قبول الهبة وردها من المهدى إليه

الإسلام > الأوقاف والملكية > فصل الهدية على الشفاعة > قبول الهبة وردها من المهدى إليه

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 24 دقيقة قراءة

قبول الهبة وردها من المهدى إليه - الأقوال والأدلة

وفي سَبيلِ اللهِ، وقد اضطُرِرتُم فكُلوا. قالَ: فأقَمْنا عليه شَهرًا ونحن ثَلاثُمئةٍ حتى سَمِنَّا. قالَ: ولقد رأيتُنا نَغترِفُ من وَقبِ عَينِه بالقِلالِ الدُّهنَ ونَقتطِعُ منه الفَدرَ كالثَّورِ -أو كقَدرِ الثَّورِ- فلقد أخَذَ منا أَبو عُبيدةَ ثَلاثةَ عَشرَ رَجلًا فأقعَدَهم في وَقبِ عَينِه، وأخَذَ ضِلعًا من أَضلاعِه فأقامَها ثم رحَّلَ أعظَمَ بَعيرٍ معنا، فمَرَّ من تحتِها، وتزَوَّدنا من لَحمِه وشائِقَ، فلمَّا قدِمْنا المَدينةَ أتَيْنا رَسولَ اللهِ فذكَرْنا ذلك له، فقالَ: «هو رِزقٌ أخرَجَه اللهُ لكم، فهل معكم مِنْ لَحمِه شَيءٌ فتُطعِمونا» قالَ: فأرسَلنا إلى رَسولِ اللهِ منه فأكلَه (١).

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وفي هذا دَليلٌ على أنَّه لا بأسَ بسُؤالِ الإِنسانِ من مالِ صاحِبِه ومَتاعِه إدلالًا عليه، وليسَ هو من السُّؤالِ المَنهيِّ عنه، إنَّما ذلك في حَقِّ الأَجانبِ للتَّموُّلِ ونَحوِه، وأمَّا هذه فللمُؤانَسةِ والمُلاطَفةِ والإِدلالِ (٢).

قَبولُ الهِبةِ ورَدُّها من المُهدَى إليه:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الهِبةِ والهَديةِ هل يَجبُ قَبولُها أو يُستحبُّ؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجبُ قَبولُ الهِبةِ والهَديةِ؛ لأنَّ في ذلك ضَررًا؛ للحُوقِ المِنةِ، واستدَلُّوا على ذلك بما رَواه سالِمُ بنُ عبدِ اللهِ عن أبيه «أنَّ رَسولَ اللهِ

(١) أخرجه مسلم (١٩٣٥).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (١٣/ ٨٦).

كانَ يُعطي عُمرَ بنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه العَطاءَ، فيَقولُ له عُمرُ: أعطِه يا رَسولَ اللهِ أفقَرَ إليه مِنِّي. فقالَ له رَسولُ اللهِ «خُذْه فتَموَّلْه أو تَصدَّقْ به، وما جاءَك من هذا المالِ وأنتَ غيرُ مُشرِفٍ ولا سائِلٍ فخُذْه، وما لا فلا تُتبِعْه نَفسَكَ». قالَ سالِمٌ: فمِن أجلِ ذلك كانَ ابنُ عُمرَ لا يَسألُ أحدًا شَيئًا ولا يَردُّ شَيئًا أُعطيَه (١).

وقالوا: إنَّ أمرَ النَّبيِّ بهذا أمرُ نَدبٍ، قالَ الطَّبريُّ: اختَلفَ العُلماءُ في مَعنى قَولِه لعُمرَ: «ما جاءَك من هذا المالِ فخُذْه» بعدَ إِجماعِهم على أنَّه أمرُ نَدبٍ وإرشادٍ، والصَّوابُ عندي أنَّه نَدبٌ منه لأُمَّتِه إلى قَبولِ عَطيةِ كلِّ مُعطٍ جائِزٍ عَطيَّتُه، سُلطانًا كانَ أو رَعيةً، وذلك أنَّ الرَّسولَ قالَ لعُمرَ: «ما آتاك اللهُ من هذا المالِ وأنتَ غيرُ مُشرِفٍ ولا سائِلٍ فاقبَلْه»، فندَبَه إلى قَبولِ كلِّ ما آتاه اللهُ من المالِ من جَميعِ وُجوهِه من غيرِ تَخصيصِ وَجهٍ من الوُجوهِ دونَ غيرِه، سِوى ما استَثناه ، وذلك ما جاءَ من وَجهٍ حَرامٍ عليه، فلا يَحلُّ له قَبولُه، كالذي يَغصِبُ رَجلًا مُسلمًا مالَه ثم يُعطيه بعَينِه آخَرَ والذي يُعطاه يَعلمُ غَصبَه أو سَرقتَه أو خيانتَه؛ فإنْ قبِلَه كانَ واجِبًا عليه رَدُّه (٢).

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: واختَلفَ العُلماءُ فيمَن جاءَه مالٌ، هل يَجبُ قَبولُه أو يُندبُ؟ على ثَلاثةِ مَذاهبَ حَكاها أبو جَعفرٍ مُحمدُ بنُ جَريرٍ

(١) أخرجه البخاري (١٤٠٤)، ومسلم (١٠٤٥)، واللفظ له.
(٢) «شرح ابن بطال لصحيح البخاري» (٣/ ٥٠٧، ٥٠٨)، و «فتح الباري» (٣/ ٣٣٨).

الطَّبريُّ وآخَرون، والصَّحيحُ المَشهورُ الذي عليه الجُمهورُ أنَّه يُستحبُّ في غيرِ عَطيةِ السُّلطانِ، وأمَّا عَطيةُ السُّلطانِ فحرَّمَها قَومٌ وأباحَها قَومٌ وكرِهَها قَومٌ، والصَّحيحُ أنَّه إنْ غلَبَ الحَرامُ فيما في يَدِ السُّلطانِ حَرُمَت، وكذا إنْ أعطى مَنْ لا يَستحقُّ، وإنْ لم يَغلِبِ الحَرامُ فمُباحٌ إنْ لم يَكنْ في القابِضِ مانِعٌ يَمنعُه من استِحقاقِ الأخْذِ، وقالَت طائِفةٌ: الأخذُ واجِبٌ من السُّلطانِ وغيرِه، وقالَ آخَرون: هو مَندوبٌ في عَطيةِ السُّلطانِ دونَ غيرِه، واللهُ أعلَمُ (١).

وعن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ وسَعيدِ بنِ المُسيِّبِ أنَّ حَكيمَ بنَ حِزامٍ رضي الله عنه قالَ: سألتُ رَسولَ اللهِ فأعطاني ثم سألتُه فأعطاني، ثم سألتُه فأعطاني، ثم قالَ: يا حَكيمُ، إنَّ هذا المالَ خَضِرةٌ حُلوةٌ فمَن أخَذَه بسَخاوةِ نَفسٍ بُوركَ له فيه، ومَن أخَذه بإشرافِ نَفسٍ لم يُبارَكْ له فيه، وكانَ كالذي يأكُلُ ولا يَشبعُ، اليَدُ العُليا خَيرٌ من اليَدِ السُّفلى. قالَ حَكيمٌ: فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، والذي بعَثَك بالحَقِّ لا أرزَأُ أحَدًا بعدَك شَيئًا حتى أُفارقَ الدُّنيا. فكانَ أبو بَكرٍ رضي الله عنه يَدعو حَكيمًا إلى العَطاءِ فيَأبى أنْ يَقبلَه منه، ثم إنَّ عُمرَ رضي الله عنه دَعاه ليُعطيَه فأبى أنْ يَقبلَ منه شَيئًا، فقالَ عُمرُ: إنِّي أُشهِدُكم يا مَعشرَ المُسلِمينَ على حَكيمٍ أنِّي أعرِضُ عليه حَقَّه من هذا الفَيءِ فيَأبى أنْ يأخُذَه، فلم يَرزأْ حَكيمٌ أحَدًا من الناسِ بعدَ رَسولِ اللهِ حتى تُوفِّيَ» (٢).

(١) «شرح صحيح مسلم» (٧/ ١٣٤، ١٣٥).
(٢) أخرجه البخاري (١٤٠٣)، ومسلم (١٠٣٥).

ووَجهُ الدِّلالةِ من الحَديثِ -كما يَقولُ ابنُ تَيميةَ-: أنَّ حَكيمًا رضي الله عنه ذكَرَ للنَّبيِّ أنَّه لا يَقبلُ مِنْ أحدٍ شَيئًا، وأقَرَّه النَّبيُّ على ذلك، وكذلك الخُلفاءُ بعدَه، وهذا حُجةٌ في جَوازِ الرَّدِّ وإنْ كانَ عن غيرِ مَسألةٍ ولا إشرافٍ (١).

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا يُجبَرُ على قَبولِ هَديةٍ ولا صَدقةٍ ولا وَصيةٍ ولا قَرضٍ، ولا تُجبَرُ المَرأةُ على التَّزوُّجِ ليأخُذَ مَهرَها؛ لأنَّ في ذلك ضَررًا للحُوقِ المِنةِ في الهَديةِ والصَّدقةِ والوَصيةِ والعِوضِ في القَرضِ (٢).

وقالَ الحَنابِلةُ: يُكرهُ رَدُّ هِبةٍ وإنْ قلَّتْ؛ لحَديثِ أَبي هُريرةَ مَرفوعًا: «لو أُهديَ إلَيَّ ذِراعٌ أو كُراعٌ لَقبِلتُ» (٣) خُصوصًا الطِّيبَ؛ لحَديثِ: «ثَلاثةٌ لا تُردُّ»، فعَدَّ منها الطِّيبَ، ولحَديثِ أحمدَ عن ابنِ مَسعودٍ مَرفوعًا: «لا تَرُدُّوا الهَديةَ» (٤).

وعُلمَ منه أنَّه لا يَجبُ قَبولُ هَديةٍ وهِبةٍ ولو جاءَت بلا مَسألةٍ ولا استِشرافِ نَفسٍ، وهذا هو المَذهبُ، وعن الإمامِ أحمدَ يَجبُ قَبولُها.

ويَجوزُ رَدُّها لأُمورٍ، وذلك مِثلَ أنْ يُريدَ أخذَها بعَقدِ مُعاوَضةٍ؛ لحَديثِ

(١) «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٩٧).
(٢) «المغني» (٤/ ٢٨٩).
(٣) أخرجه البخاري (٢٤٢٩).
(٤) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الإمام أحمد في «مسنده» (٣٨٣٨)، والبخاري في الأدب المفرد (١٥٧)، وابن حبان في «صحيحه» (٥٦٠٣).

جابِرٍ في جَملِه: قالَ له النَّبيُّ : «بِعني جَمَلَك هذا. قالَ: قُلتُ: لا، بل هو لك. قالَ: لا، بل بِعنِيه» رَواه مُسلمٌ.

أو أنْ يَكونَ المُعطي لا يَقنَعُ بالثَّوابِ المُعتادِ لِما في القَبولِ من المَشقةِ حينَئذٍ، أو تَكونُ الهَديةُ بعدَ السُّؤالِ واستِشرافِ النَّفسِ لها؛ لحَديثِ عُمرَ: «ما آتاك اللهُ من هذا المالِ وأنتَ غيرُ مُشرِفٍ ولا سائِلٍ فخُذْه، وما لا فلا تُتبِعْه نَفسَك» (١). وإِشرافُ النَّفسِ فسَّرَه إِبراهيمُ الحَربيُّ بأنَّه تَطلُّبٌ للشَّيءِ وارتِفاعٌ له وتَعرُّضٌ إليه، أو لقَطعِ المِنةِ إذا كانَ على الآخِذِ فيه مِنةٌ، وقد يَجبُ رَدُّ الهِبةِ إذا علِمَ المُهدَى له أنَّه -أي: المُهديَ- أَهدى حَياءً، فيَجبُ رَدُّ هَديتِه إليه، قالَ ابنُ الجَوزيِّ في الآدابِ: وهو قَولٌ حَسنٌ؛ لأنَّ المَقاصدَ في العُقودِ عندَنا مُعتبَرةٌ.

وكذا يَجبُ رَدُّ هَديةِ صَيدِ المُحرِمِ؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام رَدَّ على الصَّعبِ ابنِ جَثَّامةَ هَديةَ الحِمارِ الوَحشيِّ، وقالَ: «إنَّا لم نَرُدَّه عليكَ إلا أنَّا حُرُمٌ» (٢).

ويُتَّجهُ أنَّه إذا علِمَ أنَّه أَهدى له حَياءً إمَّا يَجبُ عليه الرَّدُّ أو يَجبُ عليه العِوضُ، وأنْ يَكونَ العِوضُ مِثلَها أو خَيرًا منها، ويُتَّجهُ ما ذُكرَ أنَّه يُحمَلُ على مَنْ كانَ بَذيءَ لِسانٍ يُخافُ منه التَّسلُّطُ على مَنْ لم يُكافِئْه بالهَجوِ والذَّمِّ، فإذا علِمَ منه ذلك فعليه أنْ يُعوِّضَه عن هَديتِه خُروجًا من عُهدتِه واستِنقاذًا له من تَمزيقِ عِرضِه وارتِكابِه إثْمَ الغِيبةِ.

(١) أخرجه البخاري (١٦٤٧)، ومسلم (١٠٤٥).
(٢) أخرجه البخاري (١٧٢٩)، ومسلم (١١٩٣).

ويَجبُ على مَنْ شفَعَ شَفاعةً لآخَرَ فأَهدى له هَديةً أنْ يَردَّها عليه؛ لمَا في حَديثِ أَبي داودَ: «مَنْ شفَعَ لأخيه شَفاعةً فأَهدى له هَديةً فقبِلَها فقد أَتى بابًا عَظيمًا من أَبوابِ الرِّبا» (١).

قالَ ابنُ رَجبٍ رحمة الله عليه في القاعِدةِ الخَمسينَ بعدَ المِئةِ: ومنها الهَديةُ لمَن يَشفعُ له عندَ السُّلطانِ ونَحوِه فلا يَجوزُ، ذكَرَه القاضِي وأومَأَ إليه أحمدُ؛ لأنَّها كالأُجرةِ، والشَّفاعةُ من المَصالحِ العامةِ، فلا يَجوزُ أخذُ الأُجرةِ عليها، ونَصَّ أحمدُ في رِوايةِ صالِحٍ فيمَن عندَه وَديعةٌ فأدَّاها فأُهدِيَت له هَديةٌ أنَّه لا يَقبلُها إلا بنِيةِ المُكافأةِ.

وقالَ أحمدُ: لا يَنبَغي للخاطِبِ إذا خطَبَ لقَومٍ امرأةً أنْ يَقبلَ لهم هَديةً؛ لأنَّ الخاطِبَ كالشَّفيعِ، وهو مَمنوعٌ من قَبولِ الهَديةِ (٢).

وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: ومَتى بُذلَ للعُريانِ إِعارةُ سُترةٍ لزِمَه قَبولُها، كما يَلزمُه قَبولُ الماءِ إذا وُهبَ له والدَّلوِ والحَبلِ إذا أُعيرَه.

وقيلَ: لا يَجبُ عليه قَبولُها كما لا يَلزمُه قَبولُها إذا بُذلَت له هِبةٌ، وكما لا يَلزمُه قَبولُ المالِ في الحَجِّ والكَفاراتِ.

وقد خُرِّجَ وَجهٌ بأنَّه يَلزمُه قَبولُ الهِبةِ؛ لأنَّ العارَ في بَقاءِ عَورتِه مَكشوفةً أكثَرُ من الضَّررِ في المِنةِ التي تَلحقُه لأَشياءَ عندَ مَنْ قالَ من أَصحابِنا بأنَّه

(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٣٥٤١)، والطبراني في «الكبير» (٨/ ٢٣٨، ٧٩٢٨).
(٢) «الفروع» (٤/ ٤٨٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٩٢، ٣٩٣)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٧٩، ٣٨١).

يَلزمُه قَبولُ المالِ في الحَجِّ؛ فإنَّ قَبولَ السُّترةِ أوكَدُ؛ لأنَّ فَرضَ السُّترةِ لا يَتوقَّفُ على وُجودِها، وإنَّما يَتوقَّفُ على القُدرةِ على تَحصيلِها كالماءِ في الوُضوءِ، بدَليلِ أنَّه لو أمكَنَه تَحصيلُ السُّترةِ من المُباحاتِ لزِمَه، ولا يَلزمُه تَحصيلُ ما يَحجُّ به من المُباحاتِ.

ووَجهُ الأولِ -وهو المَشهورُ-: أنَّ قَبولَ العارِيةِ لا مِنةَ فيه في الغالِبِ، بخِلافِ قَبولِ الهِبةِ، فصارَ قَبولُها كقَبولِ الماءِ والتُّرابِ في الطَّهارةِ، وكالاستِرشادِ إلى طَريقِ الجامِعِ، والسُّترةُ لا يُعتمَدُ وُجودُها وإنَّما يُعتمَدُ القُدرةُ عليها، وهي حاصِلةٌ بخِلافِ قَبولِ الهِبةِ؛ فإنَّ فيه ضَررًا عليه بالحَقِّ الذي يَجبُ للواهِبِ عليه، وبإمكانِ إلحاقِ المِنةِ به (١).

وذهَبَ الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها جَماعةٌ من أَصحابِه (وابنُ حَزمٍ) إلى وُجوبِ قَبولِ الهِبةِ لمَا رَواه سالِمُ بنُ عبدِ اللهِ عن أبيه «أنَّ رَسولَ اللهِ كانَ يُعطي عُمرَ بنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه العَطاءَ فيَقولُ له عُمرُ: أعطِه يا رَسولَ اللهِ أفقَرَ إليه مِنِّي. فقالَ له رَسولُ اللهِ «خُذْه فتَموَّلْه أو تَصدَّقْ به، وما جاءَك من هذا المالِ وأنتَ غيرُ مُشرِفٍ ولا سائِلٍ فخُذْه وما لا فلا تُتبِعْه نَفسَك». قالَ سالِمٌ: فمِن أجلِ ذلك كانَ ابنُ عُمرَ لا يَسألُ أحَدًا شَيئًا ولا يَردُّ شَيئًا أُعطيَه (٢) (٣).

(١) «شرح العمدة» (٤/ ٣٣٨).
(٢) أخرجه البخاري (١٤٠٤)، ومسلم (١٠٤٥)، واللفظ له.
(٣) «الفروع» (٤/ ٤٨٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٩٢، ٣٩٣)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٧٩، ٣٨١)، و «المحلى» (٩/ ١٥٢، ١٥٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في حكم الهبة

فَوَهَبَ مِنْهُ جَازَتْ الْهِبَةُ وَصَارَ قَابِضًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَوَقَعَ الْعَقْدُ وَالْقَبْضُ مَعًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْقَبْضِ بَعْدَ الْعَقْدِ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِيرَ قَابِضًا مَا لَمْ يُجَدِّدْ الْقَبْضَ وَهُوَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ الْمَوْهُوبِ بَعْدَ الْعَقْدِ.

(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ يَدَ الْمُودِعِ إنْ كَانَتْ يَدُهُ صُورَةً فَهِيَ يَدُ الْمُودَعِ مَعْنَى فَكَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ وَهَبَ مَا فِي يَدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ بِالتَّخْلِيَةِ.

(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقَبْضَيْنِ مُتَمَاثِلَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْضٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ إذْ الْهِبَةُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ وَكَذَا عَقْدُ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ فَتَمَاثَلَ الْقَابِضَانِ فَيَتَنَاوَبَانِ ضَرُورَةً بِخِلَافِ بَيْعِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ مِنْ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّ قَبَضَهُمَا لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْبَيْعِ لِأَنَّ قَبْضَ الْهِبَةِ أَمَانَةٌ وَقَبْضَ الْبَيْعِ قَبْضُ ضَمَانٍ فَلَمْ يَتَمَاثَلْ الْقَبْضَانِ بَلْ الْمَوْجُودُ أَدْنَى مِنْ الْمُسْتَحَقِّ فَلَمْ يَتَنَاوَبَا وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِهِ مَغْصُوبًا أَوْ مَقْبُوضًا بِبَيْعِ فَاسِدٍ أَوْ مَقْبُوضًا عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ فَكَذَا يَنُوبُ ذَلِكَ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ لِوُجُودِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ وَهُوَ أَصْلُ الْقَبْضِ وَزِيَادَةُ ضَمَانٍ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الهبة والعطية
٩٣١ - مسألة؛ قال: (ولا تصح الهبة والصدقة فيما يكال أو يوزن إلا بقبضه)

عِوَضٍ، فلَزِمَ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ، كالوَقْفِ والعِتْقِ. وربما قالوا: تَبَرُّعٌ، فلا يُعْتَبَرُ فيه القَبْضُ، كالوَصِيَّةِ والوَقْفِ. ولأنَّه عَقْدٌ لازِمٌ يَنْقُلُ المِلْكَ، فلم يَقِفْ لُزُومُه على القَبْضِ كالبَيْعِ. ولَنا، إجْماعُ الصَّحابةِ رَضِىَ اللَّه عنهم، فإنَّ ما قُلْنَاه مَرْوِىٌّ عن أبي بكرٍ وعمرَ رَضِىَ اللَّه عنهما، ولم يُعْرَفْ لهما في الصَّحَابةِ مُخَالِفٌ، فَرَوى عُرْوَةُ، عنْ عائِشَةَ رَضِىَ اللَّه عنها، أنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، نَحَلَها جِذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا من مالِه بالعَالِيَةِ. فلما مَرِضَ، قال: يا بُنَيَّة، ما أحَدٌ أحَبُّ إلىَّ غِنًى بَعْدِى مِنْكِ، ولا أحَدٌ أعَزُّ علىَّ فَقْرًا منكِ، وكنتُ نَحَلْتُكِ جِذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا، ووَدَدْتُ أنّك حُزْتِيه أو قَبَضْتِيه، وهو اليومَ مالُ الوارِثِ أخَوَاكِ وأُخْتَاكِ، فاقْتَسِمُوا على كِتابِ اللَّه عَزَّ وجَلَّ . ورَوَى ابنُ عُيَيْنةَ، عن الزُّهْرِىِّ، عن عُرْوَةَ، عن عبدِ الرَّحْمنِ بن عبدٍ القارِىّ، أن عمَرَ بن الخَطَّابِ، قال: ما بالُ أقْوامٍ يَنْحَلُونَ أوْلَادَهُم، فإذا ماتَ أحَدُهُم، قال: مالِى، وفى يَدى. وإذا ماتَ هو ، قال: قد كنتُ نَحَلْتُه وَلَدِى. لا نِحْلَةَ إلَّا نِحْلَةٌ يحوزُها الوَلَدُ دُونَ الوالِدِ، فإن ماتَ وَرِثَهُ. ورَوَى عُثْمانُ أن الوالِدَ يَحُوزُ لِوَلَدِه إذا كانوا صِغَارًا. قال المَرُّوذِىُّ: اتَّفَقَ أبو بكرٍ وعمرُ وعُثْمانُ وعَلِىٌّ، أنَّ الهِبَةَ لا تجوزُ إلَّا مَقْبُوضَةً. ولأنَّها هِبَةٌ غيرُ مَقْبُوضةٍ، فلم تَلْزَمْ، كما لو ماتَ قبلَ أن يَقْبِضَ، فإنَّ مالِكًا يقول: لا يَلْزَمُ الوَرَثَةَ التَّسْلِيمُ، والخَبَرُ مَحْمولٌ على المَقْبُوضِ، ولا يَصِحُّ القِيَاسُ على الوَقْفِ والوَصِيَّةِ والعِتقِ؛ لأنَّ الوَقْفَ إخْرَاجُ مِلْكٍ إلى اللَّه تعالى، فخَالَفَ…

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 244 - 250

ارجع إلى فصل: الهدية على الشفاعة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله