رد الوديعة عند طلب صاحبها

الإسلام > الأوقاف والملكية > خلط الوديعة واختلاطها وإتلافها > رد الوديعة عند طلب صاحبها

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

رد الوديعة عند طلب صاحبها - الأقوال والأدلة

وهكذا الحِيلةُ في استِدراكِ كلِّ أَمينٍ لظِلامتِه كالمُودَعِ إذا ردَّ الوَديعةَ التي دُفعَت إليه ببَينةٍ ولمْ يُشهدْ على رَدِّها، فهل يُقبلُ قَولُه في الرَّدِّ؟ فيه قَولانِ، هما رِوايتانِ عن الإِمامِ أَحمدَ، فإذا خافَ ألَّا يُقبلَ قَولُه فالحِيلةُ في تَخلُّصِه أنْ يَدعيَ تَلفَها مِنْ غيرِ تَفريطٍ، فإنْ حلَّفَه على ذلك فليَحلِفْ مُورِّيًا مُتأوِّلًا أنَّ تَلفَها مِنْ عندِه خُروجُها مِنْ تحتِ يدِه ونَظائرِ ذلك واللهُ أَعلمُ (١).

ردُّ الوَديعةِ عندَ طَلبِ صاحِبِها:

اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ ربَّ الوَديعةِ إذا طلَبَ وَديعتَه فيَجبُ على المُودَعِ ردُّها إليه إذا لمْ يَكنْ له عُذرٌ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].

وقالَ النَّبيُّ : «أدِّ الأَمانةَ إلى مَنْ ائتمَنَك، ولا تَخنْ مَنْ خانَكَ» (٢)، يَعني عندَ طَلبِها.

قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على أنَّ الأَماناتِ مَردودةٌ إلى أَربابِها (٣).

ولأنَّها حَقٌّ لمالِكِها لمْ يَتعلَّقْ بها حَقُّ غيرِه فلزِمَ أَداؤُها إليه كالمَغصوبِ والدَّينِ الحالِّ، فإنِ امتنَعَ مِنْ دَفعِها في هذه الحالِ فتلِفَت ضمِنَها؛ لأنَّه صارَ غاصِبًا لكَونِه أمسَكَ مالَ غيرِه بغيرِ إِذنِه بفِعلٍ مُحرَّمٍ.

(١) «إعلام الموقعين» (٤/ ٨).
(٢) رواه الإمام أحمد في «مسنده» (١٥٤٦٢)، وأبو داود (٣٥٣٤).
(٣) «الإجماع» (٥٥٨).

فأمَّا إنْ طلَبَها في وَقتٍ لمْ يُمكنْ دَفعُها إليه لبُعدِها أو لمَخافةٍ في طَريقِها أو للعَجزِ عن حَملِها أو غيرِ ذلك لمْ يَكنْ مُتعدِّيًا بتَركِ تَسليمِها؛ لأنَّ اللهَ تَعالى لا يُكلِّفُ نَفسًا إلا وُسعَها، وإنْ تلِفَ لمْ يَضمنْها لعَدمِ عُدوانِه، وإنْ قالَ: أَمهلُوني حتى أَقضيَ صَلاتِي أو آكلُ فإنِّي جائِعٌ أو أَنامُ فإنِّي ناعِسٌ أو يَنهضمَ عني الطَّعامُ فإنِّي مُمتلِئٌ أُمهلَ بقَدرِ ذلك (١).

إلا أنَّ المالِكيةَ قَالوا: مَنْ دفَعَ لشَخصٍ وَديعةً بغيرِ بيِّنةٍ ثُم طلَبَها منه فامتنَعَ مِنْ دَفعِها له إلا بحَضرةِ القاضِي ثُم إنَّها ضاعَت بعدَ ذلك فإنَّه يَكونُ ضامِنًا لها؛ لأنَّ إِمساكَها ظُلمٌ لربِّها فهو كالمُتسَبِّبِ مُتسبِّبٌ في ضَياعِها؛ إذ لا عُذرَ له لأنَّه مُصدَّقٌ إذا ادَّعى رَدَّها لربِّها.

أما إنْ كانَ أخَذَها منه ببَينةٍ مَقصودةٍ للتَوثُّقِ فلا يَضمنُ لأنَّه مَعذورٌ؛ إذ لا يُقبلُ قَولُه حينَئذٍ في رَدِّها بخِلافِ الأَولِ.

إلا إنْ قالَ: ضاعَت مِنْ سِنينَ وأَولى مِنْ أَقلَّ، ولمْ يَكنْ يَذكرُ ذلك لأَحدٍ مِنْ خَلقِ اللهِ، إلا أنَّه قالَ كنْتُ أَرجوها وأَطلبُها فلمْ أَجدْها فإنَّه لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه أَمينٌ، وسَواءٌ كانٌ صاحِبُ الوَديعةِ حاضِرًا أو غائِبًا عن

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢١٠)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٥٥)، و «اللباب» (١/ ٦٤٥)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٣٣)، و «الفتاوى الهندية» (٤/ ٣٥٢)، و «البيان» (٦/ ٤٩٦)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٥٩٤، ٥٩٥)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٣٧١)، و «مغني المحتاج» (٤/ ١٤٩)، و «المغني» (٦/ ٣٠٦)، و «الإفصاح» (٢/ ٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٥١)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٢١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوديعة
مسألة:

السلام - لِرَدِّهَا عَلَى أَهْلِهَا، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ إِلَى التَّعَاوُنِ بِهَا حَاجَةً مَاسَّةً وَضَرُورَةً دَاعِيَةً لِعَوَارِضِ الزَّمَانِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْقِيَامِ عَلَى الْأَمْوَالِ، فَلَوْ تَمَانَعَ النَّاسُ فِيهَا لَاسْتَضَرُّوا وَتَقَاطَعُوا.

فَصْلٌ:

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّعَاوُنِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ مَنِ اسْتَوْدَعَ وَدِيعَةً مِنْ ثَلَاثِ أَحْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْجِزُ عَنْهَا، وَلَا يَثِقُ بِأَمَانَتِهِ نَفْسِهِ فِيهَا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا.

وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ بِهَا وَلَيْسَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقُومُ بِهَا فَهَذَا مِمَّنْ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا، وَلَزِمَهُ اسْتِيدَاعُهَا، كَمَا تُعَيَّنُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّاهِدِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَتَحَمَّلُهَا سِوَاهُ، وَكَمَا يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ خَلَاصُ نَفْسٍ يَقْدِرُ عَلَى إِحْيَائِهَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَالِ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ.

وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا، وَقَادِرًا عَلَى حِفْظِهَا، وَقَدْ يُوجَدُ غَيْرُهُ مِنَ الْأُمَنَاءِ عَلَيْهَا، فَهَذَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ.

فَصْلٌ:

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوديعة
فصل في بيان ما يغير حال الوديعة من الأمانة إلى الضمان

الْمُودَعَ بَعْدَ الصُّلْحِ، وَإِنْ لَمْ يَصْطَلِحَا وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الْأَلْفَ لَهُ، لَا يَدْفَعُ إلَى أَحَدِهِمَا شَيْئًا؛ لِجَهَالَةِ الْمُقِرِّ لَهُ الْوَدِيعَةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمُودَعَ فَإِنْ اسْتَحْلَفَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَالْأَمْرُ لَا يَخْلُو، إمَّا أَنْ يَحْلِفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِمَّا أَنْ يَنْكُلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِمَّا أَنْ يَحْلِفَ لِأَحَدِهِمَا وَيَنْكُلَ لِلْآخَرِ، فَإِنْ حَلَفَ لَهُمَا فَقَدْ انْقَطَعَتْ خُصُومَتُهُمَا لِلْحَالِ إلَى وَقْتِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، كَمَا فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَهَلْ يَمْلِكَانِ الِاصْطِلَاحَ عَلَى أَخْذِ الْأَلْفِ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الِاسْتِحْلَافِ، فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ، وَالْمَعْرُوفُ بَيْنَ، أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، عَلَى قَوْلِهِمَا لَا يَمْلِكَانِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَمْلِكَانِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الصُّلْحِ بَعْدَ الْحَلِفِ، وَقَدْ مَرَّتْ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوديعة
١٠٦٦ - مسألة؛ قال: (وليس على مودع ضمان، إذا لم يتعد)

المُسْتَوْدَعُ رَدَّها على صاحِبِها، لَزِمَه قَبُولُها ؛ لأنَّ المُسْتَوْدَعَ مُتَبَرِّعٌ بإمْساكِها ؛ فلا يَلْزَمُه التَّبَرُّعُ فى المُستقبَلِ.

١٠٦٦ - مسألة؛ قال: (ولَيْسَ عَلَى مُودَعٍ ضَمَانٌ، إذَا لَمْ يَتَعَدَّ)

وجملَتُه أَنَّ الوَدِيعةَ أمانةٌ، فإذا تَلِفَتْ بغيرِ تَفْريطٍ من المُودَعِ، فليس عليه ضَمانٌ، سواءٌ ذَهَبَ معها شىءٌ من مالِ المُودَعِ أو لم يَذْهَبْ. هذا قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ. رُوِىَ ذلك عن أبى بُكَيْر، وعلىٍّ، وابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال شُرَيحٌ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، وأبو الزِّنادِ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعىُّ، والشَّافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وعن أحمدَ روايةٌ أخرى، إن ذَهَبَتِ الوَدِيعةُ من بين مالِه غَرِمَها؛ لما رُوِىَ عن عمرَ بن الخطابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه ضَمّنَ أَنَسَ بن مالكٍ وَدِيعةً ذَهَبَتْ من بين مالِه . قال القاضى: والأُولَى أَصَحُّ؛ لأنَّ اللَّه تعالى سَمَّاها أمانةً، والضَّمانُ يُنَافِى الأمانةَ. ويُرْوَى عن عمرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أَنَّ النّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لَيْسَ عَلَى المُسْتَوْدَعِ ضَمانٌ" . ويُرْوَى عن الصَّحابةِ الذين ذكَرْناهِم. ولأنَّ المُسْتَوْدَعَ مُؤْتَمَنٌ، فلا يَضْمَنُ ما تَلِفَ من غيرِ تَعَدِّيه وتَفْرِيطِه، كالذى ذهَبَ مع مالِه، ولأنَّ المُسْتَوْدَعَ إنَّما يَحْفَظُها لصاحِبِها مُتَبَرِّعًا، من غير نَفْع يَرْجِعُ إليه فلو لَزِمَهُ الضَّمانُ لَامْتَنعَ الناسُ من قبَولِ الوَدائِعِ، وذلك مُضِرٌّ، لما بَيَّنَاه من الحاجةِ إليها، وما رُوِىَ عن عمرَ مَحْمولٌ على التَّفْريطِ من أَنَسٍ فى حِفْظِها، فلا يُنافِى ما ذكَرْناه. فأمَّا إن تَعَدَّى

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 167 - 168

ارجع إلى خلط الوديعة واختلاطها وإتلافها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل