إسلام الصغير استقلالا عن أبويه

الإسلام > الأوقاف والملكية > دعوى نسب اللقيط > إسلام الصغير استقلالا عن أبويه

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

إسلام الصغير استقلالا عن أبويه - الأقوال والأدلة

ولا يَلزمُ مِنْ إِلحاقِه بمَن يُتصورُ كَونُه منه إِلحاقُه بمَن يَستحيلُ كَونُه منه، كما لمْ يَلزمْ مِنْ إِلحاقِه بمَن يُولدُ مِثلُه لمِثلِه إِلحاقُه بأَصغرَ منه» (١).

إِسلامُ الصَّغيرِ استِقلالاً عن أَبويه:

الصَّغيرُ إذا كانَ أَحدُ أَبويه مُسلِمًا فهو مُسلِمٌ بالإِجماعِ تَغليبًا للإِسلامِ، ولا يَضرُّ ما يَطرأُ بعدَ العُلوقِ منهما مِنْ رَدةٍ.

إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفُوا فيما لو كانَ الأَبوانِ كافرَينِ وأسلَمَ ابنُهما الصَّغيرُ المُميِّزُ استِقلالًا عنهما، هل يَصحُّ إِسلامُه أم لا؟ بعدَ اتِّفاقِهم على عَدمِ صِحةِ إِسلامِ غيرِ المُميِّزِ؛ لأنَّ الطِّفلَ الذي لا يَعقلُ لا يَتحققُ فيه اعتِقادُ الإِسلامِ، وكَلامُه لا عِبْرَة به، فلا يَدلُّ على إِرادتِه وقَصدِه.

فذهَبَ الشافِعيةُ في الأَصحِّ وبعضُ المالِكيةِ وأَحمدُ في رِوايةٍ وزُفرُ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنَّه لا يَصحُّ إِسلامُ الصَّبيِّ استِقلالًا في أَحكامِ الدُّنيا؛ لأنَّه غيرُ مُكلَّفٍ، فأشبَهَ غيرَ المُميِّزِ والمَجنونَ، وهما لا يَصحُّ إِسلامُهما اتِّفاقًا؛ ولأنَّ نُطقَه بالشاهدَتَينِ إما خَبَرٌ وإما إِنشاءٌ، فإنْ كانَ خَبرًا فخبَرُه غيرُ مَقبولٍ، وإنْ كانَ إِنشاءً فهو كعُقودِه وهي باطِلةٌ، وأما في أَحكامِ الآخرةِ فيَصحُّ ويَكونُ مِنْ الفائِزينَ اتِّفاقًا (٢).

(١) «المغني» (٦/ ٥٠)، ويُنْظَر: «المبدع» (٥/ ٣٠٨).
(٢) «روضة الطالبين» (٤/ ٢٣٥، ٢٣٦)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٧٣، ٧٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٥٣٣)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٦٦٩، ٦٧٤)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٢٧٥، ٢٧٧).

وذهَبَ جمُهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأَصحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَصحُّ إِسلامُه استِقلالًا، فيُورَّثُ مِنْ قَريبِه المُسلِمِ (١).

وقد بيَّنَ الإِمامُ ابنُ القَيمِ قَولَ الشافِعيةِ وقَولَ الجُمهورِ حيثُ قالَ رحمة الله عليه: إِسلامُ الصَّبيِّ يَحصلُ بخَمسةِ أَشياءَ مُتفَقٍ على بعضِها ومُختلَفٍ في بعضِها:

الأَولُ: إِسلامُه بنَفسِه إذا عقَلَ الإِسلامَ: فيَصحُّ عندَ الجُمهورِ، وهو مَذهبُ أَبي حَنيفةَ ومالِكٍ وأَحمدَ وأَصحابِهم.

والذين قالوا بصِحةِ إِسلامِه قالوا يَصحُّ باطِنًا وظاهِرًا، حتى لو رجَعَ عنه أُجبِرَ عليه، ولو أقامَ على رُجوعِه كانُ مُرتدًّا، ومَنصوصٌ عن الشافِعيِّ أنَّه لا يَصحُّ إِسلامُه، ولأَصحابِه وَجهانِ آخرانِ:

أَحدُهما: أنَّه يُوقفُ إِسلامُه، فإنْ بلَغَ واستمَرَّ على حُكمِ الإِسلامِ تيقَّنَّا أنَّه كانَ مُسلِمًا مِنْ يَومئذٍ، وإنْ وصَفَ الكُفرَ تبيَّنَّا أنَّه كانَ لَغوًا، وقد عبَّرَ عن هذا بصِحةِ إِسلامِه ظاهِرًا لا باطِنًا.

(١) «الاختيار» (٤/ ١٨١، ١٨٢)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٢٧٥، ٢٧٧)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ١١)، و «الحاوي الكبير» (١٣/ ١٧١)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٢٣٥، ٢٣٦)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٧٣، ٧٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٥٣٣)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٦٦٩، ٦٧٤)، و «الإفصاح» (٢/ ٦٧)، و «المغني» (٩/ ٢٢، ٢٤)، و «الكافي» (٤/ ١٥٥)، و «الشرح الكبير» (١٠/ ٨٣)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٩٢)، و «المبدع» (٩/ ١٧٤، ١٧٥)، و «الإنصاف» (١٠/ ٣٢٩).

والوَجهُ الثانِي: أنَّه يَصحُ إِسلامُه، حتى يُفرقَ بينَه وبينَ زَوجتِه الكافرَةِ، ويُورَّثُ مِنْ قَريبِه المُسلِمِ، وهو اختِيارُ الإِصطخرِيِّ.

قالُوا: وعلى هذا لو ارتدَّ صحَّت رِدتُه، ولكن لا يُقتلُ حتى يَبلغَ، فإنْ رجَعَ إلى الإِسلامِ وإلا قُتلَ، وأما على مَنصوصِ الشافِعيِّ فقد يُقالُ: يُحالُ بينَه وبينَ أَبويه وأَهلِه الكُفارِ لئلا يَفتِنوه، فإنْ بلَغَ ووصَفَ الكُفرَ هُدِّدَ وطُولبَ بالإِسلامِ، فإنْ أصَرَّ رُدَّ إليهم، وهل هذه الحَيلولةُ مُستحبَّةٌ أو واجِبةٌ؟ فيه وَجهانِ، أَصحُّهما أنَّها مُستحبَّةٌ، فيُتلطَّفُ بوالِدَيه ليُؤخذَ منهما، فإنْ أبَيا فلا حَيلولةَ.

هذا في أَحكامِ الدُّنيا، فأما ما يَتعلقُ بالآخرَةِ فقالَ الأُستاذُ أَبو إِسحاقَ: إذا أضمَرَ كما أظهَرَ كانَ مِنْ الفائِزينَ بالجَنةِ، ويُعبَّرُ عن هذا بصِحةِ إِسلامِه باطِنًا لا ظاهِرًا.

قالَ في «النِّهاية»: وفي هذا إِشكالٌ؛ لأنَّ مَنْ حُكمَ له بالفَوزِ لإِسلامِه كيفَ لا نَحكمُ بإِسلامِه؟ وأُجيبَ عنه بأنَّه قد نَحكمُ له بالفَوزِ في الآخِرةِ وإنْ لمْ تَجرِ عليه أَحكامُ الإِسلامِ في الدُّنيا كمَن لمْ تَبلغْه الدَّعوةُ.

والذين قالوا لا يَصحُّ إِسلامُه احتَجُّوا بقَولِ : «رُفعَ القَلمُ عن ثَلاثةٍ: عن الصَّبيِّ حتى يَبلغَ، وعن المَجنونِ حتى يُفيقَ، وعن النائِمِ حتى يَستيقظَ»، وهو حَديثٌ حَسنٌ، قالوا: ولأنَّه قَولٌ تَثبتُ به الأَحكامُ في حَقِّه فلمْ يَصحَّ منه كالهِبةِ والبَيعِ والعِتقِ والإِقرارِ، قالوا: ولأنَّه غيرُ مُكلَّفٍ فلمْ يَصحَّ إِسلامُه كالمَجنونِ والنائِمِ.

قالوا: ولأنَّه قبلَ البُلوغِ في حُكمِ الطِّفلِّ الذي لا يَعقلُ ما يَقولُ، ولهذا كانَت أَقوالُه هَدرًا.

قالوا: ولأنَّه لو صَحَّ إِسلامُه لصَحَّت رِدتُه.

قالَ المُصحِّحونَ لإِسلامِه: هو مِنْ أَهلِ قَولِ لا إِلهَ إلا اللهُ، وقد حرَّمَ اللهُ على النارِ مَنْ قالَ: «لا إلهَ إلا اللهُ»، ومَن قالَ: «لا إلهَ إلا اللهُ» دخَلَ الجَنةَ.

قالوا: وهو مَولودٌ على الفِطرةِ التي فطَرَ اللهُ عليها عِبادَه، فإذا تَكلمَ بكَلمةِ الإِسلامِ فقد نطَقَ بمُوجبِ الفِطرةِ، فعمِلَت الفِطرةُ والكَلمةُ عَملَهما.

قالوا: وقد أشارَ النَّبيُّ إلى هذا المَعنى بقَولِه: «كلُّ مَولودٍ يُولدُ على الفِطرةِ» وفي لَفظٍ: «على هذه المِلةِ، فأَبواه يُهوِّدانِه ويُنصِّرانِه ويُمجِّسانِه، حتى يُعربَ عنه لِسانُه، فإما شاكِرًا وإما كَفورًا»، فجعَلَ الغايَةَ إِعرابَ لسانِه عنه، أي بَيانَ لسانِه عنه، فإذا أعرَبَ لسانُه عنه صارَ إما شاكِرًا وإما كَفورًا بالنَّصِّ، ولأنَّه إذا بلَغَ سِنَّ التَّمييزِ وعقَلَ ما يَقولُ صارَ له إِرادةٌ واختيارٌ ونُطقٌ يَترتبُ عليه به الثَّوابُ وإن تأخَّرَ ترتَّبَ عليه العِقابُ إلى ما بعدَ البُلوغِ، فلا يَلزمُ مِنْ انتِفاءِ صِحةِ أَسبابِ العِقابِ انتِفاءُ صِحةِ أَسبابِ الثوابِ، فإنَّ الصَّبيَّ يَصحُّ حَجُّه وطَهارتُه وصَلاتُه وصِيامُه وصَدقتُه وذِكرُه ويُثابُ على ذلك، وإنْ لمْ يُعاقبْه على تَركِه، فبابُ الثَّوابِ لا يَعتمدُ على البُلوغِ، ولمْ يَقمْ دَليلٌ شَرعيٌّ على إِهدارِ أَقوالِ الصَّبيِّ بالكُليةِ، بل الأَدلةُ الشَّرعيةُ تَقتضي اعتبارَ أَقوالِه في الجُملةِ.

وقد أمَرَ اللهُ تعالَى بابتِلاءِ اليَتامى -وهو اختِبارُهم في عُقودِهم ومُعاملاتِهم- ولهذا كانَ قَولُ الجُمهورِ أنَّ ذلك يَحصلُ بإِذنِه له في العَقدِ، ولا يَحتاجُ إلى أنْ يَأذنَ له في المُراوضةِ ثم بعَقدِ وَليِّه.

وقد ذهَبَ عبدُ اللهِ بنُ الزُّبيرِ وأَهلُ المَدينةِ وأَحمدُ في إِحدى الرِّواياتِ إلى قَبولِ شَهادةِ الصِّبيانِ بعضُهم على بعضٍ في جِراحاتِهم إذا كانُوا مُنفرِدينَ.

وقد ذهَبَ جَماعةٌ مِنْ الفُقهاءِ إلى صِحةِ وَصيةِ الصَّبيِّ وطَلاقِه وظِهارِه وإِيلائِه، ولمْ يَزلِ الصِّبيانُ يَذهبونَ في حَوائجِ أَوليائِهم وغيرِهم ويَقبلونَ قَولَهم في ثُبوتِ الأَسبابِ التي تَقتضِي الحِلَّ والحُرمةَ، ويَعتمدونَ في وَطءِ الفَرجِ في الأَمةِ والزَّوجةِ على قَولِ الصَّبيِّ، فلمْ يُهدرِ الشارِعُ أَقوالَ الصَّبيِّ كلَّها.

بل إذا تأمَّلْنا الشَّرعَ رأَيْنا اعتِبارَه لأَقوالِه أَكثرَ مِنْ إِهدارِه لها، وإنما تُهدرُ فيما فيه عليه ضَررٌ، كالإِقرارِ بالحُدودِ والحُقوقِ، فأما ما هو نَفعٌ مَحضٌ له في الدُّنيا والآخِرةِ كالإِسلامِ فاعتِبارُ قَولِه فيه أَولى مِنْ إِهدارِه؛ إذ أنَّ أُصولَ الشَّرعِ تَشهدُ باعتِبارِ قَولِه فيه.

وأَيضًا فإنَّ الإِسلامَ عِبادةٌ مَحضةٌ وطاعَةٌ للهِ وقُربةٌ له، فلمْ يَكنِ البُلوغُ شَرطًا في صِحتِها كحَجِّه وصَومِه وصَلاتِه وقِراءتِه، وإنَّ اللهَ تعالَى دعا عِبادَه إلى دارِ السَّلامِ وجعَلَ طَريقَها الإِسلامَ، وجعَلَ مَنْ لمْ يُجبْ دَعوتَه في الجَحيمِ والعَذابِ الأَليمِ، فكيفَ يَجوزُ مَنعُ الصَّبيِّ مِنْ إِجابةِ دَعوةِ اللهِ معَ

مُسارعتِه ومُبادرتِه إليها وسُلوكِه طَريقَها وإِلزامُه بطَريقِ أَهلِ الجَحيمِ والكَونِ معَهم والحُكمُ عليه بالنارِ وسَدِّ طَريقِ النَّجاةِ عليه معَ فِرارِه إلى اللهِ منها؟ هذا مِنْ أَمحلِ المُحالِ، ولأنَّ هذا إِجماعُ الصَّحابةِ، فإنَّ عَليًّا رضي الله عنه أسلَمَ صَبيًّا وكانَ يَفتخرُ بذلك ويَقولُ:

سبقْتُكمُ إلى الإِسلامِ طُرًّا … صَبيًّا ما بلَغْتُ أَوانَ حُلْمي

فكيفَ يُقالُ إنَّ إِسلامَه كان باطِلًا لا يَصحُّ، ولهذا قالَ غيرُ واحدٍ مِنْ التابِعينَ ومَن بعدَهم: أَولُ مَنْ أسلَمَ مِنْ الرِّجالِ أَبو بَكرٍ، ومِن الصِّبيانِ عليٌّ، ومِن النِّساءِ خَديجةُ، ومِن العَبيدِ بِلالٌ، ومِن المَوالي زَيدٌ.

وقالَ عُروةُ بنُ الزُّبيرِ: أسلَمَ عَليٌّ والزُّبيرُ وهما ابنا ثَماني سِنينَ، وبايعَ عَبدُ اللهِ بنُ الزُّبيرِ وعُمرُه سَبعُ سِنينَ أو ثَمانٍ، فضحِكَ النَّبيُّ لمَّا رآه.

وقالَ ابنُ عَباسٍ رضي الله عنهما: كنَّا أنا وأُمي مِنْ المُستضعَفينِ بمَكةَ، وماتَ النَّبيُّ ولمْ يَحتلمْ، ولمْ يَردَّ النَّبيُّ على أَحدٍ مِنْ الصِّبيانِ إِسلامَه قط، بل كانَ يَقبلُ إِسلامَ الصَّغيرِ والكَبيرِ والحُرِّ والعَبدِ والذِّكرِ والأُنثى، ولمْ يَأمرْ هو ولا أَحدٌ مِنْ خُلفائِه ولا أَحدٌ مِنْ أَصحابِه صَبيًّا أسلَمَ قبلَ البُلوغِ عندَ البُلوغِ أنْ يُجدِّدَ إِسلامَه، ولا عُرفَ هذا في الإِسلامِ قطُّ.

وأما قَولُه : «رُفعَ القَلمُ عن ثَلاثةٍ» فلمْ يُردْ به النَّبيُّ أنَّه لا يَصحُّ إِسلامُه ولا ذكِرُه ولا قِراءتُه ولا صَلاتُه

ولا صِيامُه، فإنَّه لمْ يُخبِرْ أنَّ قَلمَ الثَّوابِ مَرفوعٌ عنه، وإنما مُرادُه بهذا الحَديثِ: رُفعَ قَلمُ التَّأثيمِ، وأنَّه لا يُكتبُ عليه ذَنبٌ، والإِسلامُ أَعظمُ الحَسناتِ، وهو له لا عليه، فكيفَ يُفهمُ مِنْ رَفعِ القَلمِ عن الصَّبيِّ بُطلانُه وعَدمُ اعتِبارِه والإِسلامُ له لا عليه ويَسعدُ به في الدُّنيا والآخرةِ؟ … (١).

(١) «أحكام أهل الذمة» (٢/ ٩٠١، ٩١١).

كتاب الغصب

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 405 - 413

ارجع إلى دعوى نسب اللقيط للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده