الصورة الثانية: أن يموت مجهلا للوديعة

الإسلام > الأوقاف والملكية > موت المودع مجهلا > الصورة الثانية: أن يموت مجهلا للوديعة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 8 دقيقة قراءة

الصورة الثانية: أن يموت مجهلا للوديعة - الأقوال والأدلة

وإذا بيَّنَه لوَرثتِه أو أَوصى بها وماتَ فتلِفَت فلا ضَمانَ عليه، ولا تُؤخذُ مِنْ تَركتِه، وكذا عندَ المالِكيةِ لو قالَ: هي بمَوضعِ كذا ولمْ تُوجدْ فلا يَضمنُها، وتُحملُ على أنَّها ضاعَت وهو مُصدَّقٌ (١).

الصُّورةُ الثَّانيةُ: أنْ يَموتَ مُجهِلًا للوَديعةِ:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّ المُودَعَ إذا ماتَ مُجهِلًا الوَديعةَ -ومَعنى تَجهيلِ الوَديعةِ: ألَّا يُبينَ حالَ الأَمانةِ التي عندَه، وهو يَعلمُ أنَّ وَارثَه لا يَعلمُ حالَها ولمْ يُشهدْ عليها- فإنَّه يَضمنُها بالتَّجهيلِ؛ لأنَّه بالتَّجهيلِ قد منَعَ الوَديعةَ عن ربِّها ظُلمًا، فصارَت دَينًا في تَركتِه.

فإذا عُرفَت بعَينِها وجَبَ ردُّها على مالِكِها، وربُّها أَحقُّ بها مِنْ الغُرماءِ؛ لأنَّ حقَّ الغُرماءِ بعدَ مَوتِ المَدينِ يَتعلقُ بمالِه دونَ مالِ سائرِ الناسِ، وكما كانُوا أَحقَّ بها في حَياةِ المَديونِ فكذلك بعدَ مَوتِه.

وإنْ لمْ تُعرفْ بعَينِها وكانَ على المَيتِ دَينٌ وله غُرماءُ قُسمَ المالُ بينهم

(١) «المبسوط» (١١/ ١٢٩)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ٢١٣، ٢١٤)، و «الأشباه والنظائر» (٢٧٣)، و «مجمع الضمانات» (١/ ٢٣٢)، و «حاشية ابن عابدين» (٨/ ٤٣٣)، و «درر الحكام» (٧/ ١٤٩، ١٥٠)، و «معين الحكام» ص (١٥٨)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٦٩)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١١٣، ١١٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٣٠، ١٣١)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٥٣، ٣٥٤)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٨/ ١٦٩، ١٧٠)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٦٠٢)، و «المغني» (٦/ ٣٠٦، ٣٠٧)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٢٢٩)، و «الإنصاف» (٦/ ٣٤٣)، و «شرح منتهى الإرادت» (٤/ ٢٥٦)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٢٠، ٢٢١).

على قدرَ حِصصِهم؛ لأنَّه بالتَّجهيلِ يَصيرُ مُسلِّطًا غُرماءَه ووَرثتَه على أَخذِها، والمُودَعُ بمِثلِ هذا التَّسليطِ يَصيرُ ضامِنًا، كما لو دلَّ سارِقًا على سَرقتِها، ولأنَّه التَزمَ أَداءَ الأَمانةِ، ومِن أَداءِ الأَمانةِ بَيانُها عندَ مَوتِه وردُّها على المالِكِ إذا طلَبَ، فكما يَضمنُ بتَركِ الردِّ بعدَ الطَّلبِ يَضمنُ أيضًا بتَركِ البَيانِ عندَ المَوتِ.

ولو قالَت الوَرثةُ إنَّها هلَكَت أو رُدَّت على المالِكِ لا يُصدَّقُونَ على ذلك إلا ببَينةٍ؛ لأنَّ المَوتَ مُجهِلًا سَببٌ لوُجوبِ الضَّمانِ؛ لكَونِه إِتلافًا، فكانَت دَعوى الهَلاكِ والردِّ دَعوى أَمرِ عارِضٍ فلا يُقبلُ إلا بحُجةٍ.

وهذا إذا أقَرَ المُودَعُ أنَّ عندَه وَديعةً أو أنَّ لفُلانٍ وَديعةً أو ثبَتَت ببَينةٍ أنَّه ماتَ وعندَه وَديعةٌ (١).

إلا أنَّ المالِكيةَ قالُوا: إذا ماتَ مُجهِلًا ومَضى عَشرةُ أَعوامٍ مِنْ يَومِ الإِيداعِ فلا تُؤخذُ مِنْ تَركتِه إذا لمْ تُوجدْ ولمْ يُوصِ بها، ويُحملُ على أنَّه ردَّها لربِّها إنْ لمْ تَكنْ أُودَعت ببَينةٍ تُوثقٍ -أي بَينةٍ مَقصودةٍ للتَّوثيقِ-، فإنْ أُودعَت ببَينةٍ مَقصودةٍ للتَّوثقِ أُخذَت مِنْ تَركتِه مُطلقًا، ولو زادَ الزَّمنُ على العَشرةِ سِنينَ (٢).

(١) «حاشية الدسوقي» (٥/ ١٣٠، ١٣١)، والمصادر الآتي ذكرها.
(٢) «التاج والإكليل» (٤/ ٢٦٩)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١١٣، ١١٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٣٠، ١٣١)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٥٣، ٣٥٤)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٨/ ١٦٩، ١٧٠)، ويُنْظَر: «المبسوط» (١١/ ١٢٩)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ٢١٣، ٢١٤)، و «الأشباه والنظائر» (٢٧٣)، و «مجمع الضمانات» (١/ ٢٣٢)، و «حاشية ابن عابدين» (٨/ ٤٣٣)، و «درر الحكام» (٧/ ١٤٩، ١٥٠)، و «معين الحكام» ص (١٥٨)، و «المغني» (٦/ ٣٠٦، ٣٠٧)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٢٢٩)، و «الإنصاف» (٦/ ٣٤٣)، و «شرح منتهى الإرادت» (٤/ ٢٥٦)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٢٠، ٢٢١).

وقالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: بابٌ: المُودَعُ يَموتُ وعندَه وَديعةٌ للرَّجلِ تُعرفُ بعَينِها أو لا تُعرفَ:

قالَ أَبو بَكرٍ: أجمَعَ أَهلُ العِلمِ على أنَّ الوَديعةَ إذا عُرفَت بعَينِها لرَجلٍ أنَّ صاحِبَها أَحقُّ بها، وأنَّ تَسليمَها إليه يَجبُ.

واختلَفُوا في الرَّجلِ يَموتُ وعندَه وَديعةٌ مَعلومةُ الصِّفةِ، غيرَ أنَّها لا تُوجدُ بعَينِها، وعليه دَينٌ.

فقالَت طائِفةٌ: هي والدَّينُ سَواءٌ، هذا قَولُ الشِّعبيِّ، والنَّخعيِّ، وداودَ ابنِ أَبي هِندٍ، ورُويَ ذلك عن شُريحٍ، ومَسروقٍ، وعَطاءٍ، وطَاووسَ، والزُّهريِّ، وأَبي جَعفرَ، وبه قالَ مالِكٌ، وإِسحاقُ، والشافِعيُّ، والنُّعمانُ وأَصحابُه.

ورَوَيْنا عن النَّخعيِّ أنَّه قالَ: الأَمانةُ قبلَ الدَّينِ.

وقالَ الحارِثُ العُكليِّ: يَبدأُ بالدَّينِ.

وقالَ ابنُ أَبي لَيلى: إذا لمْ تُوجدِ الوَديعةُ بعَينِها فليسَ بشَيءٍ (١).

(١) «الإشراف» (٦/ ٣٣٥، ٣٣٦).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 180 - 182

ارجع إلى موت المودع مجهلا للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله