الإسلام > الأوقاف والملكية > وجود المعادن في أرض الإحياء > صفة الإحياء
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 30 دقيقة قراءةصِفةُ الإِحياءِ:
نصَّ فَقهاءُ الشافِعيةِ والحَنابلةِ في قولٍ على أنَّ الإِحياءَ يَختلفُ بحسبِ الغَرضِ مِنْ الإِحياءِ، والمَرجعُ في جَميعِ ذلك إلى العَرفِ، فما تعارَفَه الناس إِحياءً فهو إِحياءٌ؛ لأنَّ الشَّرعَ ورَدَ بتَعليقِ الملكِ على الإِحياءِ ولم يُبيِّنْه ولا ذكَرَ كَيفيَّتَه، فيَجبُ الرُّجوعُ فيه إلى ما كانَ إِحياءً في العُرفِ، كما أنَّه لمَّا ورَدَ باعتِبارِ القَبضِ والحِرزِ ولم يُبيِّنْ كيفيَّتَه كانَ المَرجعُ فيه إلى العُرفِ، ولأنَّ الشارعَ لو علَّقَ الحُكمَ على مُسمّى باسمٍ لتعلَّقَ بمُسمَّاه عندَ أهلِ اللِّسانِ فكذلك يَتعلَّقُ الحُكمُ بالمُسمَّى إِحياءً عندَ أهلِ العُرفِ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ لا يُعلِّقُ حُكمًا على ما ليسَ إلى مَعرفتِه طَريقٌ، فلمَّا لم يُبيِّنْه تَعيَّنَ العُرفُ طَريقًا لمَعرفتِه؛ إذ ليسَ له طَريقٌ سِواه (١).
قالَ الشافِعيةُ: الإِحياءُ ما عرَفَه الناسُ إِحياءً لمثلِ المُحيا؛ لأنَّ الشَّرعَ ورَدَ بالإِحياءِ مُطلقًا، وما ورَدَ فيه مُطلقًا رُجِعَ فيه إلى العُرفِ والعادةِ في ذلك الشيءِ وفي ذلك البَلدِ، كالتَّفريقِ في البَيعِ، والحِرزِ في السَّرقةِ، وضابِطُه: أنْ يُهيَّأَ كلُّ شيءٍ لما يُقصَدُ منه غالِبًا.
فإنْ كانَ يُريدُ إِحياءَ المَواتِ دارًا للسُّكنَى أو مَسجدًا اُشتِرطَ تَحويطُ البُقعةِ بما جرَتِ العادةُ به في ذلك المَكانِ بآجُرٍ أو لَبِنٍ أو حَجرٍ أو خَشبٍ بحَسبِ عادةِ ذلك المَكانِ، مع البِناءِ على المُعتمَدِ مع سَقفِ بعضِها ليَتهيَّأَ
(١) «المغني» (٥/ ٣٤٤)، و «الكافي» (٢/ ٤٣٧)، و «الشرح الكبير» (٦/ ١٦١).
للسُّكنَى، وفيه وَجهٌ أنَّه لا يُشتَرطُ، ونَصبُ بابٍ؛ لأنَّ العادةَ في المَنازلِ أنْ يَكونَ لها أَبوابٌ، وما لا (بابَ) له لا يُتَّخذُ مَسكنًا، وفي وَجهٍ: لا يُشتَرطُ؛ لأنَّ فَقدَه لا يَمنعُ السُّكنَى، وإنَّما يَنصَبُّ لحِفظِ المَتاعِ.
أو أرادَ إِحياءَ المَواتِ زَريبةَ دَوابَّ أو نحوِها، كحَظيرةٍ لجَمعِ ثِمارٍ وغَلاتٍ وغيرِها فتَحويطٌ بالبِناءِ بما جرَت به العَادةُ، ولا يُشتَرطُ أنْ يَكونُ تَحويطُها كتَحويطِ الدارِ، ولا يَكفي نصبُ سَعفٍ وأَحجارٍ مِنْ غيرِ بناءٍ؛ لأنَّ المُجتازَ بفِعلِ ذلك والمُتملِّكَ لا يَقتصرُ عليه عادةً، ولا يُشتَرطُ سَقفٌ في إِحياءِ الزَّريبةِ؛ لأنَّ العادةَ فيها عَدمُه، ولو حوَّطَ لها ببِناءٍ مِنْ طَرفٍ واقتَصرَ في الباقِي على نصبِ أَحجارٍ أو سَعفٍ كَفى، وفي نصبِ البابِ الخِلافُ السابِقُ في المَسكنِ.
ولو حفَرَ قبْرًا في مَواتٍ كانَ إِحياءً لتلك البُقعةِ وملكَه بخِلافِ ما لو حفَرَ قبْرًا في أرضِ مَقبَرةٍ مُسبَّلةٍ، فإنَّه لا يَختصُّ به؛ إذ السَّبقُ فيها بالدَّفنِ لا بالحفرِ.
أو أرادَ إِحياءَ المَواتِ مَزرعةً فجمَعَ التُّرابَ ونحوَه كحَجرٍ وشَوكٍ حولَها يُشتَرطُ في إِحيائِها ليَنفصلَ المُحيا عن غيرِه، ولا حاجةَ إلى التَّحويطِ لأنَّه العرفُ، ويُشتَرطُ تَسويةُ الأرضِ بطَمرِ المُنخفِضِ وكسحِ المُستعلِي، وحرثِها إنْ لَم تُزرَعْ إلا به، وتَلبينُ تُرابِها ولو بما يُساقُ إليها لِتتهيَّأَ للزِّراعةِ، وتَرتيبُ ماءٍ لها بشَقِّ ساقيةٍ مِنْ نهرٍ أو بحَفرِ بِئرٍ أو قَناةٍ أو نحوِ ذلك، هذا إنْ لَم يَكفِها المَطرُ المُعتادُ، فإنْ كَفاها لم يَحتَجْ لتَرتيبِ الماءِ.
ويُستثنَى مِنْ تَرتيبِ الماءِ صُورتانِ:
إحداهُما: أَراضِي الجِبالِ التي لا يُمكنُ سَوقُ الماءِ إليها ولا يَكفيها المَطرُ المُعتادُ، فإنَّها تُملَكُ بالحِراثةِ وجَمعِ التُّرابِ.
الثانِيةُ: أَراضِي البَطائحِ -وهي بناحيةِ العِراقِ غلَبَ عليها الماءُ- فالشَّرطُ في إِحيائِها حَبسُ الماءِ عنها عَكسَ غيرِها.
ولا يُشتَرطُ في إِحيائِها الزِّراعةُ في الأصحِّ؛ لأنَّه استِيفاءُ مَنفعةِ الأرضِ وهو خارجٌ عن الإِحياءِ، كما لا يُعتبَرُ في إِحياءِ الدارِ سُكْناها.
والثانِي: يُشتَرطُ؛ إذ الدارُ لا تَصيرُ مُحياةً إلا إذا جُعلَ فيها عَينُ مالٍ المُحيي، فكذا المَزرعةُ وما يُبذَرُ فيها يُقالُ له زَريعةٌ، وأما الحَصادُ فلا يُشتَرطُ جَزمًا.
أو أَرادَ إِحياءَ المَواتِ بُستانًا فجَمعُ التُّرابِ يُشتَرطُ حولَ الأرضِ كالمَزرعةِ، وحُكمُ الكَرْمِ حُكمُ البُستانِ، والتَّحويطُ حيثُ جرَتِ العادةُ به؛ عَملًا بها، وإنْ جرَتْ بتَحويطٍ ببِناءٍ اُشتُرطَ، أو بقَصبٍ أو شَوكٍ كَفى، أو اكتَفَت بجَمعِ تُرابٍ كَفى، فعُلمَ بذلك أنَّه لا يُشتَرطُ الجَمعُ بينَ التَّحويطِ وجَمعِ التُّرابِ وتَهيئةِ ماءٍ على ما سبَقَ في المَزرعةِ.
ويُشتَرطُ في إِحياءِ المَواتِ بُستانًا غَرسُ بعضِ الأرضِ بما يُسمَّى به بُستانًا على المَذهبِ، وقيلَ لا يُشتَرطُ كالزَّرعِ في المَزرعةِ.
وفرَّقَ الأولُ بينَهما بأنَّ اسمَ المَزرعةِ يَقعُ على الأرضِ قبلَ الزَّرعِ
بخِلافِ البُستانِ قبلَ الغرسِ، ولأنَّ الغرسَ للدَّوامِ فالتحَقَ ببِناءِ الدارِ بخِلافِ الزَّرعِ.
ولا يُشتَرطُ أنْ يُثمِرَ الغِراسُ.
ويُشتَرطُ في إِحياءِ البِئرِ خُروجُ الماءِ وطيُّ البِئرِ الرّخوةِ أرضُها بخِلافِ الصّلبةِ، وفي إِحياءِ بئرِ القَناةِ خُروجُ الماءِ وجَريانُه.
ولو حفَرَ نهرًا مُمتدًّا إلى النَّهرِ القَديمِ بقَصدِ التَّملكِ ليَجريَ فيه الماءُ ملَكَه ولو لَم يُجرِه، كما لا يُشتَرطُ السُّكنَى في إِحياءِ المَسكنِ.
ومَن شرَعَ في عملِ إِحياءٍ لنوعٍ فغيَّرَه لنوعٍ آخر ملَكَه بما يُحيِي به ذلك النوعَ، كَأَنْ شرَعَ في عَملِ بُستانٍ ثُّم قصَدَ أنْ يجعَلَه مَزرعةً ملَكَه بما تُملَكُ به المَزرعةُ (١).
وأما الحَنابلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإِحياءُ الأرضِ أنْ يُحوِّطُ عليها حائِطًا.
ظاهرُ كَلامِ الخِرقيِّ أنَّ تَحويطَ الأرضِ إِحياءٌ لها، سَواءٌ أَرادَها للبِناءِ أو للزَّرعِ أو حَظيرةً للغَنمِ أو الخَشبِ أو غيرِ ذلك، ونصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ عليِّ بنِ سَعيدٍ فقالَ: الإِحياءُ أنْ يُحوِّطَ عليها حائطًا ويَحفرَ فيها بِئرًا أو نَهرًا،
(١) «البيان» (٧/ ٤٨٢، ٤٨٤)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٠٦، ١١٠)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤١٦، ٤١٨)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٢١، ٢٢٢)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٣٢، ٤٣٤)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٣٩٧، ٣٩٩)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٣٨٧، ٣٨٩)، و «الديباج» (٢/ ٤٩٩، ٥٠١).
ولا يُعتبَرُ في ذلك تَسقيفٌ، وذلك لمَا رَوى الحَسنُ عن سَمرةَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مَنْ أحاطَ حائِطًا على أرضٍ فهي له» (١) رواه أَبو داودَ والإمامُ أحمدُ في مُسندِه، ويُروَى عن جابرٍ عن النَّبيِّ ﷺ مثلُه، ولأنَّ الحائِطَ حاجِزٌ مَنيعٌ فكانَ إِحياءً أَشبَهَ ما لو جعَلَها حَظيرةً للغَنمِ، ويُبيِّنُ هذا أنَّ القَصدَ لا اعتِبارَ به، بدَليلِ ما لو أرادَها حَظيرةً للغَنمِ فبَناها بجصٍّ وآجُرٍّ وقسَمَها بُيوتًا فإنَّه يَملِكُها، وهذا لا يُصنَعُ للغَنمِ مثلُه، ولا بدَّ أنْ يَكونَ الحائطُ مَنيعًا يَمنعُ ما وراءَه، ويَكونُ مما جرَتِ العادةُ بمثلِه، ويَختلفُ باختلافِ البُلدانِ، فلو كانَ مما جرَتْ عادتُهم بالحِجارةِ وحدَها كأهلِ حَورانَ وفِلسطينَ، أو بالطينِ كالفَطائرِ لأهلِ غُوطةِ دِمشقَ، أو بالخَشبِ أو بالقَصبِ كأهلِ الغَورِ كانَ ذلك إِحياءً، وإنْ بَناه بأَرفعَ مما جرَتْ به عادتُه كانَ أَولى.
وقالَ القاضِي: في صِفةِ الإِحياءِ رِوايتانِ إحداهُما ما ذكَرْنا، والثانِي: الإِحياءُ ما تَعارفَه الناسُ إِحياءً؛ لأنَّ الشَّرعَ ورَدَ بتَعليقِ الملكِ على الإِحياءِ ولم يُبيِّنه ولا ذكَرَ كَيفيَّتَه، فيَجبُ الرُّجوعُ فيه إلى ما كانَ إِحياءً في العرفِ، كما أنَّه لمَّا ورَدَ باعتِبارِ القَبضِ والحرزِ ولم يُبيِّنْ كَيفيَّتَه كانَ المَرجعُ فيه إلى العرفِ، ولأنَّ الشارعَ لو علَّقَ الحكمَ على مُسمًّى باسمٍ لتعلَّقَ بمُسماه عندَ أهلِ اللِّسانِ، فكذلك يَتعلَّقُ الحُكمُ بالمُسمَّى إِحياءً عندَ أهلِ العُرفِ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ لا يُعلِّقُ حُكمًا على ما ليسَ إلى مَعرفتِه طَريقٌ، فلمَّا لَم يُبيِّنْه تَعيَّنَ العُرفُ طَريقًا لمَعرفتِه؛ إذ ليسَ له طَريقٌ سِواه.
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٠٧٧)، وأحمد (٢٠٢٥١).
إذا ثبَتَ هذا فإنَّ الأرضَ تُحيى دارًا للسُّكنَى وحَظيرةً ومَزرعةً، فإِحياءُ كلِّ واحدةٍ مِنْ ذلك بتَهيئَتِها للانتِفاعِ الذي أُرِيدَت له.
فأما الدارُ فبأنْ يَبنيَ حِيطانَها بما جرَتْ به العادةُ ويُسقِّفَها؛ لأنَّها لا تَكونُ للسُّكنَى إلا بذلك.
وأما الحظيرةُ فإِحياؤُها بحائطٍ جرَتْ به عادةُ مثلِها، وليسَ مِنْ شَرطِها التَّسقيفُ؛ لأنَّ العادةَ ذلكَ مِنْ غيرٍ تَسقيفٍ، وسَواءٌ أرادَها حَظيرةً للماشِيةِ أو للخَشبِ أو للحَطبِ أو نحوِ ذلك، ولو خَندَقَ عليها خَندقًا لَم يَكنْ إِحياءً؛ لأنَّه ليسَ بحائطٍ ولا عِمارةٍ، إنَّما هو حَفرٌ وتَخريبٌ، وإنْ حاطَها بشَوكٍ وشبهِه لَم يَكنْ إِحياءً وكانَ تَحجُّرًا؛ لأنَّ المُسافرَ قد يَنزلُ مَنزلًا ويُحوِّطُ على رحلِه بنحوٍ مِنْ ذلك، ولو نزَلَ مَنزلًا فنصبَ له بيتَ شعرٍ أو خَيمةً لم يَكنْ إِحياءً.
وإنْ أرادَها للزِّراعةِ فبأنْ يُهيِّئها لإِمكانِ الزَّرعِ فيها، فإنْ كانَت لا تُزرَعُ إلا بالماءِ فبأنْ يَسوقَ إليها ماءً مِنْ نَهرٍ أو بِئرٍ، وإنْ كانَت مما لا يُمكِنُ زَرعُها لكَثرةِ أَحجارِها كأرضِ الحِجازِ فبأنْ يَقلعَ أَحجارَها ويُنقِّيَها حتى تَصلُحَ للزَّرعِ، وإنْ كانَت غِياضًا وأَشجارًا كأرضِ الشّعرَى فبأنْ يَقلعَ أَشجارَها ويُزيلَ عُروقَها التي تَمنعُ الزَّرعَ، وإنْ كانَت مما لا يُمكنُ زَرعُه إلا بحَبسِ الماءِ عنها كأرضِ البَطائحِ التي يُفسدُها غَرقُها بالماءِ لكَثرتِه، فإِحياؤُها بسدِّ الماءِ عنها وجَعلِها بحالٍ يُمكنُ زَرعُها؛ لأنَّ بذلك يُمكنُ الانتِفاعُ بها فيما أرادَها، مِنْ غيرِ حاجةٍ إلى تَكرارِ ذلك في كلِّ عامٍ فكانَ إِحياءً كسَوقِ الماءِ إلى الأرضِ التي لا ماءَ لها.
ولا يُعتبرُ في إِحياءِ الأرضِ حَرثُها ولا زَرعُها؛ لأنَّ ذلك مما يَتكرَّرُ كلَّما أرادَ الانتِفاعَ بها فلَم يُعتبَرْ في الإِحياءِ كسَقيِها وكالسُّكنَى في البُيوتِ، ولا يَحصلُ بذلك إذا فعَلَه لمُجرَّدِه؛ لمَا ذكَرْنا.
ولا يُعتبَرُ في إِحياءِ الأرضِ للسُّكنَى نَصبُ الأَبوابِ على البُيوتِ، وبهذا قالَ الشافعيُّ فيما ذكَرْنا في الرِّوايةِ الثانيةِ، إلا أنَّ له وَجهًا في أنَّ حَرثَها وزَرعَها إِحياءٌ لها، وأنَّ ذلك مُعتبَرٌ في إِحيائِها ولا يَتمُّ بدونِه، وكذلك نَصبُ الأَبوابِ على البُيوتِ؛ لأنَّه مما جرَتِ العادَةُ به فأشبَه التَّسقيفَ، ولا يَصحُّ هذا لمَا ذكَرْنا، ولأنَّ السُّكنَى مُمكنَةٌ بدونِ نَصبِ الأَبوابِ فأشبَه تَطيينَ سُطوحِها وتَبييضَها (١).
وقالَ المالِكيةُ: الإِحياءُ الذي هو مِنْ أَسبابِ الاختِصاصِ يَكونُ بأحدِ أُمورٍ سَبعةٍ:
الأولُ: بتَفجيرِ ماءٍ فيها بحَفرِ بئرٍ أو فَتقِ عَينٍ، فيَختَصُّ بها وبالأرضِ التي تُزرَعُ عليها.
والثانِي: بإِزالةِ الماءِ منها حيثُ كانَت الأرضُ غامِرةً بالماءِ لأجلِ زِراعةٍ أو غَرسٍ أو بِناءٍ.
والثالِثُ: ببِناءٍ بأرضٍ.
والرابِعُ: بغَرسٍ لشَجرٍ بها.
(١) «المغني» (٥/ ٣٤٤، ٣٤٥)، و «الشرح الكبير» (٦/ ١٦٠، ١٦١)، و «شرح الزركشي» (٢/ ١٩٣، ١٩٤)، و «الإنصاف» (٦/ ٣٦٨، ٣٧٠)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٣٢، ٢٣٣)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ١٨٧)، و «منار السبيل» (٢/ ٢٨٨، ٢٨٩).
والخامِسُ: بسَببِ تَحريكِ أرضٍ بحَرثِها ونحوِه، وأما زَرعُها بدونِ ذلك فلا يَحصلُ به الإِحياءُ، وإنِ اختَصَّ به زارِعُه.
والسادِسُ: يَكونُ بسَببِ قَطعِ شَجرٍ بها بنيَّةِ وَضعِ يدِه عليها.
والسابِعُ: بسَببِ كَسرِ حَجرِها مع تَسويتِها، أيِ الأرض.
لأنَّ هذه الأُمورَ كلٌّ منها مُضادٌّ للمَواتِ، والمَرجعُ فيها إلى العُرفِ، فما يُعَدُّ في العُرفِ عِمارةً مثلَها؛ لأنَّه ﷺ أَطلقَ الإِحياءَ فيَتقيَّدُ بالعادةِ.
ولا يَكونُ الإِحياءُ بتَحويطٍ للأرضِ بنحوِ خطٍّ عليها، ولا رَعيِ كَلأٍ بها، ولا حَفرِ بئرِ ماشِيةٍ فيها، إلا أنَّ يُبيِّنَ المِلكيَّةَ حينَ حفرِها؛ لأنَّ هذا لا يَعملُ لمَعنى إِحياءِ الأرضِ، وإنَّما يَعملُ لمَنافعِ الماشِيةِ كالرَّعيِ (١).
وأما الحَنفيةُ فقالوا: لو كرَبَ الأرضَ -قلبَ الأرضَ للحَرثِ- أو ضرَبَ عليها المُسنَّاة -ما يُبنَى للسَّيلِ ليَردَّ الماءَ- أو شَقَّ لها نَهرًا فهو إِحياءٌ.
ولو كرَبَها وسَقاها فعن مُحمدٍ رحمة الله عليه أنَّه إِحياءٌ، ولو فعَلَ أحدَهما يَكونُ تَحجيرًا، ولو سَقاها مع حَفرِ الأَنهارِ كانَ إِحياءً لوُجودِ الفِعلينِ، ولو حوَّطَها وسنَّمَها بحيثُ يَعصمُ الماءَ يَكونُ إِحياءً؛ لأنَّه مِنْ جُملةِ البِناءِ، وكذا إذا بذَرَها.
وإنْ حفَرَ للأرضِ بئرًا فهو تَحجيرٌ وليسَ بإِحياءٍ، وكذا إذا جعَلَ الشَّوكَ حولَها (٢).
(١) «التاج والإكليل» (٤/ ٥٤٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٤٤، ٤٤٥)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٣٠)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٧٠)، و «حاشية الصاوي» (٩/ ١٢٣)، و «تحرير المقالة» (٧/ ١٩٣).
(٢) «المبسوط» (٢٣/ ١٦٨)، و «الهداية» (٤/ ١٠٠)، و «تبيين الحقائق» (٦/ ٣٦)، و «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٤٣٣)
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب إحياء الموات
باب ما يجوز أن يقطع وما لا يجوز
بَابُ مَا يَجُوزُ أَنْ يُقْطَعَ وَمَا لَا يجوز
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " مَا لَا يَمْلِكُهُ أحدُ مِنَ النَّاسِ يُعْرَفُ صِنْفَانِ أَحَدُهُمَا مَا مَضَى وَلَا يَمْلِكُهُ إِلَّا بِمَا يَسْتَحْدِثُهُ فِيهِ وَالثَّانِي مَا لَا تُطْلَبُ المنفعة فيه إلا بشيءٍ يجعل فيه غيره وَذَلِكَ الْمَعَادِنُ الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ مِنَ الذَّهَبِ وَالتِّبْرِ وَالْكُحْلِ وَالْكِبْرِيتِ وَالْمِلْحِ وَغَيْرِهِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَةُ مَا لَمْ يَمْلِكْهُ مِنَ الْأَرْضِ ضَرْبَانِ مَعَادِنُ وَمَوَاتٌ، فَأَمَّا الْمَوَاتُ فَقَدِ انْقَضَى حُكْمُهُ، وَأَمَّا الْمَعَادِنُ فَهِيَ الْبِقَاعُ الَّتِي أَوْدَعَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ جَوَاهِرَ الْأَرْضِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِإِقَامَةِ الْجَوَاهِرِ فيها كما قال تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ} أَيْ جَنَّاتِ إِقَامَةٍ غَيْرَ أَنَّ الْمُزَنِيَّ أَخْطَأَ فِي نَقْلِهِ حِينَ نَقَلَ فَقَالَ مَا لَا يطلب المنفعة فيه إلا بشيء يجعل فيه غيره وَهَذِهِ صِفَةُ الْمَوَاتِ الَّتِي لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ إِلَّا أَنْ يُجْعَلَ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ غَرْسٍ أَوْ زَرْعٍ أَوْ بِنَاءٍ، فَأَمَّا الْمَعَادِنُ فَهِيَ الَّتِي بَطَلَتِ الْمَنْفَعَةُ فِيهَا لَا بِشَيْءٍ يُجْعَلُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ غَرْسٍ أَوْ زَرْعٍ أَوْ بِنَاءٍ، لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ مَخْلُوقَةٌ فِيهِ.
مَسْأَلَةٌ
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب إحياء الموات
٩١٣ - مسألة؛ قال أبو القاسم: (ومن أحيا أرضا لم تملك، فهى له)
٩١٣ - مسألة؛ قال أبو القاسم: (ومَنْ أحْيَا أرْضًا لَمْ تُمْلَكْ، فَهِىَ لَهُ)
وجملتُه أنَّ المَوَاتَ قِسْمانِ؛ أحَدُهما، ما لم يَجرِ عليه مِلْكٌ لأحَدٍ، ولم يُوجَدْ فيه أَثَرُ عِمَارَةٍ، فهذا يُمْلَكُ بالإِحْياءِ ، بغير خِلَافٍ بين القائِلِينَ بالإِحْياءِ. والأخْبَارُ التي رَوَيْناها مُتَنَاوِلَةٌ له. القسم الثاني، ما جَرَى عليه مِلْكُ مالِكٍ، وهو ثلاثةُ أَنْوَاعٍ؛ أحدها؛ مالَه مالِكٌ مُعَيَّنٌ، وهو ضَرْبانِ؛ أحدهما، ما مُلِكَ بشِرَاءٍ أو عَطِيّةٍ، فهذا لا يُمْلَكُ بالإِحْياءِ، بغيرِ خِلَافٍ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ العُلَماءُ على أنَّ ما عُرِفَ بمِلْكِ مالِكٍ غيرِ مُنْقَطعٍ، أنَّه لا يجوزُ إحْياؤُه لأحدٍ غيرِ أرْبَابِه. الثاني، ما مُلِكَ بالإِحْياءِ، ثم تُرِكَ حتى دَثَرَ وعادَ مَوَاتًا، فهو كالذى قَبْلَه سواءً. وقال مالِكٌ: يُمْلَكُ هذا؛ لِعُمُومِ قوله: "مَنْ أَحْيَا أرْضًا مَيْتَةً فَهِىَ لَهُ" . ولأنَّ أصْلَ هذه الأرْضِ مُبَاحٌ، فإذا تُرِكَتْ حتى تَصِيرَ مَوَاتًا عادَتْ إلى الإِبَاحةِ، كمن أخَذَ ماءً من نَهْرٍ ثم رَدَّهُ فيه. ولَنا، أنَّ هذه أرْضٌ يُعرَفُ مالِكُها، فلم تُمْلَكْ بالإِحْياءِ، كالتى مُلِكَتْ بِشِرَاءٍ أو عَطِيَّةٍ، والخَبَرُ مُقَيّدٌ بغيرِ المَمْلُوكِ، بقولِه في الرِّوَايةِ الأخرى: "من أحْيَا أرْضًا مَيتَةً لَيْسَتْ لأَحَدٍ" . وقوله: "في غيرِ حَقِّ مُسْلِمٍ" . وهذا يُوجِب تَقيِيدَ مُطْلَقِ حَدِيثِه. وقال هِشَامُ بن عُرْوَةَ، في تَفْسِيرِ قولِه عليه السلام: "ولَيْسَ لِعِرْقٍ ظالِمٍ حَقٌّ" : العِرْقُ الظالِمُ أن يَأْتِىَ الرَّجُلُ الأرْضَ المَيْتَةَ لغيرِه، فيَغْرِسَ فيها. ذَكَرَه سَعِيدُ بن منصورٍ، في "سُنَنِه" . ثم الحَدِيثُ مَخْصُوصٌ بما مُلِكَ بِشِرَاءٍ أو عَطِيّةٍ،
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب العارية
فصل في صفة الحكم في الإعارة
عَلَى أَنْ يَلْبَسَهُ بِنَفْسِهِ، لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُقَيَّدِ اعْتِبَارُ الْقَيْدِ فِيهِ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ اعْتِبَارُهُ، وَاعْتِبَارُ هَذَا الْقَيْدِ مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ لِتَفَاوُتِ النَّاسِ فِي اسْتِعْمَالِ الدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ رُكُوبًا وَلُبْسًا، فَلَزِمَ اعْتِبَارُ الْقَيْدِ فِيهِ، فَإِنْ فَعَلَ حَتَّى هَلَكَ ضَمِنَ لِأَنَّهُ خَالَفَ، وَإِنْ رَكِبَ بِنَفْسِهِ وَأَرْدَفَ غَيْرَهُ فَعَطِبَتْ فَإِنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ؛ مِمَّا تُطِيقُ حَمْلَهُمَا جَمِيعًا يَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَةِ الدَّابَّةِ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ إلَّا فِي قَدْرِ النِّصْفِ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ مِمَّا لَا تُطِيقُ حَمْلَهُمَا ضَمِنَ جَمِيعَ قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّهُ اسْتَهْلَكَهَا، وَلَوْ أَعَارَهُ دَارًا لِيَسْكُنَهَا بِنَفْسِهِ فَلَهُ أَنْ يُسْكِنَهَا غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ الْمَمْلُوكَ بِالْعَقْدِ السُّكْنَى، وَالنَّاسُ لَا يَتَفَاوَتُونَ فِيهِ عَادَةً فَلَمْ يَكُنْ التَّقْيِيدُ بِسُكْنَاهُ مُفِيدًا فَيَلْغُو، إلَّا إذَا كَانَ الَّذِي يُسْكِنُهَا إيَّاهُ حَدَّادًا أَوْ قَصَّارًا وَنَحْوَهُمَا مِمَّنْ يُوهِنُ عَلَيْهِ الْبِنَاءُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسْكِنَهَا إيَّاهُ، وَلَا أَنْ يَعْمَلَ بِنَفْسِهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ لَا يَرْضَى بِهِ عَادَةً، وَالْمُطْلَقُ يَتَقَيَّدُ بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ كَمَا فِي الْإِجَارَةِ، وَلَوْ أَعَارَهُ دَابَّةً عَلَى أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا عَشَرَةَ مَخَاتِيمَ شَعِيرٍ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا عَشَرَةَ مَخَاتِيمَ حِنْطَةٍ؛ لِأَنَّ الْحِنْطَةَ أَثْقَلُ مِنْ الشَّعِيرِ، فَكَانَ اعْتِبَارُ الْقَيْدِ مُفِيدًا فَيُعْتَبَرُ، وَلَوْ أَعَارَهَا عَلَى أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا عَشَرَةَ مَخَاتِيمَ حِنْطَةٍ فَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ…
ارجع إلى وجود المعادن في أرض الإحياء للاطلاع على جميع المسائل.