الإسلام > الأوقاف والملكية > خلط الوديعة واختلاطها وإتلافها > جحود الوديعة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 17 دقيقة قراءةوقالَ ابنُ شاسٍ: فأما دَعواه الرَّدَّ على غيرِ مَنْ ائتمَنَه كدَعوى الرِّدِّ على وارثِ المالِكِ أو وَكيلِه، فلا يُقبَلُ إلا ببَينةٍ، وكذلك دَعوى وارثِ المُودَعِ على المالِكِ يَفتقرُ إلى البَينةِ أَيضًا، وسَواءٌ كانَ القَبضُ في جَميعِ هذه الصُّورِ الثَّلاثِ ببَينةٍ أو بغيرِ بَينةٍ (١).
جُحودُ الوَديعةِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّ المُودِعَ إذا طلَبَ الوَديعةَ فجحَدَها المُودَعُ بلا عُذرٍ ثُم أقَرَّ بها أو أقامَ ربُّها البَينةَ على أنَّه أودَعَه فإنَّه ضامِنٌ لها؛ لأنَّه بجَحدِه خرَجَ عن الاستِئمانِ فيها، فلمْ يَزلْ عنه الضَّمانُ بالإِقرارِ بها؛ لأنَّ يدَه صارَت يدَ عُدوانٍ، ولأنَّه مُكذِّبٌ لإِنكارِه الأَولِ ومُعتَرفٌ على نَفسِه بالكَذبِ المُنافي للأَمانةِ.
ولأنَّ العَقدَ لمَّا ظهَرَ بالحُجةِ فقد ظهَرَ ارتِفاعُه بالجُحودِ أو عندِه؛ لأنَّ المالِكَ لمَّا طلَبَ منه الوَديعةَ فقد عزَلَه عن الحِفظِ، والمُودَعُ لمَّا جحَدَ الوَديعةَ حالَ حَضرةِ المالِكِ فقد عزَلَ نَفسَه عن الحِفظِ فانفسَخَ العَقدُ، فبقِيَ مالُ الغيرِ في يدِه بغيرِ إِذنِه، فيَكونُ مَضمونًا عليه، فإذا هلَكَ تقرَّرَ الضَّمانُ.
(١) «عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة» (٢/ ٨٥٥)، ويُنْظَر: «شرح مختصر خليل» (٦/ ١١٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٣٣، ١٣٤)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٥٦).
قالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على أنَّه إذا طالَبَه فقالَ: ما أودعْتَني، ثُم قالَ بعدَ ذلك: ضاعَت، فإنَّه ضامِنٌ؛ لأنَّه خرَجَ عن حدِّ الأَمانةِ بذلك (١).
وأما إذا لمْ يُقمْ ربُّها بَينةً على أنَّه أودَعَه ولا أقَرَّ بها فالقَولُ قَولُه معَ يَمينِه: «البَينةُ على المُدَّعِي، واليَمينُ على مَنْ أنكَرَ» (٢).
(١) «الإفصاح» (٢/ ٥، ٦).
(٢) هذا الحديث أخرجه البخاري (٢٦٦٨)، ومسلم (١٧١١)، وغيرُهم عن ابنِ أبي مُليكةَ قالَ: كتبَ ابنُ عباسٍ إليَّ: أن النبيَّ ﷺ قَضى باليمينِ على المَّدعَى عليه.
ورواه البيهقي في «الكبرى» (١٠/ ٢٥٢)، وغيرُه من طريقِ عبدِ اللهِ بنِ إدريسَ عن ابنِ جريجٍ وعثمانَ بنِ الأسودِ عن ابنِ أبي مُليكةِ قالَ: كنْتُ قاضيًا لابنِ الزُّبيرِ على الطَّائفِ فذكَرَ قِصةَ المَرأتينِ قالَ: فكتَبَت إلى ابنِ عباسٍ فكتَبَ ابنُ عباسٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لو يُعطى النَّاسُ بدَعواهم لادَّعى رَجالٌ أَموالَ قَومٍ ودِماءَهم ولكنَّ البَينةَ على المُدَّعِي واليَمينَ على مَنْ أنكَرَ» وذكَرَ الحَديثَ.
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ في «فَتحِ البَاري» (٥/ ٣٣٤): هذه الزِّيادُة ليسَت في الصَّحيحينِ وإِسنادُها حَسنٌ.
وقالَ الإِمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه في «شَرحِ مُسلمٍ» (١٢/ ٣): وجاءَ في رِوايةِ البَيهقيِّ وغيرِه بإِسنادٍ حَسنٍ أو صَحيحٍ. وذكَرَ الحَديثَ ثُم قالَ: وهذا الحَديثُ قاعِدةٌ كَبيرةٌ مِنْ قَواعدِ أَحكامِ الشَّرعِ، ففيه أنَّه لا يُقبلُ قَولُ الإِنسانِ فيما يَدَّعيه بمُجرَّدِ دَعواه، بل يَحتاجُ إلى بَينةٍ أو تَصديقِ المُدَّعى عليه، فإنْ طلَبَ يَمينَ المُدَّعى عليه فله ذلك، وقد بيَّنَ ﷺ الحِكمةَ في كَونِه لا يُعطى بمُجرَّدِ دَعواه؛ لأنَّه لو كانَ أُعطيَ بمُجرَّدها لادَّعى قَومٌ دَماءَ قَومٍ وأَموالَهم واستُبيحَ، ولا يُمكنُ المُدَّعى عليه أنْ يَصونَ مالَه ودمَه، وأما المُدَّعِي فيُمكنُه صِيانُتها بالبَينةِ.
وصحَحَّ الحَديثَ الأَلبانِيُّ في «الإِرواءِ» (٦/ ٣٥٧).
والمُدَّعَى عليه هو المُتمسِّكُ بالأَصلِ، والأَصلُ أنَّه لمْ يُودعْه، فكانَ القَولُ قَولَه.
فلو أقامَ المُدَّعِي بَينةَ الإِيداعِ، أو اعتَرفَ بها المُدَّعى عليه، طُولِبَ بها (١).
إلا أنَّ الحَنفيةَ اشترَطُوا سَبعةَ شُروطٍ لتَضمينِه:
الشَّرطُ الأَولُ: أنْ يُنكرَ الوَديعُ أَصلَ الإِيداعِ؛ لأنَّ المُودَعَ لو ادَّعى أنَّ المالِكَ وهبَهَا منه أو باعَها له وأنكَرَ صاحبُها ثُم هلَكَت لا ضَمانَ على المُودَعِ.
الثانِي: أنْ يَقعَ الإِنكارُ بحَضرةِ المالِكِ؛ لأنَّ جُحودَها عندَ غيرِه حالَ غَيبتِه لا يُوجبُ الضَّمانَ؛ لأنَّه مَعدودٌ مِنْ بابِ الحِفظِ والصِّيانةِ عُرفًا وعادةً؛ لأنَّ مَبنى الإِيداعِ على السِّترِ والإِخفاءِ، فكانَ الجُحودُ عندَ غيرِ المالِكِ حالَ غَيبتِه حِفظًا مَعنًى، فلا يَكونُ سببًا لوُجوبِ الضَّمانِ.
الثالِثُ: أنْ يَكونَ جُحودُها بعدَ أنْ طلَبَ المالِكُ؛ لأنَّه لو قالَ له: «ما حالُ وَديعتي عندَك؟» ليَشكرَه على حِفظِها فجحَدَها، لا ضَمانَ عليه.
الرابِعُ: أنْ يَنقلَها الوَديعُ مِنْ مَكانِها زَمنَ الجُحودِ؛ لأنَّه لو لمْ يَنقلْها مِنْ مَكانِها حالَ إِنكارِه فهلَكَت لا ضَمانَ عليه.
(١) «المبسوط» (١١/ ١١٧)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ٢١٢)، و «الهندية» (٤/ ٣٥٦)، و «الذخيرة» (٩/ ١٧٣)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٦٨، ٢٦٩)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٥٢٣)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٢٩)، و «الإشراف» (٦/ ٣٤١)، و «الحاوي الكبير» (٨/ ٣٧٧)، و «البيان» (٦/ ٤٤٩)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٣٧٤)، و «مغني المحتاج» (٤/ ١٥١)، و «المغني» (٦/ ٣٠٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٥٠)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٢٠).
الخامِسُ: أنْ تَكونَ الوَديعةُ مَنقولًا؛ لأنَّها لو كانَت عَقارًا فإنَّه لا يَضمنُها بالجُحودِ عندَ أَبي حَنيفةَ وأَبي يُوسفَ -رحمهما الله- قِياسًا على الغَصبِ؛ لعدَمِ تَصوُّر غَصبِ العَقارِ عندَهما، خِلافًا لمُحمَّدِ بنِ الحَسنِ في الأَصحِّ؛ لأنَّ الغَصبَ يَجري فيه عندَه، فلو جحَدَه كانَ ضامِنًا.
السادِسُ: أنْ يَكونَ هناك ما يَخافُ عليها منه؛ لأنَّه لو جحَدَها في وَجهِ عَدوٍ يَخافُ عليها التَّلفَ إنْ أقَرَّ أَمامَه ثُم هلَكَت فإنَّه لا يَضمنُها؛ لأنَّه إنما أرادَ بذلك حِفظَها لمالِكِها لا تَضييعَها عليه.
السابِعُ: ألَّا يَحضرَها الوَديعُ بعدَ جَحدِها؛ لأنَّه لو جحَدَها ثُم أحضَرَها فقالَ له صاحِبُها: «دَعْها وَديعةً عندَك» فهلَكَت فإنْ أمكَنَ صاحِبَها أَخذُها فلمْ يَأخذْها فلا ضَمانَ على الوَديعِ؛ لأنَّه إِيداعٌ جَديدٌ، وإنْ لمْ يُمكنْه أَخذُها ضمِنَ؛ لأنَّه لمْ يَتمَّ الردُّ إلى المالِكِ بإِحضارِها عند عَدمِ تَمكُّنِه مِنْ أَخذِها، فلا يَصحُ الإِيداعُ الجَديدُ؛ لأنَّ الإِيداعَ إنما يَكونُ لعَينِ مالِه، وهو إنما يَستحقُّ على المُودَعِ ضَمانَها فهو كالدَّينِ في ذمتِه، والمَضمونُ لا يَصيرُ أَمانةً إلا بعدَ الخُروجِ عن عُهدِة ضَمانِه، وذلك بالتَّسليمِ التامِّ الذي يُمكنُ المالِكُ معَه القَبضَ والتِّسليمَ (١).
(١) «البحر الرائق» (٧/ ٢٧٧، ٢٧٨)، و «حاشية ابن عابدين» (٨/ ٣٥٨، ٣٥٩)، و «مجمع الضمانات» (١/ ٢٣٠)، و «مجمع الأنهر» (٣/ ٣٧١)، و «الفتاوى الهندية» (٤/ ٣٥٢).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوديعة
مسألة:
السلام - لِرَدِّهَا عَلَى أَهْلِهَا، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ إِلَى التَّعَاوُنِ بِهَا حَاجَةً مَاسَّةً وَضَرُورَةً دَاعِيَةً لِعَوَارِضِ الزَّمَانِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْقِيَامِ عَلَى الْأَمْوَالِ، فَلَوْ تَمَانَعَ النَّاسُ فِيهَا لَاسْتَضَرُّوا وَتَقَاطَعُوا.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّعَاوُنِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ مَنِ اسْتَوْدَعَ وَدِيعَةً مِنْ ثَلَاثِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْجِزُ عَنْهَا، وَلَا يَثِقُ بِأَمَانَتِهِ نَفْسِهِ فِيهَا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ بِهَا وَلَيْسَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقُومُ بِهَا فَهَذَا مِمَّنْ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا، وَلَزِمَهُ اسْتِيدَاعُهَا، كَمَا تُعَيَّنُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّاهِدِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَتَحَمَّلُهَا سِوَاهُ، وَكَمَا يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ خَلَاصُ نَفْسٍ يَقْدِرُ عَلَى إِحْيَائِهَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَالِ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا، وَقَادِرًا عَلَى حِفْظِهَا، وَقَدْ يُوجَدُ غَيْرُهُ مِنَ الْأُمَنَاءِ عَلَيْهَا، فَهَذَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ:
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوديعة
فصل في بيان ما يغير حال الوديعة من الأمانة إلى الضمان
الْمُودَعَ بَعْدَ الصُّلْحِ، وَإِنْ لَمْ يَصْطَلِحَا وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الْأَلْفَ لَهُ، لَا يَدْفَعُ إلَى أَحَدِهِمَا شَيْئًا؛ لِجَهَالَةِ الْمُقِرِّ لَهُ الْوَدِيعَةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمُودَعَ فَإِنْ اسْتَحْلَفَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَالْأَمْرُ لَا يَخْلُو، إمَّا أَنْ يَحْلِفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِمَّا أَنْ يَنْكُلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِمَّا أَنْ يَحْلِفَ لِأَحَدِهِمَا وَيَنْكُلَ لِلْآخَرِ، فَإِنْ حَلَفَ لَهُمَا فَقَدْ انْقَطَعَتْ خُصُومَتُهُمَا لِلْحَالِ إلَى وَقْتِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، كَمَا فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَهَلْ يَمْلِكَانِ الِاصْطِلَاحَ عَلَى أَخْذِ الْأَلْفِ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الِاسْتِحْلَافِ، فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ، وَالْمَعْرُوفُ بَيْنَ، أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، عَلَى قَوْلِهِمَا لَا يَمْلِكَانِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَمْلِكَانِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الصُّلْحِ بَعْدَ الْحَلِفِ، وَقَدْ مَرَّتْ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوديعة
١٠٧٢ - مسألة؛ قال: (وإذا طالبه بالوديعة، فقال: ما أودعتنى. ثم قال: ضاعت من حرز، كان ضامنا؛
وُجِدَ عليها مَكْتُوبًا وَدِيعةً، لم يكُنْ حُجَّة عليهم، لجَوازِ أن يكون الظَّرْفُ كانت فيه وَدِيعةٌ قبلَ هذا، أو كان وَدِيعةً لمَوْرُوثِهِم عندَ غيرِه، أو كانت وَدِيعةً فابْتاعَها، وكذلك لو وَجَدَ فى زُرْمَانَجِ أبِيه، أنَّ لفلانٍ عندى وَدِيعة. لم يَلْزَمْه بذلك؛ لِجوازِ أن يكونَ قد رَدَّها وَنَسِىَ الضَّرْبَ على ما كَتَبَ، أو غيرِ ذلك.
١٠٧٢ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا طَالَبهُ بالْوَدِيعَةِ، فَقَالَ: مَا أَوْدَعْتَنِى. ثُمَّ قَالَ: ضَاعَتْ مِنْ حِرْزٍ، كَانَ ضَامِنًا؛ لِأنَّه خَرَجَ مِنْ حَالِ الْأَمَانَةِ. ولَوْ قَالَ: مالَكَ عِنْدِى شَىْءٌ. ثمَّ قَالَ: ضَاعَتْ مِنْ حِرْزٍ. كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ)
ارجع إلى خلط الوديعة واختلاطها وإتلافها للاطلاع على جميع المسائل.