الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الإرث ثلاثة > خامسا: اختلاف الدارين بين غير المسلمين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةوكانوا في هذا كأهلِ الأَهواءِ من المُسلِمينَ، وفي قَولِه عليه السلام: «لا يَتوارَثُ أهلُ مِلتَينِ» إشارةٌ إلى ما بَيَّنَّا؛ فإنَّه فسَّرَ المِلتَينِ بقَولِه: «لا يَرثُ المُسلمُ الكافرَ ولا يَرثُ الكافرُ المُسلمَ» (١) ففي تَنصيصِه على الوَصفِ العامِّ في مَوضعِ التَّفسيرِ بَيانُ أنَّهم في حُكمِ التَّوريثِ أهلُ مِلةٍ واحِدةٍ، وحِلُّ الذَّبيحةِ والمُناكَحةِ لا يَقوى الاستِدلالُ به؛ فإنَّ المُسلِمينَ مع اليَهودِ والنَّصارى استَوَوْا في حُكمِ حِلِّ الذَّبيحةِ والمُناكَحةِ، ثم لم يَكنْ دَليلٌ على اتِّفاقِ المِلةِ بينَهم، فكذلك اختِلافُ المَجوسِ مع أهلِ الكِتابِ في حِلِّ الذَّبيحةِ والمُناكَحةِ لا يَكونُ دَليلًا على اختِلافِ المِلةِ فيما بينَهم، وكانَ المَعنى فيه: أنَّ شَرطَ حِلِّ الذَّبيحةِ تَسميةُ اللهِ تَعالى على الخُلوصِ، والكِتابيُّ من أهلِ ذلك؛ لأنَّهم يُظهِرونَ دَعوى التَّوحيدِ وإنْ كانوا يُضمِرونَ في ذلك بعضَ الشِّركِ، فلتَحقُّقِ وُجودِ الشَّرطِ في حَقِّهم حَلَّت ذَبائِحُهم بخِلافِ المَجوسِ؛ فإنَّهم لا يَدَّعونَ التَّوحيدَ، فلا تَصحُّ منهم تَسميةُ اللهِ تَعالى على الخُلوصِ، وهو شَرطُ الحِلِّ (٢).
خامِسًا: اختِلافُ الدارَينِ بينَ غيرِ المُسلِمينَ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ المُسلِمينَ يَتوارَثونَ فيما بينَهم وإنْ بعُدَت الدِّيارُ بينَهم واختَلفَت جِنسياتُهم ما دامَ هناك سَببٌ من أَسبابِ
(١) أخرجه البخاري (٦٣٨٣)، ومسلم (١٦١٤).
(٢) «المبسوط» (٣٠/ ٣٢)، ويُنظَر: «الاختيار» (٥/ ١٢٣)، و «مختصر اختلاف العُلماء» للطحاوي (٤/ ٤٥٠)، و «أحكام القرآن» للجصاص (٣/ ٣٨)، و «شرح مسلم» للنووي (١١/ ٥٢)، و «النجم الوهاج» (٦/ ١٧١، ١٧٢)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤٢)، و «المغني» (٦/ ٢٤٧)، و «أحكام أهل الذمة» (١/ ٣١٨)، و «فتح الباري» (١٢/ ٥١).
التَّوارُثِ وهي القَرابةُ والنِّكاحُ والوَلاءُ، فإذا ماتَ مُسلمٌ في بِلادِ الكُفارِ وَرثَه أقارِبُه من المُسلِمينَ في أيِّ بَلدٍ كانَ.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفوا في غيرِ المُسلِمينَ إذا اختَلفَت دِيارُهم بأنْ كانَ هناك شَخصانِ أَحدُهما في الهِندِ مَثلًا وله دُورٌ وسُلطانٌ ومَنعةٌ، والآخَرُ في بِلادِ التُّركِ مَثلًا وله دارٌ ومَنعةٌ أُخرى وانقطَعَت بينَهما العِصمةُ حتى إنَّ أَحدَهما يَستحِلُّ قَتلَ الآخَرِ هل إذا ماتَ أَحدُهما ورِثَه الآخَرُ أو لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَشهورِ وأكثَرُ الحَنابِلةِ إلى أنَّه لا توَارُثَ بينَهما، فاختِلافُ الدارَينِ على التَّفصيلِ السابِقِ يَمنعُ المِيراثَ بينَهما لعَدمِ وُجودِ التَّناصرِ والمُوالاةِ بينَهما لاختِلافِ دارِ كلٍّ منهما، والمُوالاةُ والتَّناصرُ أَساسُ المِيراثِ، فعليه لا يَرثُ الحَربيُّ الذِّميَّ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّ غيرَ المُسلمِ يَرثُ قَريبَه غيرَ المُسلمِ وإنْ تباعَدَت الدارُ واختَلفَت إذْ لا يُوجدُ دَليلٌ على المَنعِ من المِيراثِ بعدَ تَحقُّقِ سَببِه وشَرطِه، فأهلُ المِلةِ الواحِدةِ يَتوارَثونَ وإنِ اختَلفَت دِيارُهم؛ لأنَّ العُموماتِ من النُّصوصِ تَقتَضي تَوريثَهم ولم يَرِدْ بتَخصيصِهم نَصٌّ ولا إِجماعٌ ولا يَصحُّ فيهم قياسٌ فيَجبُ العَملُ بعُمومِها، ومَفهومُ قَولِه ﷺ: «لا يَتوارَثُ أهلُ مِلتَينِ شَتَّى» أنَّ أهلَ المِلةِ الواحِدةِ يَتوارَثونَ.
(١) «الجوهرة النيرة» (٦/ ٤٣٧)، و «اللباب» (٢/ ٦١٤)، و «الحاوي الكبير» (٨/ ٨٠)، و «النجم الوهاج» (٦/ ١٧٢)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤٢).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوصايا
باب المرض الذي تجوز فيه العطية ولا تجوز والمخوف غير المرض
بَابُ الْمَرَضِ الَّذِي تَجُوزُ فِيهِ الْعَطِيَّةُ وَلَا تجوز والمخوف غير المرض
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " كُلُّ مَرَضٍ كَانَ الْأَغْلَبُ فِيهِ أَنَّ الْمَوْتَ مَخُوفٌ عَلَيْهِ فَعَطِيَّتُهُ إِنْ مَاتَ فِي حُكْمِ الْوَصَايَا وَإِلَّا فَهُوَ كَالصَّحِيحِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ مَا يُخْرِجُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَالِهِ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَصَايَاهُ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَالثَّانِي: عَطَايَاهُ الْمُنْجَزَةُ فِي حَيَاتِهِ.
فَأَمَّا الْوَصَايَا: فَهِيَ مِنَ الثُّلُثِ، سَوَاءٌ أَوَصَى بِهَا فِي صِحَّةٍ أَوْ مَرَضٍ. فَإِنِ اتَّسَعَ الثُّلُثُ لِجَمِيعِهَا أُمْضِيَتْ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْوَارِثِ فِيهَا اعْتِرَاضٌ، وَإِنْ ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهَا: رُدَّ الْفَاضِلُ عَلَى الثُّلُثِ إِنْ لَمْ يُجِزْهُ الورثة ويحاص أهل الوصايا الورثة بِالثُّلُثِ. وَسَوَاءٌ مَنْ تَقَدَّمَتِ الْوَصِيَّةُ لَهُ أَوْ تَأَخَّرَتْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ عِتْقٌ، فَيَكُونُ فِي تَقْدِيمِهِ عَلَى الْوَصَايَا قَوْلَانِ.
وَأَمَّا الْعَطَايَا الْمُنْجَزَةُ فِي الْحَيَاةِ: فَكَالْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْمُحَابَاةِ وَالْعِتْقِ، وَالْوَقْفِ فَضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ فِي الصِّحَّةِ. وَالثَّانِي: مَا كَانَ فِي الْمَرَضِ.
فَأَمَّا عَطَايَا الصِّحَّةِ فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ، سَوَاءٌ قَرُبَ عَهْدُهَا بِالْمَوْتِ أَوْ بَعُدَ.
وَأَمَّا عَطَايَا الْمَرَضِ فَالْمَرَضُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
ارجع إلى أركان الإرث ثلاثة للاطلاع على جميع المسائل.