الإسلام > الأوقاف والملكية > خلط الوديعة واختلاطها وإتلافها > ج- خلط غير المودع الوديعة بماله
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةج- خَلطُ غيرِ المُودَعِ الوَديعةَ بمالِه:
قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أَهلِ العِلمِ، على أنَّ الوَديعةَ إذا كانَت دَراهمَ فاختلَطَت بغيرِها أو خلَطَها غيرُ المُودَعِ ثُم تلِفَت أنَّه لا ضَمانَ على المُودَعِ (١).
إلا أنَّهم اختلَفُوا على مَنْ يَكونُ الضَّمانُ؟
فذهَبَ الإِمامُ أَبو حَنيفةَ والحَنابِلةُ إلى أنَّ غيرَ المُودَعِ -سَواءٌ كانَ أَجنبيًّا أو مَنْ في عيالِه- إذا خلَطَ الوَديعةَ بغيرِها فالضَّمانُ على مَنْ خلَطَها؛ لأنَّ العُدوانَ منه فالضَّمانُ عليه كما لو أتلَفَها، ولا ضَمانَ على الوَديعِ لانعِدامِ الخَلطِ منه حَقيقةً وحُكمًا.
وقالَ الصَّاحِبانِ أَبو يُوسفَ ومُحمدٌ: إنَّ صاحِبَ الوَديعةِ بالخِيارِ، إنْ شاءَ ضمَّنَها الخالِطَ -ولو صَغيرًا- لأنَّه مِنْ التَّعدِّي على أَموالِ النَّاسِ، كما لو كسَرَ زُجاجاتِ الغيرِ فإنَّ الضَّمانَ عليه.
وإنْ شاءَ أخَذَ العَينَ وكانا شَريكَينِ (٢).
د- اختِلاطُ الوَديعةِ بمالِ المُودَعِ بغيرِ صُنعِه:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الوَديعةَ إذا اختلَطَت بمالِ المُودَعِ بلا صُنعٍ منه ولا تَقصيرٍ فلا ضَمانَ عليه، فإذا انشَقَّ الكيسُ في صُندوقِه فاختلَطَ بدَراهمِه
(١) «الإشراف» (٦/ ٣٣٢، ٣٣٣)، و «الإجماع» (٥٦٢).
(٢) «حاشية ابن عابدين» (٨/ ٣٥٣)، و «المغني» (٦/ ٣٠١)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢١٤).
فلا ضَمانَ عليه؛ لانعِدامِ الصُّنعِ المُوجِبِ للضَّمانِ عليه، ولأنَّها لو تلِفَت حَقيقةً بغيرِ تَعدٍّ منه أو تَفريطٍ، فلا ضَمانَ عليه، فاختِلاطُها بغيرِها أَولى (١).
وقد نصَّ الحَنفيةُ على أنَّ المَخلوطَ يَصيرُ مُشتَركًا بينَهما، فإنْ هلَكَ بعضُها هلَكَ مِنْ مالِهما جَميعًا، ويُقسمُ الباقِي بينَهما على قَدرِ ما كانَ لكلِّ واحدٍ منهما؛ لأنَّه ليسَ أَحدُهما بأنْ يَجعلَ الهالِكَ مِنْ نَصيبِه بأَولى مِنْ الآخرِ، والأَصلُ في المالِ المُشتركِ إذا هلَكَ شَيءٌ منه أنَّ ما هلَكَ هلَكَ على الشَّركةِ، وما بقِيَ بقِيَ على الشَّركةِ، باعتِبارِ أنَّ الهالِكَ يُجعلُ كأنْ لمْ يَكنْ (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: إنِ اختلَطَت الوَديعةُ بغيرِها مِنْ غيرِ تَفريطٍ مِنْ الوَديعِ فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّها لو تلِفَت بذلك لمْ يَضمنْ، فخَلطُها أَولى.
قالَ البُهوتيُّ: فإنْ ضاعَ البعضُ جُعلَ مِنْ مالِ المُودَعِ في ظاهِرِ كَلامِ الإِمامِ أَحمدَ، ذكَرَه المَجدُ في شَرحِه، وذكَرَ القاضِي في «الخِلاف» أنَّهما يَصيرانِ شَريكَينِ.
قالَ المَجدُ: ولا يَبعدُ على هذا أنْ يَكونَ الهالِكُ منهما (٣).
(١) «المبسوط» (١١/ ١١٠)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ٢١٣)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٥٥)، و «اللباب» (١/ ٦٤٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٢١)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٣٤٧، ٣٤٨)، و «المغني» (٦/ ٣٠١)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢١٥).
(٢) «المبسوط» (١١/ ١١٠)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ٢١٣)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٥٥)، و «اللباب» (١/ ٦٤٥).
(٣) «كشاف القناع» (٤/ ٢١٥)، و «المغني» (٦/ ٣٠١)، و «تقرير القواعد» لابن رجب (١/ ١٨٠).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوديعة
مسألة:
السلام - لِرَدِّهَا عَلَى أَهْلِهَا، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ إِلَى التَّعَاوُنِ بِهَا حَاجَةً مَاسَّةً وَضَرُورَةً دَاعِيَةً لِعَوَارِضِ الزَّمَانِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْقِيَامِ عَلَى الْأَمْوَالِ، فَلَوْ تَمَانَعَ النَّاسُ فِيهَا لَاسْتَضَرُّوا وَتَقَاطَعُوا.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّعَاوُنِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ مَنِ اسْتَوْدَعَ وَدِيعَةً مِنْ ثَلَاثِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْجِزُ عَنْهَا، وَلَا يَثِقُ بِأَمَانَتِهِ نَفْسِهِ فِيهَا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ بِهَا وَلَيْسَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقُومُ بِهَا فَهَذَا مِمَّنْ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا، وَلَزِمَهُ اسْتِيدَاعُهَا، كَمَا تُعَيَّنُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّاهِدِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَتَحَمَّلُهَا سِوَاهُ، وَكَمَا يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ خَلَاصُ نَفْسٍ يَقْدِرُ عَلَى إِحْيَائِهَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَالِ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا، وَقَادِرًا عَلَى حِفْظِهَا، وَقَدْ يُوجَدُ غَيْرُهُ مِنَ الْأُمَنَاءِ عَلَيْهَا، فَهَذَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ:
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوديعة
١٠٦٦ - مسألة؛ قال: (وليس على مودع ضمان، إذا لم يتعد)
المُسْتَوْدَعُ رَدَّها على صاحِبِها، لَزِمَه قَبُولُها ؛ لأنَّ المُسْتَوْدَعَ مُتَبَرِّعٌ بإمْساكِها ؛ فلا يَلْزَمُه التَّبَرُّعُ فى المُستقبَلِ.
١٠٦٦ - مسألة؛ قال: (ولَيْسَ عَلَى مُودَعٍ ضَمَانٌ، إذَا لَمْ يَتَعَدَّ)
وجملَتُه أَنَّ الوَدِيعةَ أمانةٌ، فإذا تَلِفَتْ بغيرِ تَفْريطٍ من المُودَعِ، فليس عليه ضَمانٌ، سواءٌ ذَهَبَ معها شىءٌ من مالِ المُودَعِ أو لم يَذْهَبْ. هذا قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ. رُوِىَ ذلك عن أبى بُكَيْر، وعلىٍّ، وابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال شُرَيحٌ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، وأبو الزِّنادِ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعىُّ، والشَّافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وعن أحمدَ روايةٌ أخرى، إن ذَهَبَتِ الوَدِيعةُ من بين مالِه غَرِمَها؛ لما رُوِىَ عن عمرَ بن الخطابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه ضَمّنَ أَنَسَ بن مالكٍ وَدِيعةً ذَهَبَتْ من بين مالِه . قال القاضى: والأُولَى أَصَحُّ؛ لأنَّ اللَّه تعالى سَمَّاها أمانةً، والضَّمانُ يُنَافِى الأمانةَ. ويُرْوَى عن عمرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أَنَّ النّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لَيْسَ عَلَى المُسْتَوْدَعِ ضَمانٌ" . ويُرْوَى عن الصَّحابةِ الذين ذكَرْناهِم. ولأنَّ المُسْتَوْدَعَ مُؤْتَمَنٌ، فلا يَضْمَنُ ما تَلِفَ من غيرِ تَعَدِّيه وتَفْرِيطِه، كالذى ذهَبَ مع مالِه، ولأنَّ المُسْتَوْدَعَ إنَّما يَحْفَظُها لصاحِبِها مُتَبَرِّعًا، من غير نَفْع يَرْجِعُ إليه فلو لَزِمَهُ الضَّمانُ لَامْتَنعَ الناسُ من قبَولِ الوَدائِعِ، وذلك مُضِرٌّ، لما بَيَّنَاه من الحاجةِ إليها، وما رُوِىَ عن عمرَ مَحْمولٌ على التَّفْريطِ من أَنَسٍ فى حِفْظِها، فلا يُنافِى ما ذكَرْناه. فأمَّا إن تَعَدَّى
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوديعة
فصل في بيان ما يغير حال الوديعة من الأمانة إلى الضمان
الْمُودَعَ بَعْدَ الصُّلْحِ، وَإِنْ لَمْ يَصْطَلِحَا وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الْأَلْفَ لَهُ، لَا يَدْفَعُ إلَى أَحَدِهِمَا شَيْئًا؛ لِجَهَالَةِ الْمُقِرِّ لَهُ الْوَدِيعَةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمُودَعَ فَإِنْ اسْتَحْلَفَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَالْأَمْرُ لَا يَخْلُو، إمَّا أَنْ يَحْلِفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِمَّا أَنْ يَنْكُلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِمَّا أَنْ يَحْلِفَ لِأَحَدِهِمَا وَيَنْكُلَ لِلْآخَرِ، فَإِنْ حَلَفَ لَهُمَا فَقَدْ انْقَطَعَتْ خُصُومَتُهُمَا لِلْحَالِ إلَى وَقْتِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، كَمَا فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَهَلْ يَمْلِكَانِ الِاصْطِلَاحَ عَلَى أَخْذِ الْأَلْفِ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الِاسْتِحْلَافِ، فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ، وَالْمَعْرُوفُ بَيْنَ، أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، عَلَى قَوْلِهِمَا لَا يَمْلِكَانِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَمْلِكَانِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الصُّلْحِ بَعْدَ الْحَلِفِ، وَقَدْ مَرَّتْ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ.
ارجع إلى خلط الوديعة واختلاطها وإتلافها للاطلاع على جميع المسائل.