الإسلام > الأوقاف والملكية > دعوى نسب اللقيط > الحالة الثانية: أن يدعيه اثنان فأكثر
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 23 دقيقة قراءةالحالِةُ الثانِيةُ: أنْ يَدَّعيَه اثنانِ فأَكثرُ:
إذا ادَّعى المُلتقَطَ اثنانِ فهذا لا يَخلو مِنْ صُورتَينِ:
الصُّورةُ الأُولى: أنْ يَدَّعيَه مُسلِمانِ:
إذا ادَّعى اللَّقيطِ اثنانِ مِنْ المُسلِمينَ وكانَ معَ أَحدِهما بَينةٌ فهو لصاحِبِ البَينةِ باتِّفاقِ المَذاهبِ الأَربعةِ.
إلا أنَّهم اختلَفوا فيما لو لمْ يَكنْ معَهما بَينةٌ أو كانَ معَهما بَينتانِ وتعارَضَتا، هل يُلحقُ بها أم يُعرضُ على القافَةِ؟
قالَ الحَنفيةُ: إنِ ادَّعاه اثنانِ ووصَفَ أَحدُهما عَلامةً في جَسدِه فهو أَولى به؛ لأنَّ العَلامةَ تَدلُّ على سَبقِ اليَدِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّ الإِنسانِ يَعرفُ عَلامةَ وَلدِه.
وإنْ لمْ يَصفْ أَحدُهما عَلامةً فهو ابنُهما لاستِوائِهما في النَّسبِ، وإنْ سبَقَت دَعوةُ أَحدِهما فهو ابنُه؛ لأنَّه ثبَتَ حَقُّه في زَمانٍ لا مُنازِعَ له فيه إلا إذا أقامَ الآخرُ البَينةَ؛ لأنَّ البَينةَ أَقوى.
وإنْ أَقاما جَميعًا البَينةَ قُضيَ به لهما، ولو كانَ المُدَّعِي أَكثرُ مِنْ اثنَينِ فعن أَبي حَنيفةَ أنَّه جوَّزَه إلى خَمسةٍ.
وقالَ أَبو يُوسفَ: يَثبتُ مِنْ اثنَينِ ولا يَثبتُ مِنْ أَكثرَ مِنْ ذلك، وعندَ مُحمَّدٍ يَثبتُ مِنْ ثَلاثةٍ ولا يَثبتُ مِنْ أَكثرَ مِنْ ذلك (١).
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٩٩، ٢٠٠)، و «الهداية» (٢/ ١٧٣)، و «الاختيار» (٣/ ٣٥)، و «العناية» (٨/ ١٨٩)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٨٢)، و «اللباب» (١/ ٦٥٨)، و «مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر» (٢/ ٥٢٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ اللَّقيطَ إنِ ادَّعاه اثنانِ وكانَ معَ أَحدِهما بَينةٌ فإنَّه يُحكمُ به لصاحِبِ البَينةِ؛ لأنَّ البَينةَ أَقوى مِنْ الدَّعوى.
وإنْ لمْ يَكنْ لأَحدِهما بَينةٌ أو كانَت لهما بَينةٌ وتعارَضَتا فإنَّهما تَسقطانِ، ويَكونُ كما لو لمْ يَكنْ هناك بَينةٌ ويُعرضُ على القافَةِ -وهم قَومٌ يَعرفونَ الأَنسابَ بالشَّبهِ، ولا يَختصُّ ذلك بقَبيلةٍ مُعيَّنةٍ، بل مَنْ عُرفَت منه مَعرفةُ ذلك وتكرَّرَت منه الإِصابةُ فهو قائِفٌ- فإنْ ألحَقَته بأَحدِهما أُلحقَ به، وإنْ ألحَقَته بهما لحِقَ بهما عندَ الحَنابِلةِ، وقالَ الشافِعيةُ: يُنتظرُ بُلوغُ اللَّقيطِ، وأُمرَ بالانتِسابِ بعدَ بُلوغِه إلى مَنْ يَميلُ طَبعُه الجِبليُّ إليه منهما.
وإنْ ذكَرَ أَحدُهما عَلامةً في اللَّقيطِ ولمْ يَذكرِ الآخرُ لمْ يُقدمِ الواصِفُ له بذلك عندَ الشافِعيةِ، وتُقدمُ عندَ الحَنابِلةِ والحَنفيةِ، كما تقدَّمَ وستَأتي مُفصَّلةً في المَسألةِ التي تَليها.
قالَ الشافِعيةُ: لو استَلحقَ اللَّقيطَ اثنانِ أَهلانِ للالتِقاطِ، بأنِ ادَّعى كلٌّ منهما نَسبَه منه، فإنْ لمْ يَكنْ لواحدٍ منهما بَينةٌ أو كانَ لكلٍّ منهما بَينةٌ وتعارَضَتا عُرضَ اللَّقيطُ معَ المُدعيَينِ على القائِفِ، فيَلحقُ مَنْ ألحَقَه به؛ لأنَّ في إِلحاقِه أَثرًا في الانتِسابِ عندَ الاشتِباه، فإنْ كانَ لأَحدِهما بَينةٌ قُضيَ بها، فإنَّها تُقدمُ على إِلحاقِ القائِفِ.
فإنْ لمْ يَكنْ قائِفٌ أو كانَ ولكنْ تَحيَّرَ أو نَفاه عنهما أو ألحَقَه بهما انتُظرَ بُلوغُه، وأُمرَ بالانتِسابِ بعدَ بُلوغِه إلى مَنْ يَميلُ طَبعُه الجِبلِّيُّ إليه منهما، فلا يَكفي فيه مُجرَّدُ التَّشهي، فمَن انتسَبَ إليه منهما لحِقَ به؛ لمَا رَوى البَيهقيُّ بسَندٍ صَحيحٍ «أنَّ رَجلَينِ ادَّعيا رَجلًا لا يَدرى أيّهما أَبوه، فقالَ عُمرُ رضي الله عنه: اتَّبعْ أيَّهما شئْتَ»، ولأنَّ طَبعَ الوَلدِ يَميلُ إلى والِدِه ويَجدُ به ما لا يَجدُه بغيرِه فلا يَكفي انتِسابُه وهو صَبيٌّ -ولو مُميِّزًا-، ويُنفقانِ عليه مدَّة الانتِظارِ، والقَرارُ على مَنْ لحِقَه النَّسبُ، لكن إنما يَرجعُ الآخَرُ إذا أنفَقَ بإِذنِ الحاكِمِ.
وإذا انتسَبَ إلى أَحدِهما وألحَقَه القائِفُ بالآخَرِ قُدمَ القائِفَ؛ لأنَّه حُجةٌ أو حُكمٌ، أو ألحَقَه القائِفُ بأَحدِهما وأقامَ الآخرُ بَينةً قُدمَت؛ لأنَّها حُجةٌ في كلِّ خُصومةٍ، ولو كانا وَلديْنِ فانتسَبَ كلُّ واحدٍ منهما لواحدٍ دامَ الإِشكالُ، فإنْ رجَعَ أَحدُهما إلى الآخرِ قُبلَ قَولُه بعدَ بُلوغِه.
ولو أقاما على نَسبِه بَينتَينِ مُتعارِضتينِ سقَطَتا في الأَظهرِ، وعُرضَ على القائِفِ كما مرَّ؛ إذ لا يُمكنُ العَملُ بالبَينتينِ؛ لاستِحالةِ كَونِ الوَلدِ منهما، ولا يُرجحُ بَينةً بيَدٍ؛ لأنَّ اليَدَ إنما تَدلُّ على المِلكِ لا على النَّسبِ.
والثانِي: لا يَسقطانِ، وتُرجحُ إِحداهما بقَولِ القائِفِ (١).
(١) «البيان» (٨/ ٢٧، ٣١)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٢٤٣، ٢٤٥)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٨٣، ٨٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٥٣٩، ٥٤٠)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٦٨٥، ٦٨٨)، و «الديباج» (٢/ ٥٧٩، ٥٨٠).
قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إذا ادَّعاه اثنانِ فكانَ لأَحدِهما به بَينةٌ فهو ابنُه، وإنْ أَقاما بَينتَينِ تعارَضَتا وسقَطَتا، ولا يُمكنُ استِعمالُهما ها هنا.
وإذا لمْ تَكنُ به بَينةٌ أو تعارَضَت به بَينتانِ وسقَطَتا فإنَّا نُريه القافَةَ معهما أو معَ عَصبتِهما عند فَقدِهما، فنُلحِقُه بمَن ألحَقَتْه به منهما، وهذا قَولُ أَنسٍ وعَطاءٍ ويَزيدَ بنِ عبدِ المَلكِ والأَوزاعيِّ واللَّيثِ والشافِعيِّ وأَبي ثَورٍ.
وقالَ أَصحابُ الرَّأيِ: لا حُكمَ للقافَةِ، ويُلحقُ بالمُدَّعيَينِ جَميعًا؛ لأنَّ الحُكمَ بالقافَةِ تَعويلٌ على مُجرَّدِ الشَّبهِ والظَّنِّ والتَّخمينِ، فإنَّ الشَّبهَ يُوجدُ بينَ الأَجانبِ ويُنفى بينَ الأَقاربِ، ولهذا رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّ رَجلًا أتاه فقالَ: يا رَسولَ اللهِ ﷺ إنَّ امرأَتي ولَدَتْ غُلامًا أَسودَ! فقالَ: «هل لك مِنْ إِبلٍ؟» قالَ: نَعم. قالَ: «فما أَلوانُها؟» قالَ: حُمرٌ. قالَ: «فهل فيها مِنْ أَورقَ؟» قالَ: نعم. قالَ: «أنَّى أتاها ذلك؟» قالَ: لعلَّ عِرقًا نزَعَ. قالَ: «وهذا لعلَّ عِرقًا نزَعَ» مُتفَقٌ عليه.
قالوا: ولو كانَ الشَّبهُ كافيًا لاكتُفيَ به في وَلدِ المُلاعنةِ، وفيما إذا أقَرَّ أَحدُ الوَرثةِ بأخٍ فأنكَرَه الباقُونَ.
ولنا: ما رُويَ عن عائِشةَ رضي الله عنها أنَّ النَّبيَّ ﷺ دخَلَ عليها يَومًا مَسرورًا تَبرقُ أَساريرُ وَجهُه، فقالَ: «ألمْ تَريْ أنَّ مُحرزًا المُدلِجيِّ نظَرَ آنفًا إلى زَيدٍ وأُسامةَ وقد غطَّيا رُؤوسَهما وبدَت أَقدامُهما»، فقالَ: «إنَّ هذه الأَقدامَ بعضُها مِنْ بعضٍ» مُتفَقٌ عليه، فلولا جَوازُ الاعتِمادِ على القافَةِ لمَا سُرَّ به النَّبيُّ ﷺ ولا اعتمَدَ عليه، ولأنَّ عُمرَ رضي الله عنه قَضى به
بحَضرةِ الصَّحابةِ فلمْ يُنكرْه مُنكِرٌ فكانَ إَجماعًا، ويَدلُّ على ذلك قَولُ النَّبيِّ ﷺ في وَلدِ المُلاعنةِ «أَنظِروها، فإنْ جاءَت به أَحمشَ الساقَينِ كأنَّه وَحرةٌ فلا أَراه إلا قد كذَبَ عليها، وإنْ جاءَت به أَكحلَ جَعدًا جَماليًّا سابِغَ الأَليتينِ خَدلَّجَ الساقَينِ فهو للذي رُميَت به، فأتَت به على النَّعتِ المَكروهِ، فقالَ النَّبيُّ: ﷺ «لولا الأَيمانُ لكانَ لي ولها شَأنٌ» فقد حكَمَ به النَّبيُّ ﷺ للذي أشبَهَه منهما، وقَولُه: «لولا الأَيمانُ لكانَ لي ولها شَأنٌ» يَدلُّ على أنَّه لمْ يَمنعْه مِنْ العَملِ بالشَّبهِ إلا الأَيمانُ، فإذا انتَفى المانِعُ يَجبُ العَملُ به لوُجودِ مُقتضِيه.
وكذلك قَولُ النَّبيِّ ﷺ في ابنِ أَمةِ زَمعةَ حينَ رَأى به شَبهًا بَينًا بعُتبةَ بنِ أَبي وَقاصٍ: «احتَجِبي منه يا سَودةُ» فعمِلَ بالشَّبهِ في حَجبِ سَودةَ عنه.
فإنْ قيلَ: فالحَديثانِ حُجةٌ عليكم؛ إذ لمْ يَحكمِ النَّبيُّ ﷺ بالشَّبهِ فيهما، بل أُلحقَ الوَلدُ بزَمعةَ وقالَ لعَبدِ بنِ زَمعةَ: «هو لك يا عَبدُ بنَ زَمعةَ، الوَلدُ للفِراشِ وللعاهِرِ الحَجرُ»، ولمْ يَعملْ بشَبهِ وَلدِ المُلاعنةِ في إِقامةِ الحَدِّ عليها لشَبهِه بالمَقذوفِ.
قُلْنا: إنما لمْ يَعملْ به في ابنِ أَمةِ زَمعةَ لأنَّ الفِراشَ أَقوى، وتَركُ العَملِ بالبَينةِ لمُعارَضةِ ما هو أَقوى منه لا يُوجبُ الإِعراضَ عنه إذا خلَت عن المُعارضِ، وكذلك تَركُ إِقامةِ الحَدِّ عليها مِنْ أَجلِ أَيمانِها بدَليلِ قَولِه: «لولا الأَيمانُ لكانَ لي ولها شَأنٌ» على أنَّ ضَعفَ الشَّبهِ عن إِقامةِ الحَدِّ لا
يُوجبُ ضَعفَه عن إِلحاقِ النَّسبِ، فإنَّ الحَدَّ في الزِّنا لا يَثبتُ إلا بأَقوى البَيناتِ وأَكثرِها عَددًا وأَقوى الإِقرارِ، حتى يُعتبَرُ فيه تَكرارُه أَربعَ مَراتٍ ويُدرأُ بالشُّبهاتِ، والنَّسبُ يَثبتُ بشَهادةِ امرَأةٍ واحدَةٍ على الوِلادةِ، ويَثبتُ بمُجردِ الدَّعوى، ويَثبتُ معَ ظُهورِ انتِفائِه حتى لو أنَّ امرَأةً أتَت بوَلدٍ وزَوجُها غائِبُ عنها منذُ عِشرينَ سَنةً لحِقَه وَلدُها، فكيفَ يُحتجُّ على نَفيه بعَدمِ إِقامةِ الحَدِّ؟ ولأنَّه حُكمٌ بظَنٍّ غالِبٍ ورَأيٍ راجِحٍ مِمَّنْ هو مِنْ أَهلِ الخِبرةِ فجازَ كقَولِ المُقوِّمينَ، وقَولُهم إنَّ الشَّبهَ يَجوزُ وُجودُه وعَدمُه، قُلْنا: الظاهِرُ وُجودُه، ولهذا قالَ النَّبيُّ ﷺ حينَ قالَت أمُّ سَلمةَ: أوتَرى ذلك المَرأةُ؟ قالَ: «فمِن أَينَ يَكونُ الشَّبهُ؟».
والحَديثُ الذي احتجُّوا به حُجةٌ عليهم؛ لأنَّ إِنكارَ الرَّجلِ وَلدَه لمُخالفةِ لَونِه وعَزمَه على نَفيه لذلك يَدلُّ على أنَّ العادَةَ خِلافُه، وأنَّ في طِباعِ الناسِ إِنكارَه، وأنَّ ذلك إنما يُوجدُ نادِرًا، وإنما ألحَقَه النَّبيُّ ﷺ به لوُجودِ الفِراشِ، وتَجوزُ مُخالفةُ الظاهِرِ لدَليلٍ، ولا يَجوزُ تَركُه مِنْ غيرِ ذلك، ولأنَّ ضَعفَ الشَّبهِ عن نَفي النَّسبِ لا يَلزمُ منه ضَعفُه عن إِثباتِه، فإنَّ النَّسبَ يُحتاطُ لإِثباتِه ويَثبتُ بأَدنى دَليلٍ، ويَلزمُ مِنْ ذلك التَّشديدُ في نَفيه، وأنَّه لا يَنتفي إلا بأَقوى الأَدلةِ، كما أنَّ الحَدَّ لمَّا انتَفى بالشَّبهِ لمْ يَثبتْ إلا بأَقوى دَليلٍ، فلا يَلزمُ حينَئذٍ مِنْ المَنعِ مِنْ نَفيه بالشَّبهِ في الخبَرِ المَذكورِ ألَّا يَثبتَ به النَّسبُ في مَسألتِنا.
فإنْ قيلَ: فهاهنا إذا علِمْتُم بالقيافَةِ فقد نَفيْتُم النَّسبَ عمَّن لمْ تَلحقْه القافَةُ به.
قُلْنا: إنما انتفَى النَّسبُ ها هنا لعَدمِ دَليلِه؛ لأنَّه لمْ يُوجدْ إلا مُجرَّدُ الدَّعوى، وقد عارَضَها مِثلُها فسقَطَ حُكمُها، وكانَ الشَّبهُ مُرجِّحًا لأَحدِهما فانتَفَت دِلالةٌ أُخرى، فلزِمَ انتِفاءُ النَّسبِ لانتِفاءِ دَليلِه، وتَقديمُ اللِّعانِ لا يَمنعُ العَملَ به عند عَدمِه، كاليَدِ تُقدمُ عليها البَينةُ ويُعملُ بها …
وإذا ادَّعاه اثنانِ فألحَقَتْه القافَةُ بهما لحِقَ بهما، وكانَ ابُنهما يَرثُهما مِيراثَ ابنٍ ويَرثانِه جَميعًا مِيراثَ أَبٍ واحدٍ، وهذا يُروى عن عُمرَ وعَليٍّ رضي الله عنهما وهو قَولُ أَبي ثَورٍ.
وقالَ أَصحابُ الرَّأي: يُلحقُ بهما بمُجرَّدِ الدَّعوى.
وقالَ الشافِعيُّ: لا يُلحقُ بأَكثرَ مِنْ واحدٍ، فإذا ألحَقَتْه بهما سقَطَ قَولُهما ولمْ يُحكمْ لهما، واحتجَّ برِوايةٍ عن عُمرَ رضي الله عنه أنَّ القافَةَ قالَت: قد اشتَرَكا فيه فقالَ عُمرُ: «والِ أيَّهما شئْتَ»، ولأنَّه لا يُتصوَّرُ كَونُه مِنْ رَجلينِ، فإذا ألحَقَتْه القافَةُ بهما تَبيَّنَّا كَذبَهما فسقَطَ قَولُهما، كما لو ألحَقَتْه بأُمَّينِ، ولأنَّ المُدَّعيَينِ لو اتفَقا على ذلك لمْ يَثبتْ، ولو ادَّعاه كلُّ واحدٍ منهما وأقامَ بَينةً سقَطَتا، ولو جازَ أنْ يُلحقَ بهما لثبَتَ باتِّفاقِهما وأُلحقَ بهما عندَ تَعارُضِ بَيِّنتَيهما.
ولنا: ما رَوى سَعيدٌ في سُننِه ثنا سُفيانٌ عن يَحيى عن سَعيدٍ عن سُليمانَ ابنِ يَسارٍ عن عُمرَ في امرأةٍ وطِئَها رَجلانِ في طُهرٍ، فقالَ القائِفُ: قد اشتَرَكا فيه جَميعًا. فجعَلَه بينَهما، وبإِسنادِه عن الشِّعبيِّ قالَ: وعليٌّ يَقولُ هو ابنُهما وهما أَبواه يَرثُهما ويَرثانِه، ورواه الزُّبيرُ بنُ بَكارٍ بإِسنادِه
عن عُمرَ، وقالَ الإِمامُ أَحمدُ: حَديثُ قَتادةَ عن سَعيدٍ عن عُمرَ جعَلَه بينَهما، وقابُوسُ عن أَبيه عن عَليٍّ جعَلَه بينَهما، ورَوى الأَثرمُ بإِسنادِه عن سَعيدِ بنِ المُسيَّبِ في رَجلَينِ اشتَرَكا في طُهرِ امرَأةٍ فحمَلَت فولَدَت غُلامًا يُشبهُهما، فرُفعَ ذلك إلى عُمرَ بنِ الخَطابِ رضي الله عنه، فدعا القافَةَ فنظَرُوا فقالُوا: نَراه يُشبهُهما، فألحَقَه بهما وجعَلَه يَرثُهما ويَرثانِه، قالَ سَعيدٌ: عصبَتُه الباقِي منهما، وما ذكَرُوه عن عُمرَ لا نَعلمُ صِحتَه، وإنْ صَحَّ فيُحتملُ أنَّه ترَكَ قَولَ القافَةِ لأَمرٍ آخرَ، إما لعَدمِ ثِقتِهما، وإما لأنَّه ظهَرَ له مِنْ قَولِهما واختِلافِه ما يُوجبُ تَركَه، فلا يَنحصرُ المانِعُ مِنْ قَبولِ قَولِهما في أنَّهما اشتَرَكا فيه.
قالَ أَحمدُ: إذا ألحَقَتْه القافَةُ بهما ورِثَهما وورِثاه، فإنْ ماتَ أَحدُهما فهو للباقِي منهما ونَسبُه مِنْ الأَولِ قائِمٌ لا يُزيلُه شَيءٌ.
ومَعنى قَولِه: «هو للباقِي منهما» -واللهُ أَعلمُ- أنَّه يَرثُه مِيراثَ أبٍ كامِلٍ كما أنَّ الجَدةَ إذا انفرَدَت أخَذَت ما يَأخذُه الجَداتُ، والزَّوجةُ تَأخذُ وحدَها ما يَأخذُه جَميعُ الزَّوجاتِ (١).
وأما المالِكيةُ: فكما تقدَّمَ عنهم أنَّه لا يُدفعُ إليه إلا بَبينةٍ لا بالدَّعوى.
(١) «المغني» (٦/ ٤٥، ٤٩)، ويُنْظَر: «الطرق الحكمية» ص (٣١٢)، و «المبدع» (٥/ ٣٠٦، ٣٠٩)، و «الإنصاف» (٦/ ٤٤٥)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٨٧، ٢٨٨٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٢٣، ٣٢٤)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٦٤).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب اللقطة
باب التقاط المنبوذ يوجد معه الشيء بما وضع بخطه لا أعلمه سمع منه، ومن مسائل شتى سمعتها منه
باب التقاط المنبوذ يوجد معه الشيء بما وضع بخطه لا أعلمه سمع منه، ومن مسائل شتى سمعتها منه لفظا
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى فيما وضع بخطه: " ما وُجِدَ تَحْتَ الْمَنْبُوذِ مِنْ شَيْءٍ مَدْفُونٍ مِنْ ضرب الإسلام أو كان قريبا منه فهو لُقَطَةٌ أَوْ كَانَتَ دَابَّةً فَهِيَ ضَالَّةٌ فَإِنْ وُجِدَ عَلَى دَابَّتِهِ أَوْ عَلَى فِرَاشِهِ أَوْ عَلَى ثَوْبِهِ مَالٌ فَهُوَ لَهُ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ أَمَّا الْمَنْبُوذُ فَهُوَ الطِّفْلُ يُلْقَى لِأَنَّ النَّبْذَ فِي كَلَامِهِمُ الْإِلْقَاءُ وَسُمِّيَ لَقِيطًا لِالْتِقَاطِ وَاجِدِهِ لَهُ وَقَدْ تَفْعَلُ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ بِوَلَدِهَا لِأُمُورٍ: مِنْهَا أَنْ تَأْتِيَ بِهِ مِنْ فَاحِشَةٍ فَتَخَافُ الْعَارَ فَتُلْقِيهِ أَوْ تَأْتِي بِهِ مِنْ زَوْجٍ فَتَضْعُفُ عَنِ الْقِيَامِ بِهِ فَتُلْقِيهِ رَجَاءَ أَنْ يَأْخُذَهُ مَنْ يَقُومُ بِهِ. أَوْ تَمُوتُ الْأُمُّ فَيَبْقَى ضَائِعًا فَيَصِيرُ فَرْضَ كِفَايَةٍ وَالْقِيَامُ بِتَرْبِيَتِهِ عَلَى كَافَّةِ مَنْ عَلِمَ بِحَالِهِ حَتَّى يَقُومَ بِكَفَالَتِهِ مِنْهُمْ مَنْ فِيهِ كِفَايَةٌ كَالْجَمَاعَةِ إِذَا رَأَوْا غَرِيقًا يَهْلِكُ أَوْ مَنْ ظَفِرَ بِهِ سَبْعٌ فَعَلَيْهِمْ خَلَاصُهُ وَاسْتِنْقَاذُهُ.
لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} المائدة: ٣٢ وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ شُكْرَهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قَدْ أحياهم وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ نَابَ عَنْ جَمِيعِ النَّاسِ فِي إِحْيَائِهِ.
ارجع إلى دعوى نسب اللقيط للاطلاع على جميع المسائل.