسائل.