الإسلام > الأوقاف والملكية > فصل الهدية على الشفاعة > سؤال الهبة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةالكاشِحِ» (١). يَعني: المُعادي؛ لأنَّ الصَّدقةَ تَقطعُ العَداوةَ وتَرفعُها.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: قالَ أَصحابُنا: وفِعلُها مع الأَقاربِ ومعَ الجِيرانِ أفضَلُ من غيرِهم (٢).
وقالَ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: إنَّ الهِبةَ للأَقاربِ أفضَلُ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: ١٧٧] فبدَأَ بهم، والعَربُ تَبدأُ بالأهَمِّ فالأهَمِّ (٣). ثم ذكَرَ الأَحاديثَ التي ذكَرتُها.
ويُقدَّمُ في الهَديةِ الجارُ القَريبُ بابُه على البَعيدِ؛ لحَديثِ عائِشةَ رضي الله عنها قالَت: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ: إنَّ لي جارَيْن فلأيِّهما أُهدي؟ قالَ: «إلى أقرَبِهما منك بابًا» (٤) (٥).
سُؤالُ الهِبةِ:
سُؤالُ الهِبةِ هو الاستِيهابُ. قالَ الجَوهَريُّ: الاتِّهابُ قَبولُ الهِبةِ، والاستيهابُ سُؤالُ الهِبةِ، وتواهَبَ القَومُ، أي: وهَبَ بَعضُهم بَعضًا، ورَجلٌ وَهابٌ ووَهابةٌ، أي: كَثيرُ الهِبةِ لأموالِه (٦).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن خزيمة في «صحيحه» (٢٣٨٧)، و «البيهقي في «الكبرى» (١٣٠٠٢).
(٢) «روضة الطالبين» (٤/ ١٨٠).
(٣) «البيان» (٨/ ١٠٨، ١٠٩).
(٤) أخرجه البخاري (٢١٤٠).
(٥) «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٨٠).
(٦) «تهذيب الأسماء» (٣/ ٣٦٩)، و «لسان العرب» (١/ ٨٠٣).
ذهَبَ الفقهاء عامةً إلى أنَّ سُؤالَ الهِبةِ قد يَكونُ واجِبًا، وقد يَكونُ مُستحبًّا، وقد يَكونُ جائِزًا.
فيَجبُ عندَ الشافِعيةِ في الأصَحِّ سُؤالُ هِبةِ الماءِ إذا لم يَحتَجْ واهِبُ الماءِ إليه، وضاق الوَقتُ عن طَلبِ الماءِ؛ لأنَّه حينَئذٍ يُعدُّ واجِدًا للماءِ ولا تَعظُمُ فيه المِنةُ؛ فإنِ احتاجَ إليه الواهِبُ لعَطشٍ حالًا أو مآلًا أو لغيرِه حالًا، أو اتَّسعَ الوَقتُ لم يَجبْ اتِّهابُه (١).
وقالَ أَبو الوَليدِ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه في (مَسألةِ سُؤالِ الماءِ للوُضوءِ):
سُئلَ ابنُ القاسِمِ عن الرَّجلِ يَكونُ في السَّفرِ يَعجِزُ ماؤُه، ومع أَصحابِه ماءٌ، أتَرى أنْ يَسألَهم لوُضوئِه أم يَتيمَّمُ؟ قالَ: أمَّا المَكانُ كَثيرُ الماءِ فلا أَرى بذلك بأْسًا، وأمَّا المَوضعُ الذي يَتعذَّرُ فيه فأَرجو أنْ يَكونَ واسِعًا.
قالَ مُحمدُ بنُ رُشدٍ: واجِبٌ على الرَّجلِ أنْ يَطلبَ الماءَ لوُضوئِه إذا عُدِمَه ولم يَجدْ مَنْ يَشتَريه منه، وهو واجِدٌ بما يُشبهُ من الثَّمنِ على ما في «المُدونةِ» ممَّن يَليه ويَظنُّ أنَّه لا يَمنعُه ويُعطيه؛ لمَا قالَ في سَماعِ أشهَبَ من هذا الكِتابِ وليسَ في قَولِه في هذه الرِّوايةِ: «فلا أرى بذلك بأْسًا» دَليلٌ على أنَّ له أنْ يَترُكَ الطَّلبَ في المَكانِ كَثيرِ الماءِ الذي يَقعُ في نَفسِه أنَّه لا يُبخَلُ فيه به عليه؛ لأنَّ المَعنى في سُؤالِ السائِلِ يُكرَهُ له سُؤالُ الماءِ من ناحيةِ أنَّ المَسألةَ مَكروهةٌ، فأخبَرَ أنَّه لا كَراهيةَ في السُّؤالِ في هذا الكِتابِ، وإذا انتَفَت
(١) «المجموع» (٢/ ٢٨٠)، و «مغني المحتاج» (١/ ٢٣٨، ٢٣٩).
عنه الكَراهةُ تعلَّقَ به الوُجوبُ لمَا يَلزمُه من الطَّهارةِ للصَّلاةِ، وقَولُه في آخِرِ المَسألةِ: «وأَرجو أنْ يَكونَ تَركُ السُّؤالِ واسِعًا في المَوضعِ الذي يَتعذَّرُ فيه الماءُ» يَدلُّ على أنَّه لا سَعةَ له عندَه في تَركِ السُّؤالِ في المَوضِعِ الذي يَكثُرُ فيه الماءُ بَيانُ ما قُلناه. وفي سَماعِ أشهَبَ من معنى هذه المَسألةِ ما فيه بَيانٌ لها، وباللهِ التَّوفيقُ (١).
واستدَلَّ العُلماءُ على جَوازِ سُؤالِ الهِبةِ بما رَواه البُخاريُّ عن أَبي سَعيدٍ رضي الله عنه قالَ: انطلَقَ نَفرٌ من أَصحابِ النَّبيِّ ﷺ في سَفرةٍ سافَروها حتى نزَلوا على حَيٍّ من أَحياءِ العَربِ فاستَضافوهم فأبَوْا أنْ يُضيِّفوهم، فلُدِغَ سَيِّدُ ذلك الحَيِّ فسعَوْا له بكلٍّ شَيءٍ لا يَنفعُه شَيءٌ، فقالَ بَعضُهم: لو أتَيتُم هؤلاء الرَّهطِ الذين نزَلوا، لعَلَّه أنْ يَكونَ عندَ بَعضِهم شَيءٌ. فأتَوْهم فقالوا: يا أيُّها الرَّهطُ، إنَّ سَيِّدَنا لُدغَ وسعَيْنا له بكلِّ شَيءٍ لا يَنفعُه، فهل عندَ أحدٍ منكم من شَيءٍ؟ فقالَ بَعضُهم: نَعَمْ، واللهِ إنِّي لَأرقي، ولكنْ واللهِ لقد استَضفْناكم فلم تُضيِّفونا، فما أنا بِراقٍ لكم حتى تَجعَلوا لنا جُعلًا. فصالَحوهم على قَطيعٍ من الغَنمِ، فانطلَقَ يَتفِلُ عليه ويَقرأُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فكأنَّما نشطَ من عِقالٍ، فانطلَقَ يَمشي وما به قَلَبةٌ، قالَ: فأوفَوْهم جُعلَهم الذي صالَحوهم عليه. فقالَ بَعضُهم: اقسِموا. فقالَ الذي رقَى: لا تَفعَلوا حتى نأتيَ النَّبيَّ ﷺ فنَذكرَ له الذي كانَ، فنَنظرَ ما يَأمرُنا. فقَدِموا على رَسولِ اللهِ ﷺ فذكَروا له، فقالَ: وما يُدريكَ
(١) «البيان والتحصيل» (١/ ٤٥، ٤٦).
أنَّها رُقيةٌ؟ ثم قالَ: قد أصَبتُم، اقسِموا واضرِبوا لي معكم سَهمًا. فضحِكَ رَسولُ اللهِ ﷺ» (١).
وقالَ البُخاريُّ في «صَحيحِه»: بابُ مَنْ استَوهَبَ من أَصحابِه شَيئًا، وقالَ أبو سَعيدٍ: قالَ النَّبيُّ ﷺ: «اضرِبوا لي معكم سَهمًا».
قالَ ابنُ بَطالٍ رحمة الله عليه: استِيهابُ الصَّديقِ المُلاطِفِ حَسنٌ إذا عُلمَ أنَّ ما يَستوهِبُه تَطيبُ به نَفسُه، ويُسرُّ بهِبتِه (٢).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: قَولُه: بابُ مَنْ استَوهَبَ من أَصحابِه شَيئًا. أي: سَواءٌ كانَ عَينًا أو مَنفعةً جازَ، أي: بغيرِ كَراهةٍ في ذلك إذا كانَ يَعلمُ طِيبَ أنفُسِهم (٣).
وعن جابِرٍ رضي الله عنه قالَ: بعَثَنا رَسولُ اللهِ ﷺ وأمَّرَ علينا أَبا عُبيدةَ نتلَقَّى عِيرًا لقُريشٍ، وزوَّدَنا جِرابًا من تَمرٍ لم يَجدْ لنا غيرَه، فكانَ أَبو عُبيدةَ يُعطينا تَمرةً تَمرةً -قال- فقُلتُ: كيف كُنْتُمْ تَصنَعون بها؟ قالَ: نمُصُّها كما يَمصُّ الصَّبيُّ، ثم نَشربُ عليها من الماءِ فتَكفينا يَومَنا إلى اللَّيلِ، وكُنا نَضربُ بعِصِيِّنا الخَبطَ ثم نَبُلُّه بالماءِ فنأكُلُه. قالَ: وانطلَقْنا على ساحِلِ البَحرِ فرُفعَ لنا على ساحِلِ البَحرِ كهَيئةِ الكَثيبِ الضَّخمِ، فأتَيْناه فإذا هي دابَّةٌ تُدعى العَنبرُ. قالَ: قالَ أبو عُبيدةَ: مَيتةٌ، ثم قالَ: لا، بل نَحنُ رُسلُ رَسولِ اللهِ
(١) أخرجه البخاري (٥٤١٧).
(٢) «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٨٨).
(٣) «فتح الباري» (٥/ ٢٠٠).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في حكم الهبة
فَوَهَبَ مِنْهُ جَازَتْ الْهِبَةُ وَصَارَ قَابِضًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَوَقَعَ الْعَقْدُ وَالْقَبْضُ مَعًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْقَبْضِ بَعْدَ الْعَقْدِ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِيرَ قَابِضًا مَا لَمْ يُجَدِّدْ الْقَبْضَ وَهُوَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ الْمَوْهُوبِ بَعْدَ الْعَقْدِ.
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ يَدَ الْمُودِعِ إنْ كَانَتْ يَدُهُ صُورَةً فَهِيَ يَدُ الْمُودَعِ مَعْنَى فَكَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ وَهَبَ مَا فِي يَدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ بِالتَّخْلِيَةِ.
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقَبْضَيْنِ مُتَمَاثِلَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْضٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ إذْ الْهِبَةُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ وَكَذَا عَقْدُ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ فَتَمَاثَلَ الْقَابِضَانِ فَيَتَنَاوَبَانِ ضَرُورَةً بِخِلَافِ بَيْعِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ مِنْ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّ قَبَضَهُمَا لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْبَيْعِ لِأَنَّ قَبْضَ الْهِبَةِ أَمَانَةٌ وَقَبْضَ الْبَيْعِ قَبْضُ ضَمَانٍ فَلَمْ يَتَمَاثَلْ الْقَبْضَانِ بَلْ الْمَوْجُودُ أَدْنَى مِنْ الْمُسْتَحَقِّ فَلَمْ يَتَنَاوَبَا وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِهِ مَغْصُوبًا أَوْ مَقْبُوضًا بِبَيْعِ فَاسِدٍ أَوْ مَقْبُوضًا عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ فَكَذَا يَنُوبُ ذَلِكَ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ لِوُجُودِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ وَهُوَ أَصْلُ الْقَبْضِ وَزِيَادَةُ ضَمَانٍ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الهبة والعطية
٩٣٤ - مسألة؛ قال: (وإذا فاضل بين ولده في العطية، أمر برده، كأمر النبي -صلى الله عليه وسلم-
أن يَهَبَ إلَّا بإذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّه مالٌ لِسَيِّدِه، ومالُه مالٌ لِسَيِّدِه، فلا يجوزُ له إزَالَةُ مِلْكِ سَيِّدِه عنه بغير إذْنِه، كالأجْنَبِيِّ. وله أن يَقْبَلَ الهِبَةَ بغير إذْنِ سَيِّدِه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه تَحْصِيلٌ لِلْمَالِ لسَيِّدِه ، فلم يُعْتَبَرْ إذْنُه فيه، كالالْتِقاطِ ، وما وُهِبَهُ لِسَيِّدِه، لأنَّه من اكْتِسَابِه، فأشْبَه اصْطِيَادَه.
٩٣٤ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا فَاضَلَ بَيْنَ وَلَدِه فِي الْعَطِيَّةِ، أُمِرَ برَدِّه، كَأَمْرِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-)
وجملةُ ذلك أنَّه يَجِبُ على الإِنْسانِ التَّسْوِيةُ بين أوْلَادِه في العَطِيَّةِ، إذا لم يَخْتَصَّ أحَدُهُم بمَعْنًى يُبِيحُ التَّفْضِيلَ، فإن خَصَّ بعضَهم بِعَطِيَّتِه، أو فاضَلَ بينهم فيها، أَثِمَ، ووَجَبَتْ عليه التَّسْوِيَةُ بأحَدِ أمْرَيْنِ؛ إمَّا رَدُّ ما فَضَّلَ به البعضَ، وإمَّا إتْمَامُ نَصِيبِ الآخَرِ. قال طاوُسٌ: لا يجوزُ ذلك، ولا رَغِيفٌ مُحْتَرِقٌ. وبه قال ابنُ المُبَارَكِ. ورُوِىَ مَعناه عن مُجَاهِدٍ، وعُرْوَةَ. وكان الحَسَنُ يَكْرَهُه، ويُجِيزُه في القَضَاءِ. وقال مالِكٌ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِيُّ، والشافِعيُّ، وأصحابُ الرَّأْى: ذلك جائِزٌ. ورُوِىَ مَعْنَى ذلك عن شُرَيْحٍ، وجابِرِ بن زَيْدٍ، والحَسَنِ بن صالحٍ؛ لأنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، نَحَلَ عائِشَةَ ابْنَتَه جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا، دونَ سائِر وَلَدِه . واحْتَجَّ الشافِعِيُّ بقولِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في حَدِيثِ النُّعْمانِ بن بَشِيرٍ: "أشْهِدْ عَلَى هذَا غَيْرِى" . فأمَرَهُ
ارجع إلى فصل: الهدية على الشفاعة للاطلاع على جميع المسائل.