الإسلام > الأوقاف والملكية > دعوى نسب اللقيط > إن ادعته امرأتان
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةإنِ ادَّعَته امرَأتانِ:
الكَلامُ فيما لو ادَّعَت امرَأتانِ اللَّقيطَ مُتفرِّعٌ على قَبولِ قَولِها في الدَّعوى.
قالَ الحَنفيةُ: لو ادَّعى اللَّقيطَ امرَأتانِ وأقامَت إِحداهما البَينةَ فهي أَولى به.
وإنْ أقامَتا جَميعًا البَينةَ فهو ابنُهما عندَ أَبي حَنيفةَ؛ لأنَّ إِثباتَ النَّسبِ لا يَقتضي إِثباتَ الوِلادةِ، وإنما تَتعلقُ به أَحكامٌ أُخرُ، مِنْ تَحريمِ المُصاهرةِ، وحَقِّ الحَضانةِ، ووُجوبِ الإِرثِ.
وعندَ أَبي يُوسفَ: لا يَكونُ لواحدةٍ منهما؛ لاستِحالةِ أنْ تَلدَ امرَأتانِ وَلدًا واحدًا.
وعن مُحمَّدٍ رِوايتانِ: في رِوايةِ أَبي حَفصٍ يُجعلُ ابنُهما، وفي رِوايةِ أَبي سُليمانَ لا يُجعلُ ابنَ واحدةٍ منهما (١).
وأما الشافِعيةُ فقالَ العِمرانِيُّ رحمة الله عليه: وإنِ ادَّعَت امرَأتانِ وِلادةَ لَقيطٍ، ولا بَينةَ لواحدةٍ منهما:
فإنْ قُلْنا: لا تُقبلُ دَعوى المَرأةِ في النَّسبِ بكلِّ حالٍ لمْ تُقبلْ دَعوى واحدةٍ منهما.
(١) «تحفة الفقهاء» (٣/ ٣٥٤)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٠٠)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٨٢، ١٨٣)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٢٩٩)، و «البحر الرائق» (٥/ ١٥٧)، و «الفتاوى الهندية» (٢/ ٢٨٧).
فإنْ قُلْنا: تُقبلُ دَعوتُها إذا لمْ تَكنْ فِراشًا، ولا تُقبلُ إذا كانَت فِراشًا، فإنْ كانَتا فِراشَينِ لرَجلَينِ لمْ تُقبلْ دَعوتُهما، وإنْ كانَت إِحداهما فِراشًا دونَ الأُخرى قُدمَت دَعوةُ مَنْ ليسَت بفِراشٍ.
وإنْ كانَتا ليسَتا بفِراشٍ، أو قُلْنا: تُقبلُ دَعوةُ المَرأةِ بكلِّ حالٍ، فهل تُعرضانِ على القافَةِ معَ الوَلدِ؟ فيه وَجهانِ، حَكاهما الشَّيخُ أَبو إِسحاقَ:
أَحدُهما: لا يُعرضانِ؛ لأنَّ الأُمَّ يُمكنُ مَعرفتُها يَقينًا مِنْ طَريقِ المُشاهدَةِ، فلمْ يُرجعْ فيه إلى القافَةِ.
والثانِي: أنَّهما تُعرضانِ معَ الوَلدِ على القافَةِ، ولمْ يَذكرِ ابنُ الصَّباغِ غيرَه؛ لأنَّهما أَحدُ الأَبوينِ، فعُرضَتا معَ الوَلدِ على القافَةِ، كالرَّجلَينِ.
وإنْ أقامَت إِحداهما بَينةً بالوِلادةِ: رَجلينِ، أو رَجلًا وامرَأتينِ، أو أَربعَ نِسوةٍ حُكمَ بثُبوتِ النَّسبِ منها؛ لأنَّ البَينةَ أَقوى مِنْ الدَّعوى، فإنْ كانَت فِراشًا لزَوجٍ أو سَيدٍ لَحقَ به الوَلدُ؛ لأنَّ البَينةَ قد شَهدَت بوِلادتِها له، فلحِقَ صاحِبَ الفِراشِ، ويُخالفُ إذا ألحَقْناه بها بإِقرارِها؛ لأنَّا لا نُلحقُه بغيرِ المُقِرِّ.
وإنْ أقامَت كلُّ واحدةٍ منهما بَينةً بالوِلادةِ، فإنْ قُلْنا: إنَّهما تَسقطانِ كانَ كما لو لمْ تَكنْ بَينةٌ، وقد مَضى. وإنْ قُلْنا: تُستعملانِ، فلا يَجيءُ الوَقفُ ولا القِسمةُ.
قالَ الشيخُ أَبو حامِدٍ وابنُ الصَّباغِ: ولا تَجيءُ ها هنا القُرعةُ؛ لأنَّ معنا ما هو أَقوى مِنْ القُرعةِ، وهو القافَةُ، فنَعرضُه عليها، فإنْ ألحَقْتَه بإِحداهما قوَّيْنا بَينتَها بذلك، وألحَقْناه بها وبزَوجِها، ولا يَنتفي عنه إلا باللِّعانِ، وإنْ
ألحَقَتْه القافَةُ بها أو نفَتْه عنهما أو أشكَلَ عليها الأَمرُ أو لمْ يَكنْ قافَةٌ تُرِكَ الوَلدُ حتى يَبلغَ ويَنتسبَ إلى إِحداهما، وتَكونُ نَفقتُه عليهما.
فإذا انتسَبَ إلى إِحداهما رجَّحْنا به بَينتَها ولحِقَها ولحِقَ زَوجَها، وانتَفى عنه باللِّعانِ.
فإنْ ماتَت إِحدى المَرأتَينِ، أو ماتَ زَوجُها قبلَ بُلوغِ اللَّقيطِ عُزلَ مِنْ مِيراثِ المَيتِ مِيراثُ ابنٍ، فإنْ بلَغَ وانتسَبَ إلى المَيتةِ أُخذَ ما عُزلَ له مِنْ ميراثِها، أو مِنْ ميراثِ زَوجِها.
وإنِ انتسَبَ إلى الحيَّةِ رُدَّ المَعزولُ على وَرثةِ المَيتةِ.
[فَرعٌ: ادَّعاءُ رَجلٍ وامرَأةٍ لَقيطًا].
ذكَرَ الطَّبريُّ: إذا اجتمَعَ رَجلٌ وامرَأةٌ وللرَّجلِ زَوجةٌ غيرُ هذه المَرأةِ وللمَرأةِ زَوجٌ غيرُ هذا الرَّجلِ فادَّعى كلُّ واحدٍ منهما بُنوَّةَ اللَّقيطِ وأقامَ كلُّ واحدٍ منهما بَينةً قالَ أَبو العَباسِ ابنِ سُريجٍ: ففيه أَربعةُ أَقوالٍ:
أَحدُها: أنَّ بَينةَ الرَّجلِ أَولى؛ لأنَّا لو ألحَقْناه بالمَرأةِ لالتَحقَ بزَوجِها مِنْ غيرِ أنْ يَدَّعيَه.
والثانِي: أنَّ بَينةَ المَرأةِ أَولى؛ لأنَّ خُروجَ الوَلدِ منها يُعرفُ بالمُشاهدَةِ والقَطعِ، وخُروجُ الوَلدِ مِنْ الزَّوجِ لا يُعلمُ إلا بغَلبةِ الظَّنِّ.
والثالِثُ: أنَّهما يَتعارضانِ؛ لأنَّه ليسَت إِحداهما بأَولى مِنْ الأُخرى.
والرابِعُ: أنَّه يُعرَضُ معَهما على القافَةِ (١).
(١) «البيان» (٨/ ٣٢، ٣٤)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٢٤٤، ٢٤٥).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: «إنِ ادَّعت امرَأتانِ نَسبَ وَلدٍ فذلك مَبنيٌّ على قَبولِ دَعوتِهما، فإنْ كانَتا مِمَّنْ لا تُقبلُ دَعوتُهما لمْ تُسمعْ دَعوتُهما، وإنْ كانَت إِحداهما مِمَّنْ تُسمعُ دَعوتُهما دونَ الأُخرى فهو ابنٌ لها، كالمُنفردَةِ به، وإنْ كانَتا جَميعًا مِمَّنْ تُسمعُ دَعوتُهما فهما في إِثباتِه بالبَينةِ، أو كَونِه يُرى القافَةَ معَ عَدمِها كالرَّجلينِ.
قالَ أَحمدُ في رِوايةِ بَكرِ بنِ مُحمَّدٍ في يَهوديةٍ ومُسلِمةٍ ولدَتا فادَّعَت اليَهوديةُ وَلدَ المُسلمةِ فتَوقفَ، فقيلَ: يُرى القافَةَ. فقالَ: ما أَحسنَه! ولأنَّ الشَّبهَ يُوجدُ بينَها وبينَ ابنِها كوُجودِه بينَ الرَّجلِ وابنِه بل أَكثرُ؛ لاختِصاصِهما بحَملِه وتَغذيتِه، والكافرَةُ والمُسلِمةُ والحُرةُ والأَمةُ في الدَّعوى واحدةٌ كما قُلْنا في الرَّجلِ، وهذا قَولُ أَصحابِ الشافِعيِّ على الوَجهِ الذي يَقولونَ فيه بقَبولِ دَعوتِهما، وإنْ ألحَقَتْه القافَةُ بأُمَّينِ لمْ يلحَقْ بهما وبطَلَ قَولُ القافَةِ؛ لأنَّنا نَعلمُ خَطأَه يَقينًا.
وقالَ أَصحابُ الرَّأيِ: يُلحقُ بهما بمُجرَّدِ الدَّعوى؛ لأنَّ الأُمَّ أَحدُ الأَبوينِ فجازَ أنْ يُلحقَ باثنَينِ كالآباءِ.
ولنا: إنَّ كَونَه منهما مُحالٌ يَقينًا فلمْ يَجزِ الحُكمُ به، كما لو كانَ أَكبَرَ منهما أو مِثلَهما، وفارَقَ الرَّجلَينِ، فإنَّ كَونَه منهما مُمكِنٌ، فإنَّه يَجوزُ اجتِماعُ النُّطفتَينِ لرَجلَينِ في رَحمِ امرَأةٍ، فيُمكنُ أنْ يُخلقَ منهما وَلدٌ كما يُخلقُ مِنْ نُطفةِ الرَّجلِ والمَرأةِ، ولذلك قالَ القائِفُ لعُمرَ: «قد اشتَرَكا فيه»،
ارجع إلى دعوى نسب اللقيط للاطلاع على جميع المسائل.