الإسلام > الأوقاف والملكية > فصل الهدية على الشفاعة > قبول هدايا الحكام
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 29 دقيقة قراءةقَبولُ هَدايا الحُكامِ:
اختَلفَ العُلماءُ في حُكمِ هَدايا الحُكامِ، هل جائِزٌ للإِنسانِ أنْ يَقبلَها أو لا؟
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: قالَ ابنُ جَريرٍ الطَّبريُّ: وأمَّا عَطيةُ السُّلطانِ فحرَّمَها قَومٌ وأباحَها قَومٌ وكرِهَها قَومٌ، والصَّحيحُ أنَّه إنْ غلَبَ الحَرامُ فيما في يَدِ السُّلطانِ حرُمَت، وكذا إنْ أعطى مَنْ لا يَستحقُّ، وإنْ لم يَغلِبِ الحَرامُ فمُباحٌ إنْ لم يَكنْ في القابِضِ مانِعٌ يَمنعُه من استِحقاقِ الأخذِ، وقالَت طائِفةٌ: الأخذُ واجِبٌ من السُّلطانِ وغيرِه، وقالَ آخَرونَ: هو مَندوبٌ في عَطيةِ السُّلطانِ دونَ غيرِه، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الإمامُ البُخاريُّ في «صَحيحِه»: بابُ مَنْ أَعطاه اللهُ شَيئًا من غيرِ مَسألةٍ ولا إِشرافِ نَفسٍ.
ثم رُويَ عن سالِمٍ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ رضي الله عنهما قالَ: سمِعتُ عُمرَ يَقولُ: كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُعطيني العَطاءَ فأقولُ: أعطِه مَنْ هو أفقَرُ إليه مِنِّي. فقالَ: خُذْه، إذا جاءَك من هذا المالِ شَيءٌ وأنتَ غيرُ مُشرِفٍ ولا سائِلٍ فخُذْه، وما لا فلا تُتبِعْه نَفسَك» (٢).
قالَ ابنُ بَطالٍ رحمة الله عليه: قالَ الطَّحاويُّ: ليسَ مَعنى هذا الحَديثِ في الصَّدقاتِ، وإنَّما هو في الأَموالِ التي يَقسِمُها الإمامُ على أَغنياءِ المُسلِمينَ
(١) «شرح صحيح مسلم» (٧/ ١٣٥).
(٢) أخرجه البخاري (١٤٠٤، ٦٧٤٤)، ومسلم (١٠٤٥).
وفُقرائِهم، فكانت تلك الأَموالُ يُعطاها الناسُ لا مِنْ جِهةِ الفَقرِ، ولكنْ بحُقوقِهم فيها، فكرِهَ رَسولُ اللهِ ﷺ لعُمرَ حين أَعطاه قَولَه: (أعطِهِ مَنْ هو أفقَرُ إليه مِنِّي)؛ لأنَّه إنَّما أَعطاه لمَعنًى غيرِ الفَقرِ، ثم قالَ له: (خُذْه فتَموَّلْه)، هكذا رَواه شُعيبٌ عن الزُّهريِّ، فدَلَّ على أنَّ ذلك ليسَ من أموالِ الصَّدقاتِ؛ لأنَّ الفَقيرَ لا يَنبَغي له أنْ يأخُذَ من الصَّدقاتِ ما يَنبَغي له أنْ يَتَّخذَه مالًا كانَ عن مَسألةٍ أو غيرِ مَسألةٍ، ثم قالَ: (إذا جاءَك من هذا المالِ) الذي هذا حُكمُه (فخُذْه).
قالَ الطَّبريُّ: اختَلفَ العُلماءُ في مَعنى قَولِه ﷺ لعُمرَ: (ما جاءَك من هذا المالِ فخُذْه)، بعدَ إِجماعِهم على أنَّه أمرُ نَدبٍ وإرشادٍ، فقالَ بَعضُهم: هو نَدبٌ من النَّبيِّ ﷺ لكلِّ مَنْ أعطى عَطيةً إلى قَبولِها كائِنًا مَنْ كانَ مُعطيها، سُلطانًا أو عامِّيًّا، صالِحًا أو فاسِقًا، بعدَ أنْ يَكونَ ممَّن تَجوزُ عَطيتُه.
ذِكرُ مَنْ قالَ ذلك: رُويَ عن أَبي هُريرةَ أنَّه قالَ: «ما أحدٌ يُهدي إلَيَّ هَديةً إلا قبِلتُها، فأمَّا أنْ أسألَ فلا». ورُويَ عن أبي الدَّرداءِ مِثلُه.
وقبِلَت عائِشةُ من مُعاويةَ، وقالَ حَبيبُ بنُ أبي ثابِتٍ: رأيتُ هدايا المُختارِ تأتي ابنَ عُمرَ وابنَ عباسٍ فيَقبَلانها، وقالَ عُثمانُ بنُ عَفَّانَ: جَوائِزُ السُّلطانِ لَحمُ ظَبيٍ زَكيٍّ، وبعَثَ سَعيدُ بنُ العاصِ إلى علِيِّ بنِ أبي طالِبٍ هَدايا فقبِلَها، وقالَ: خُذْ ما أعطَوْك، وأجازَ مُعاويةُ الحُسَينَ بأربَعمِئةِ ألْفٍ، وسُئِل أبو جَعفرٍ مُحمدُ بنُ علِيِّ بنِ حُسَينٍ عن هَدايا السُّلطانِ فقالَ: إنْ
علِمتَ أنَّه من غَصبٍ أو سُحتٍ فلا تَقبَلْه، وإنْ لم تَعرِفْ ذلك فاقبَلْه؛ فإنَّ بَريرةَ تُصدِّقَ عليها بلَحمٍ فأهدَتْه لآلِ النَّبيِّ ﷺ فقالَ: «هو عليها صَدقةٌ، ولنا هَديةٌ»، وقالَ: «ما كانَ من مأثَمٍ فهو عليهم، وما كانَ من مَهنَأٍ فهو لك». وقبِلَها عَلقَمةُ والأسوَدُ والنَّخعيُّ والحَسنُ البَصريُّ والشَّعبيُّ.
وقالَ آخَرون: بل ذلك نَدبٌ من النَّبيِّ ﷺ لأُمتِه إلى قَبولِ عَطيةِ غيرِ ذي سُلطانٍ، فأمَّا السُّلطانُ؛ فإنَّ بَعضَهم كانَ يَقولُ: حَرامٌ قَبولُ عَطيتِه، وبَعضُهم كرِهَها.
ذِكرُ مَنْ قالَ ذلك: رُويَ «أنَّ خالِدَ بنَ أُسَيدٍ أعطَى مَسروقًا ثَلاثينَ ألفًا، فأبى أنْ يَقبلَها، فقيل له: لو أخَذتَها فوصَلتَ بها رَحمَك. فقالَ: أرأيتَ لو أنَّ لِصًّا نقَبَ بَيتًا ما أُبالي أخَذتُها أم أخَذتُ ذلك». ولم يَقبلِ ابنُ سِيرينَ ولا أبو رُزَينٍ ولا ابنُ مُحَيريزٍ من السُّلطانِ، وقالَ هِشامُ بنُ عُروةَ: بعَثَ إلَيَّ عبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيرِ وإلى أخي بخَمسِمِئةِ دِينارٍ، فقالَ أخي: رُدَّها، فما أكَلَها أحدٌ وهو غَنيٌّ عنها إلا أحوَجَه اللهُ إليها».
وقالَ ابنُ المُنذِرِ: كرِهَ جَوائزَ السُّلطانِ مُحمدُ بنُ واسِعٍ والثَّوريُّ وابنُ المُباركِ وأحمدُ بنُ حَنبَلٍ وجَماعةٌ.
وقالَ آخَرون: بل ذلك نَدبٌ إلى قَبولِ هَديةِ السُّلطانِ دونَ غيرِه. ورُويَ عن عِكرمةَ أنَّه قالَ: إنَّا لا نَقبلُ إلا من الأُمراءِ.
قالَ الطَّبريُّ: والصَّوابُ عندي أنَّه نَدبٌ منه ﷺ لأُمتِه إلى قَبولِ عَطيةِ كلِّ مُعطٍ جائزٍ عَطيتُه، سُلطانًا كانَ أو رَعيةً، وذلك أنَّ الرَّسولَ
ﷺ قالَ لعُمرَ رضي الله عنه: «ما آتَاك اللهُ من هذا المالِ وأنتَ غيرُ مُشرِفٍ ولا سائِلٍ فاقبَلْه»، فندَبَه ﷺ إلى قَبولِ كلِّ ما آتَاه اللهُ من المالِ من جَميعِ وُجوهِه من غيرِ تَخصيصِ وَجهٍ من الوُجوهِ دونَ غيرِه، سِوى ما استَثناه ﷺ، وذلك ما جاءَ من وَجهٍ حَرامٍ عليه، فلا يَحلُّ له قَبولُه، كالذي يَغصِبُ رَجلًا مُسلمًا مالَه ثم يُعطيه بعَينِه آخَرَ، والذي يُعطاه يَعلمُ غَصبَه أو سَرقتَه أو خيانَتَه؛ فإنْ قبِلَه كانَ واجِبًا عليه رَدُّه.
فإنْ قالَ قائِلٌ: فإنْ كانَ الأمرُ كما وصَفتَ من أنَّه لا يَحرُمُ على امرِئٍ قَبولُ عَطيةِ أحدٍ يَجوزُ حُكمُه في مالِه إلا عَطيةً حرَّمَ اللهُ ﷾ قَبولَها، فما وَجهُ فِعلِ مَنْ رَدَّ عَطايا السَّلاطينِ وامتنَعَ من قَبولِ هَدايا الأُمراءِ، وقد ندَبَ ﷺ إلى قَبولِ عَطيةِ كلِّ أحدٍ؟
قيلَ له: إنَّ مَنْ رَدَّ من ذلك شَيئًا فإنَّما كانَ على مَنْ كانَ الأغلَبُ من أمرِه أنَّه لا يَأخذُ المالَ من وَجهِه، فرَأى أنَّ الأسلَمَ لدِينِه والأبرَأَ لعِرضِه تَركُ قَبولِه؛ إذْ كانَ الأمرُ بالقَبولِ غيرَ حَتمٍ واجِبٍ، وإنَّما هو نَدبٌ إلى قَبولِ ما لا شَكَّ في حِلِّه، فإذا كانَ فيه لَبسٌ فالحَقُّ تَركُ قَبولِه، وما لم يَكنْ حَلالًا يَقينًا فلم يَدخلْ في أمرِه ﷺ عُمرَ بقَبولِه، فأحَلَّه مَحلَّ الشُّبهاتِ التي مَنْ واقَعَها لم يُؤمَنْ منه مُواقَعةُ الحَرامِ.
فإنْ قيلَ: فما تَقولُ فيمَن قبِلَ ممَّن لم يَتبيَّنْ من أينَ أخَذَ المالَ ولا فيمَ وضَعَه؟
قيلَ: ذلك يَنقسِمُ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ: فما علِمتَ يَقينًا أنَّه حَلالٌ فلا أَستحِبُّ رَدَّه، وما علِمتَ يَقينًا أنَّه حَرامٌ فلا أَستحِلُّ قَبولَه، وما لم أعلَمْ وَجهَ مَصيرِه ولا سَببَ وُصولِه إليه فذلك ما قد وضَعَ عني تَكلُّفَ البَحثِ عن أسبابِه، وألزَمَني في الظاهِرِ الحُكمَ بأنَّه أَولى به من غيرِه، ما لم يَستحقَّه عليه مُستحِقٌّ، كما أحكُمُ بما في يَدِ أعدَلِ العُدولِ أنَّه أَولى بما في يَدِه ما لم يَستحقَّه عليه مُستحِقٌّ، فسَوَّى ﷿ بينَ حُكمِ أفضَلِ خَلقِه في ذلك وأفجَرِهم، فالواجِبُ علَيَّ التَّسويةُ في قَبولِ عَطيةِ كلِّ واحدٍ منهما ورَدُّها من جِهةِ ما يَحلُّ ويَحرُمُ، وإنِ اختَلَفا في أنَّ البَرَّ أحَقُّ بأنْ يُسرَّ بقَبولِ عَطيتِه من الفاجِرِ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فَصلٌ في جَوائزِ السُّلطانِ: كانَ الإمامُ أَبو عبدِ اللهِ رحمة الله عليه يَتورَّعُ عنها ويَمنعُ بَنيه وعَمَّه من أخذِها، وهجَرَهم حينَ قبِلوها، وسَدَّ الأبوابَ بينَه وبينَهم حين أخَذوها ولم يَكنْ يَأكلُ من بُيوتِهم شَيئًا ولا يَنتفعُ بشَيءٍ يُصنعُ عندَهم، وأمرَهم بالصَّدقةِ بما أخَذوه، وإنَّما فعَلَ ذلك؛ لأنَّ أموالَهم تَختلِطُ بما يأخُذونه من الحَرامِ من الظُّلمِ وغيرِه، فيَصيرُ شُبهةً، وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ: «الحَلالُ بيِّنٌ والحَرامُ بيِّنٌ وبينَهما مُشتبِهاتٌ لا يَعلَمُها كَثيرٌ من الناسِ، فمَن اتَّقى الشُّبُهاتِ استَبرأَ لدِينِه وعِرضِه، ومَن وقَعَ في الشُّبهاتِ كراعٍ يَرعَى حَولَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يَقعَ فيه» (٢).
(١) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٣/ ٥٠٧، ٥١٠).
(٢) أخرجه البخاري (٥٢).
وقالَ النَّبيُّ ﷺ: «دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك» واحتَجَّ أحمدُ بأنَّ جَماعةً من الصَّحابةِ تَنزَّهوا عن مالِ السُّلطانِ، منهم حُذيفةُ وأَبو عُبيدةَ ومُعاذٌ وأَبو هُريرةَ وابنُ عُمرَ ولم يَرَ أَبو عبدِ اللهِ ذلك حَرامًا.
فإنَّه سُئل فقيلَ له: مالُ السُّلطانِ حَرامٌ؟ فقالَ: لا، وأحَبُّ إلَيَّ أنْ يُتنزَّه عنه.
وفي رِوايةٍ قالَ: ليسَ أحدٌ من المُسلِمينَ إلا وله في هذه الدَّراهمِ حَقٌّ، فكيف أَقولُ إنَّها سُحتٌ وقد كانَ الحَسنُ والحُسينُ وعَبدُ اللهِ بنُ جَعفرٍ وكَثيرٌ من الصَّحابةِ يَقبَلونَ جَوائزَ مُعاويةَ.
ورُويَ عن علِيٍّ رضي الله عنه أنَّه قالَ: «لا بأسَ بجَوائزِ السُّلطانِ، ما يُعطيكم من الحَلالِ أكثَرُ ما يُعطيكم من الحَرامِ» وقالَ: «لا تَسألِ السُّلطانَ شَيئًا؛ فإنْ أعطاك فخُذْ؛ فإنَّ ما في بَيتِ المالِ من الحَلالِ أكثَرُ مما فيه من الحَرامِ».
ورَوى عُمرُ بنُ شَيبةَ البُحتريُّ في كِتابِ القَضاءِ «أنَّ الحَسنَ وابنَ سِيرينَ والشَّعبيَّ دخَلوا على عُمرَ بنِ هُبيرةَ، فأمَرَ لكلِّ واحدٍ منهم بألفٍ دِرهمٍ، وأمَرَ للحَسنِ بألفَيْ دِرهمٍ، فقبَضَ الحَسنُ جائزَتَه وأبى ابنُ سِيرينَ أنْ يَقبِضَ، فقالَ لابنِ سِيرينَ: ما لك لا تَقبِضُ؟ قالَ: حتى يَعُمَّ الناسَ. فقالَ الحَسنُ: واللهِ لو عرَضَ لك ولي لِصٌّ فأخَذَ رِدائي ورِداءَك ثم بَدا له أنْ يَردَّ علَيَّ رِدائي كُنْتُ أقولُ لا أقبَلُ رِدائي حتى تَردَّ على ابنِ سِيرينَ رِداءَه، كُنْتُ أُحبُّ أنْ تَكونَ أفقَهَ مما أنتَ يا ابنَ سِيرينَ» ولأنَّ جَوائزَ السُّلطانِ لها وَجهٌ
في الإِباحةِ والتَّحليلِ؛ فإنَّ له جِهاتٍ كَثيرةً من الفَيءِ والصَّدقةِ وغيرِهما (١).
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: قد رأيتُ للشَّيخِ أَبي عُمرَ بنِ عبدِ البَرِّ رِسالةً أَملاها حينَ بلَغَه -وهو بشاطبةَ- أنَّ قَومًا عابُوه بأَكلِ طَعامِ السَّلاطينِ وقَبولِ جَوائزِهم:
قُلْ لمَن يُنكرُ أَكلي لطَعامِ الأُمراء أنتَ من جَهلِك هذا في مَحلِّ السُّفهاء
لأنَّ الاقتِداءَ بالصالِحينَ من الصَّحابةِ والتابِعينَ وأئِمةِ الدِّينِ من المُسلِمينَ والسَّلفِ الماضِينَ هو مِلاكُ الدِّينِ، فقد كانَ زَيدُ بنُ ثابِتٍ -وكانَ من الراسِخينَ في العِلمِ- يَقبلُ جَوائزَ مُعاويةَ وابنِه يَزيدَ، وكانَ ابنُ عُمرَ مع وَرَعِه وفَضلِه يَقبلُ هَدايا صِهرِه المُختارِ ابنِ أَبي عُبَيدٍ، ويَأكلُ طَعامَه ويَأخذُ جَوائزَه، وكانَ المُختارُ غيرَ مُختارٍ.
وقالَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ -وكان قد مُلِئَ عِلمًا من قَرنِه إلى مَشاعِبِه- لرَجلٍ سألَه فقالَ: إنَّ لي جارًا يَعملُ الرِّبا، ولا يَجتنِبُ في مَكسبِه الحَرامَ، يَدعوني إلى طَعامِه إذا جِئتُ، فقالَ: لك المَهنأُ وعليه المَأثمُ ما لم تَعلمِ الشَّيءَ بعَينِه حَرامًا.
وسُئلَ عُثمانُ بنُ عَفَّانَ عن جَوائزِ السُّلطانِ فقالَ: لَحمُ ظَبيٍ زَكيٍّ.
وكانَ الشَّعبيُّ -وهو مِنْ كِبارِ التابِعينَ وعُلمائِهم- يُؤدِّبُ بَني عبدِ المَلكِ بنِ مَرْوانَ، ويَقبلُ جَوائزَه، ويَأكلُ طَعامَه.
(١) «المغني» (٦/ ٣٣٨).
وكانَ إِبراهيمُ النَّخَعيُّ وسائِرُ عُلماءِ الكُوفةِ والحَسنُ البَصريُّ -مع زُهدِه ووَرعِه- وسائِرُ عُلماءِ البَصرةِ وأَبو سَلمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ وأبانُ بنُ عُثمانَ والفُقهاءُ السَّبعةُ -حاشا سَعيدَ بنَ المُسيِّبِ- يَقبَلونَ جَوائزَ السَّلاطينِ والأُمراءِ، وقبِلَ الحَسنُ والشَّعبيُّ جائِزةَ ابنِ هُبيرةَ لمَّا سألَهما عن حالِه مع عبدِ المَلِكِ، وكانَ سُفيانُ الثَّوريُّ مع فَضلِه ووَرعِه يَقولُ: جَوائزُ السُّلطانِ أحَبُّ إلَيَّ مِنْ صِلاتِ الإِخوانِ؛ لأنَّ الإِخوانَ يَمُنُّون والسُّلطانَ لا يَمُنُّ.
ومِثلُ هذا عن العُلماءِ والفُضلاءِ كَثيرٌ، وقد جمَعَ الناسُ فيه أَبوابًا، ولأحمدَ بنِ خالِدٍ فَقيهِ الأَندلُسِ وعالِمِها في ذلك كِتابٌ حمَلَه على جَمعِه ووَضعِه طَعنُ أهلِ بِلادِه عليه في قَبولِه جَوائزَ عبدِ الرَّحمنِ الناصِرِ؛ إذْ نقَلَه إلى المَدينةِ بقُرطُبةَ، وأسكَنَه دارًا من دُورِ الجامِعِ قُربَه، وأَجرى عليه الرِّزقَ من الطَّعامِ والشَّرابِ والإِدامِ والناضِّ، وله ولمِثلِه في بَيتِ المالِ حَظٌّ، والمَسؤولُ عن التَّخليطِ فيه هو السُّلطانُ، كما قالَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ: لك المَهنأُ وعليه المَأثَمُ مَا لم تَعلمِ الشَّيءَ بعَينِه حَرامًا.
ومَعنى قَولِ ابنِ مَسعودٍ هذا قد اجتمَعَ عليه العُلماءُ «ما لم تَعلمِ الشَّيءَ بعَينِه حَرامًا مأخوذًا من غيرِ حِلِّه»، كالخُبزةِ وشِبهِها من الطَّعامِ والثَّوبِ، وما كانَ مِثلَ ذلك، كلُّه من الأشياءِ المَبيعةِ غَصبًا أو سَرقةً، أو مَأخوذةً بظُلمٍ بيِّنٍ لا شُبهةَ فيه، فهذا الذي لم يَختلِفْ أحدٌ في تَحريمِه وسُقوطِ عَدالةِ مُستحِلِّ الحُلَّةِ وأخذِه وتَملُّكِه، وما أعلَمُ أحدًا من عُلماءِ التابِعين تورَّعَ عن جَوائزِ السُّلطانِ إلا سَعيدَ بنَ المُسيِّبِ بالمَدينةِ ومُحمدَ بنَ سِيرينَ بالبَصرةِ، وهما
قد ذهَبا مَثلًا بالوَرعِ، وسلَكَ سَبيلَهما في ذلك أحمدُ بنُ حَنبلٍ وأهلُ الزُّهدِ والوَرعِ والتَّقشُّفِ رَحمةُ اللهِ عليهم أجمَعينَ.
والزُّهدُ في الدُّنيا من أفضلِ الفَضائلِ، ولا يَحلُّ لمَن وفَّقَه اللهُ تَعالى وزهِدَ فيها أنْ يُحرِّمَ ما أباحَ اللهُ منها، والعَجبُ من أهلِ زَمانِنا يَعيبون الشَّهواتِ وهُم يَستحِلُّون المُحرماتِ والمُنكراتِ، ومِثالُهم عندي كالذين سأَلوا عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ عن المُحرِمِ يَقتلُ القُرادَ والقَملةَ، فقالَ للسائِلينَ: من أين أنتُم؟ فقالوا: من أهلِ الكُوفةِ، فقالَ: تَسألونَني عن هذا وأنتُم قتَلتُم الحُسينَ بنَ علِيٍّ؟!
ورَوى عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «ما أَتاك من غيرِ مَسألةٍ فخُذْه، وتَموَّلْه».
ورَوى أَبو سَعيدٍ الخُدريُّ وجابِرُ بنُ عبدِ اللهِ عن النَّبيِّ ﷺ مَعناه، وفي حَديثِ أحدِهما: «إنَّما هو رِزقٌ رزَقَه اللهُ»، وفي لَفظِ بعضِ الرُّواةِ: «فلا تَردَّ على اللهِ رِزقَه».
وهذا كلُّه عندَ أهلِ العِلمِ مُركَّبٌ مَبنيٌّ على ما أجمَعوا عليه، وهو الحَقُّ فيمَن عرَفَ الشَّيءَ المُحرَّمَ بعَينِه أنَّه لا يَحلُّ له. واللهُ ﷾ أعلَمُ (١).
وقالَ ابنُ مُفلِحٍ رحمة الله عليه: فَصلٌ: ومالُ بَيتِ المالِ إنْ علِمَه حَلالًا أو حَرامًا أو علِمَهما فيه أو شَكَّ في الحَرامِ فيه فالحُكمُ على ما سبَقَ.
(١) «جامع المسائل» لابن تيمية (٣/ ٣٠٩، ٣١٢).
فلا يَتوجَّهُ إِطلاقُ الحُكمِ فيه، لكنْ خرَجَ الكَلامُ على الغالِبِ، والغالِبُ أنَّ فيه حَلالًا وحَرامًا، وفيه الخِلافُ المَشهورُ السابِقُ، فلهذا كثُرَ الاختِلافُ فيه، قالَ جَماعةٌ من أَصحابِنا: يَجوزُ العَملُ مع السُّلطانِ وقَبولُ جَوائزِه، وقيَّدَه في «التَّرغيبِ» بالعادِلِ، وقيَّدَه في «التَّبصِرةِ» بمَن غلَبَ عَدلُه، وأنَّها تُكرَهُ في رِوايةٍ، وقيلَ للإمامِ أحمدَ في جائزتِه ومُعامَلتِه فقالَ أكرَهُهما، وجائِزتُه أحَبُّ إلَيَّ من الصَّدقةِ، وقالَ: هي خَيرٌ من صِلةِ الإِخوانِ، وأُجرةُ التَّعليمِ خَيرٌ منهما، ذكَرَه شَيخُنا، وقالَ أيضًا: ليسَ بحَرامٍ، وقالَ أيضًا: يَموتُ بدِينِه ولا يَعملُ معهم، وقالَ بهِجرانِه ويُخرجُه إنْ لم يَنتَهِ، وهجَرَ أحمدُ أَولادَه وعَمَّه وابنَ عَمِّه لمَّا أخَذوها، قالَ القاضِي: وهو يَقتَضي جَوازَ الهَجرِ بأَخذِ الشُّبهةِ، وإنَّما أجازَه لأنَّ الصَّحابةَ رضي الله عنهم هجَرَت بما في مَعناه كهَجرِ ابنِ مَسعودٍ مَنْ ضحِكَ في جِنازةٍ، وحُذيفةَ بشَدِّ الخَيطِ للحِمَى، وأمَرَ عُمرُ بهَجرِ صَبيغٍ بسُؤالِه عن الذَّارياتِ والمُرسَلاتِ والنازِعاتِ.
وقالَ ابنُ الزُّبيرِ: «لتَنتَهِ عائِشةُ أو لَأحجُرنَّ عليها»، فهجَرَته.
وقالَ الخَلالُ: كأنَّ أَحمدَ توسَّعَ على مَنْ أخَذَها لحاجةٍ، فلمَّا أخَذوها مع الاستِغناءِ هجَرَهم ثم كلَّمَهم، وهو عندي على غيرِ قَطعِ المُصارَمةِ؛ لأنَّهم -وإنِ استَغنَوْا- لهم حُجةٌ قَويةٌ.
وقيلَ لأحمدَ: تَرى أنْ يُعيدَ مَنْ حَجَّ من الدِّيوانِ؟ قالَ: نَعَمْ. وكذا كرِهَ مُعامَلةَ الجُنديِّ وإِجابةَ دَعوتِه، ومُرادُه من يَتناولُ الحَرامَ، الظالِمُ، ونقَلَ عبدُ اللهِ بنُ مُحمدٍ فورانَ عن أحمدَ في المالِ الحَلالِ والحَرامِ، فالزُّهريُّ
ومَكحولٌ قالا: كُلْ، فهذا عِندي من مالِ السُّلطانِ، كما قالَ علِيٌّ عليه السلام: بَيتُ المالِ يَدخلُه الخَبيثُ والطَّيبُ، فيَصلُ إلى الرَّجلِ فيَأكلُ منه، فأمَّا حَلالٌ وحَرامٌ من مِيراثٍ، أو أفادَ ذلك رَجلٌ مالًا؛ فإنَّه يُردُّ على أَصحابِه؛ فإنْ لم يَعرفْهم ولم يَقدرْ عليهم تصدَّقَ به، قالَ بَعضُهم:؛ لأنَّ بَيتَ المالِ لا مُستحِقَّ له مُعيَّنًا حتى يُردَّ عليه، ولعُمومِ البَلوى به، وامتنَعَ جَماعةٌ من التابِعينَ فمَن بعدَهم من بَيتِ المالِ، وعلَّله بعضُ السَّلفِ بأنَّ بَقيةَ المُستحِقينَ لم يَأخُذوا، قالَه ابنُ الجَوزيِّ.
قالَ: وليسَ بشَيءٍ؛ لأنَّه يَأخذُ حَقَّه ويَبقى حَقُّ أولئك مَقامًا مَعلومًا في مَقامٍ مَظلومٍ، وليسَ المالُ مُشتَرَكًا، وقبِلَ منه ابنُ عُمرَ وابنُ عباسٍ وعائِشةُ والحَسنُ والحُسينُ وعبدُ اللهِ بنُ جَعفرٍ رضي الله عنهم وجَماعةٌ من التابِعين وغيرِهم، ومالِكٌ والشافِعيُّ، وسُئلَ عُثمانُ عن جَوائزِ السُّلطانِ فقالَ: لَحمُ ظَبيٍ زَكيٌّ. قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: وكانَ الشَّعبيُّ والنَّخَعيُّ والحَسنُ وأَبو سَلمةَ ابنُ عبدِ الرَّحمنِ وأبانُ بنُ عُثمانَ والفُقهاءُ السَّبعةُ سِوى سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ يَقبَلون جَوائزَ السُّلطانِ، وكانَ الثَّوريُّ مع وَرعِه وفَضلِه يَقولُ: هي أحَبُّ إلَيَّ من صِلةِ الإِخوانِ.
ومن دفَعَ جائزَتَه إلى آخَرَ فعندَ أحمدَ لا يُكرهُ للثاني؛ لأنَّه إنَّما كُرهَ للأَولِ للمُحاباةِ (١).
(١) «الفروع» (٢/ ٥٠٤، ٥٠٦).
وقالَ الغَزاليُّ رحمة الله عليه: وأخَذَ الشافِعيُّ ومالِكٌ رضي الله عنهما جَوائزَ الخُلفاءِ والسَّلاطينِ، مع العِلمِ بأنَّه قد خالَطَ مالَهم الحَرامُ (١).
وقالَ المَوَّاقُ المالِكيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا جَوائزُ الخُلفاءِ فجائِزةٌ لا شَكَّ فيها؛ لاجتِماعِ الخَلقِ على قَبولِ العَطيةِ من الخُلفاءِ ممَّن يَرضى منهم وممَّن لا يَرضى، وما يُظلَمُ فيه قَليلٌ في كَثيرٍ.
ابنُ رُشدٍ: قَولُه: «قَبولُه من العُمالِ جَرحةٌ» ومَعناه عِندي عُمالُ الجِبايةِ الذين إنَّما جُعِل لهم قَبضُ الأَموالِ وتَحصيلُها دونَ وَضعِها في وُجوهِها بالاجتِهادِ.
وأمَّا الأُمراءُ الذين فوَّضَ لهم الخَليفةُ أو خَليفتُه قَبضَ الأَموالِ وصَرفَها في وُجوهِها باجتِهادِهم كالحَجَّاجِ وشِبهِه من أُمراءِ البِلادِ المُفوَّضِ جَميعُ الأُمورِ فيها إليهم فجَوائزُهم كجَوائزِ الخُلفاءِ.
وأمَّا القُضاةُ والأَجنادُ والحُكامُ فلهم أخذُ أَرزاقِهم من العُمالِ المَضروبِ على أيديهم، وإنْ كانَ المَجبيُّ حَلالًا، لكنْ لم يَعدِلْ في قَسمِه فالأكثَرُ على جَوازِ أخذِ الجائِزةِ منهم، وكرِهَه بَعضُهم وإنْ شابَ المَجبيَّ حَلالٌ وحَرامٌ فالأكثَرُ على كَراهةِ الأَخذِ منه، منهم مَنْ أَجازَه.
وإنْ كانَ المَجبيُّ حَرامًا فمنهم من حرَّمَ أخْذَ الجائِزةِ والرِّزقِ على عَملٍ من الأَعمالِ منهم، ورُويَ هذا عن مالِكٍ، ومنهم من أَجازَه ومنهم من كرِهَه (٢).
(١) «إحياء علوم الدين» (٢/ ١٢٣).
(٢) «التاج والإكليل» (٥/ ١٤٣)، و «البيان والتحصيل» (١٧/ ٣٤٢)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٩٣).
ارجع إلى فصل: الهدية على الشفاعة للاطلاع على جميع المسائل.