الإسلام > الأوقاف والملكية > موت المودع مجهلا > الصورة الثالثة: أن تكون عنده وديعة في حياته ولم توجد بعينها ولم يعلم هل هي باقية عنده أم تلفت؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةالصُّورةُ الثالِثةُ: أنْ تَكونَ عندَه وَديعةٌ في حَياتِه ولمْ تُوجدْ بعَينِها ولمْ يُعلمْ هل هي باقِيةٌ عندَه أم تلِفَت؟
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فأما إنْ كانَت عندَه وَديعةٌ في حَياتِه ولمْ تُوجدْ بعَينِها ولمْ يُعلمْ هل هي باقِيةٌ عندَه أو تلِفَت ففيه وَجهانِ:
أَحدُهما: وُجوبُ ضَمانِها؛ لأنَّ الوَديعةَ يَجبُ ردُّها، إلا أنْ يَثبتَ سُقوطُ الردِّ بالتَّلفِ مِنْ غيرِ تَعدٍّ ولمْ يَثبتْ ذلك، ولأنَّ الجَهلَ بعَينِها كالجَهلِ بها، وذلك لا يَسقطُ الردَّ.
والثانِي: لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ الوَديعةَ أَمانةٌ والأَصلُ عَدمُ إِتلافِها والتَّعدِّي فيها، فلمْ يَجبْ ضَمانُها، وهذا قَولُ ابنِ أَبي لَيلى وأَحدُ الوَجهينِ لأَصحابِ الشافِعيِّ وظَاهرُ المَذهبِ الأَولِ؛ لأنَّ الأَصلَ وُجوبُ الردِّ فيَبقى عليه ما لمْ يُوجدْ ما يُزيلُه (١).
الصُّورةُ الرابِعةُ: أنْ تُوجدَ وَثيقةٌ بخطِّ يدِه أنَّ الوَديعةَ لفُلانٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو وجَدَ لرَجلٍ في دَفترٍ حِسابَه أو وَثيقةً مَكتوبٌ فيها بخَطِّه أنَّ لفُلانٍ عندي وَديعةً أو دَينًا، هل يَجبُ دَفعُ ذلك إليه أم لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَلزمُه ردُّها على مالِكِها، ويَجبُ العَملُ بخَطِّه.
(١) «المغني» (٦/ ٣٠٦، ٣٠٧)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٢٢٩)، و «الإنصاف» (٦/ ٣٤٣).
قالَ المالِكيةُ: مَنْ ماتَ وعندَه وَديعةٌ مَكتوبٌ عليها هذه وَديعةُ فُلانِ بنِ فُلانٍ، فإنَّ صاحِبَها يَأخذُها بشَرطِ أنْ يُثبتَ بالبَينةِ أنَّ الكِتابةَ بخَطِّ صاحِبِ الوَديعةِ أو بخَطِّ المَيتِ.
ولو وُجدَت أَنقصَ مما كتَبَ عليها كانَ النَّقصُ في مالِ المَيتِ إنْ عُلمَ أنَّه يَتصرَّفُ في الوَديعةِ، وإلا لمْ يَضمنْ.
ومِثلُ الكِتابَةِ البيِّنةُ بل هي أَولى، لا بأَمارةٍ لاحتِمالِ أنَّه رَآها سابِقًا ومِثلُ الوَديعةِ الدَّينُ على هذا التَّفصيلِ المَذكورِ.
قالَ أَبو الوَليدِ ابنِ رُشدٍ رحمة الله عليه: قالَ أَبو زَيدٍ: سُئلَ ابنُ القاسِمِ عن رَجلٍ هلَكَ وترَكَ وَدائعَ ولمْ يُوصِ فتُوجدُ صُررٌ فيها مَكتوبٌ: وَديعةُ فُلانِ ابنِ فلانٍ، وفيها كذا وكذا دِينارًا، أَتراها لفُلانٍ الرَّجلِ الذي اسمُه على الصُّرةِ إذا لمْ تَكنْ بَينةٌ على أنَّه استودَعَها إيَّاه إلا بقَولٍ وقد وجَدُوها عندَ الهالِكِ كما ادَّعى؟
قالَ: ليسَ له فيها شَيءٌ، لعلَّه دفَعَ إلى أَهلِ البَيتِ دَراهمَ حتى كتَبُوا له فوقَ هذه الصُّررِ ما يُريدُ.
قالَ مُحمدُ بنُ رُشدٍ: هذا ما لا اختِلافَ فيه أنَّه لا يُقضى بالصُّرةِ لمَن وجَدَ عليها اسمَه إذا لمْ يَكنْ بخَطِّ يدِه ولا بخَطِّ يدِ المُودَعِ (١).
(١) «البيان والتحصيل» (١٥/ ٣١٢)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٦٩)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١١٣، ١١٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٣٠، ١٣١)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٥٣، ٣٥٤)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٨/ ١٦٩، ١٧٠).
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: إنْ وُجدَ عليها مَكتوبٌ وَديعةٌ فإنَّه يُعملُ به وُجوبًا، فإنْ وجَدَ وارثٌ خطَّ مُورِّثِه: لفُلانٍ عندِي وَديعةٌ، أو وجَدَ على الكِيسِ ونحوِه مَكتوبٌ: هذا لفُلانٍ، عمِلَ الوارثُ به وُجوبًا، كما يَعملُ بإِقرارِه باللَّفظِ.
وإنْ وجَدَ وارثٌ خَطَّ مُورِّثِه بدَينٍ له على فُلانٍ جازَ للوارثِ الحلِفُ إذا أقامَ به شاهِدًا مَثلًا، وكانْ يَعلمُ أنَّ مُورِّثَه لا يَكتبُ إلا حَقًّا وأنَّه صادِقٌ أَمينٌ، ودفَعَ الدَّينَ إليه، فيَجوزُ الحَلفُ على ما لا تَجوزُ الشَّهادةُ به؛ إذ لا يَشهدُ على شَهادةِ أَبيه أو غيرِها إذا رآها بخَطِّه.
وإنْ وجَدَ وارثٌ خَطَّ مُورِّثِه بدَينٍ عليه لمُعيَّنٍ عمِلَ الوارثُ به وُجوبًا، ودفَعَ الدَّينَ إلى مَنْ هو مَكتوبٌ باسمِه كالوَديعةِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ اختارَه القاضِي وابنُ عَقيلٍ وابنُ قُدامةَ إلى أنَّه لا يَجبُ العَملُ به.
قالَ الحَنابِلةُ في هذا الوَجهِ: إنْ وُجدَ عليها مَكتوبٌ وَديعةٌ لمْ يَكنْ حُجةً عليهم؛ لأنَّه يُحتملُ أنَّ الوَعاءَ كانَت فيه وَديعةٌ قبلَ هذه أو كانَ وَديعةً للمَيتِ عندَ غيرِه ونحوُ ذلك، وكذلك إذا وجَدَ في دَفتَرِه أنَّ لفُلانٍ عندِي وَديعةً لمْ يَلزمْه بذلك؛ لجَوازِ أنْ يَكونَ قد ردَّها ونسِيَ الضَّربَ على ما كتَبَ أو غيرَ
(١) «الإنصاف» (٦/ ٣٤٥)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٢٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٥٢)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ١٧١).
ذلك، وهذا القَولُ اختارَه القاضِي وابنُ عَقيلٍ وابنُ قُدامةَ وغيرُهم (١).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا ماتَ المُودَعُ ولمْ يَذكرْ وَديعةً أَصلًا فوُجدَ في تَركتِه كيسٌ مَختومٌ وعليه هذه وَديعةُ فُلانٍ، أو وُجدَ في جَريدتِه لفُلانٍ عندِي وَديعةُ كذا لمْ يَلزمِ الوَرثةُ التَّسليمَ بهذا؛ لاحتِمالِ أنَّه
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوديعة
مسألة:
السلام - لِرَدِّهَا عَلَى أَهْلِهَا، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ إِلَى التَّعَاوُنِ بِهَا حَاجَةً مَاسَّةً وَضَرُورَةً دَاعِيَةً لِعَوَارِضِ الزَّمَانِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْقِيَامِ عَلَى الْأَمْوَالِ، فَلَوْ تَمَانَعَ النَّاسُ فِيهَا لَاسْتَضَرُّوا وَتَقَاطَعُوا.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّعَاوُنِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ مَنِ اسْتَوْدَعَ وَدِيعَةً مِنْ ثَلَاثِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْجِزُ عَنْهَا، وَلَا يَثِقُ بِأَمَانَتِهِ نَفْسِهِ فِيهَا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ بِهَا وَلَيْسَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقُومُ بِهَا فَهَذَا مِمَّنْ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا، وَلَزِمَهُ اسْتِيدَاعُهَا، كَمَا تُعَيَّنُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّاهِدِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَتَحَمَّلُهَا سِوَاهُ، وَكَمَا يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ خَلَاصُ نَفْسٍ يَقْدِرُ عَلَى إِحْيَائِهَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَالِ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا، وَقَادِرًا عَلَى حِفْظِهَا، وَقَدْ يُوجَدُ غَيْرُهُ مِنَ الْأُمَنَاءِ عَلَيْهَا، فَهَذَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ:
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوديعة
فصل في بيان ما يغير حال الوديعة من الأمانة إلى الضمان
الْمُودَعَ بَعْدَ الصُّلْحِ، وَإِنْ لَمْ يَصْطَلِحَا وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الْأَلْفَ لَهُ، لَا يَدْفَعُ إلَى أَحَدِهِمَا شَيْئًا؛ لِجَهَالَةِ الْمُقِرِّ لَهُ الْوَدِيعَةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمُودَعَ فَإِنْ اسْتَحْلَفَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَالْأَمْرُ لَا يَخْلُو، إمَّا أَنْ يَحْلِفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِمَّا أَنْ يَنْكُلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِمَّا أَنْ يَحْلِفَ لِأَحَدِهِمَا وَيَنْكُلَ لِلْآخَرِ، فَإِنْ حَلَفَ لَهُمَا فَقَدْ انْقَطَعَتْ خُصُومَتُهُمَا لِلْحَالِ إلَى وَقْتِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، كَمَا فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَهَلْ يَمْلِكَانِ الِاصْطِلَاحَ عَلَى أَخْذِ الْأَلْفِ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الِاسْتِحْلَافِ، فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ، وَالْمَعْرُوفُ بَيْنَ، أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، عَلَى قَوْلِهِمَا لَا يَمْلِكَانِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَمْلِكَانِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الصُّلْحِ بَعْدَ الْحَلِفِ، وَقَدْ مَرَّتْ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوديعة
١٠٦٦ - مسألة؛ قال: (وليس على مودع ضمان، إذا لم يتعد)
المُسْتَوْدَعُ رَدَّها على صاحِبِها، لَزِمَه قَبُولُها ؛ لأنَّ المُسْتَوْدَعَ مُتَبَرِّعٌ بإمْساكِها ؛ فلا يَلْزَمُه التَّبَرُّعُ فى المُستقبَلِ.
١٠٦٦ - مسألة؛ قال: (ولَيْسَ عَلَى مُودَعٍ ضَمَانٌ، إذَا لَمْ يَتَعَدَّ)
وجملَتُه أَنَّ الوَدِيعةَ أمانةٌ، فإذا تَلِفَتْ بغيرِ تَفْريطٍ من المُودَعِ، فليس عليه ضَمانٌ، سواءٌ ذَهَبَ معها شىءٌ من مالِ المُودَعِ أو لم يَذْهَبْ. هذا قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ. رُوِىَ ذلك عن أبى بُكَيْر، وعلىٍّ، وابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال شُرَيحٌ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، وأبو الزِّنادِ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعىُّ، والشَّافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وعن أحمدَ روايةٌ أخرى، إن ذَهَبَتِ الوَدِيعةُ من بين مالِه غَرِمَها؛ لما رُوِىَ عن عمرَ بن الخطابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه ضَمّنَ أَنَسَ بن مالكٍ وَدِيعةً ذَهَبَتْ من بين مالِه . قال القاضى: والأُولَى أَصَحُّ؛ لأنَّ اللَّه تعالى سَمَّاها أمانةً، والضَّمانُ يُنَافِى الأمانةَ. ويُرْوَى عن عمرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أَنَّ النّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لَيْسَ عَلَى المُسْتَوْدَعِ ضَمانٌ" . ويُرْوَى عن الصَّحابةِ الذين ذكَرْناهِم. ولأنَّ المُسْتَوْدَعَ مُؤْتَمَنٌ، فلا يَضْمَنُ ما تَلِفَ من غيرِ تَعَدِّيه وتَفْرِيطِه، كالذى ذهَبَ مع مالِه، ولأنَّ المُسْتَوْدَعَ إنَّما يَحْفَظُها لصاحِبِها مُتَبَرِّعًا، من غير نَفْع يَرْجِعُ إليه فلو لَزِمَهُ الضَّمانُ لَامْتَنعَ الناسُ من قبَولِ الوَدائِعِ، وذلك مُضِرٌّ، لما بَيَّنَاه من الحاجةِ إليها، وما رُوِىَ عن عمرَ مَحْمولٌ على التَّفْريطِ من أَنَسٍ فى حِفْظِها، فلا يُنافِى ما ذكَرْناه. فأمَّا إن تَعَدَّى
ارجع إلى موت المودع مجهلا للاطلاع على جميع المسائل.