القسم الخامس: نذر المباح

الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان النذر > القسم الخامس: نذر المباح

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 8 دقيقة قراءة

القسم الخامس: نذر المباح - الأقوال والأدلة

وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ إلى أنَّه يُشترَطُ في النَّذرِ أنْ يَكونَ قُربةً مَقصودةً مِنْ جِنسِها واجبٌ كالصَّومِ والصَّلاةِ والحَجِّ والعِتقِ والصَّدقةِ ونَحوِها، وأمَّا ما ليسَ مِنْ جِنسِه واجبٌ كالتَّسبيحِ وعيادةِ المرَضى وتَشييعِ الجَنائزِ والوُضوءِ والاغتِسالِ ودُخولِ المَسجدِ ومَسِّ المُصحفِ والأَذانِ وبِناءِ الرِّباطاتِ والمَساجدِ وغيرِ ذلك- فلا يَصحُّ وإنْ كانَتْ قُربًا؛ لأنَّها ليسَتْ بقُربٍ مَقصودةٍ، والأَصلُ فيه أنَّ إِيجابَ العَبدِ مُعتبَرٌ بإِيجابِ اللهِ تَعالى؛ إذ لا وِلايةَ له على الإِيجابِ ابتداءً، وإنَّما صحَّحْنا إِيجابَه في مِثلِ ما أوجَبَه اللهُ تَعالى تَحصيلًا للمَصلحةِ المُتعلِّقةِ بالنَّذرِ (١).

القِسمُ الخامسُ: نَذرُ المَباحِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ نذَرَ نَذرًا مُباحًا كمَن نذَرَ أنْ يَأكلَ شَيئًا مُعينًا أو لا يَأكلَه، أو يَمشيَ أو لا يَمشيَ، أو يَشربَ أو لا يَشربَ، أو يُجامِعَ أو لا يُجامِعَ، ونَحوُ ذلك، أو نذَرَ أنْ يُطلِّقَ امرَأتَه على وَجهٍ مُباحٍ، هل يَصحُّ

(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ٨٢، ٨٣)، و «الاختيار» (٤/ ٨٩، ٩٠)، و «روضة الطالبين» (٢/ ٧٤٦، ٧٥٣).

أو لا يَصحُّ ويَكونُ مُخيَّرًا بينَ فِعلِه وبينَ الكَفارةِ أم لا يَلزمُ الوَفاءُ به ولا تَجبُ عليه كَفارةٌ ولا شيءَ؟

فذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مَنْ نذَرَ نَذرًا مُباحًا كلُبسِ الثَّوبِ ورُكوبِ الدابةِ وطَلاقِ المَرأةِ على وَجهٍ مُباحٍ فإنَّه مُخيَّرٌ بينَ الوَفاءِ به وبينَ كَفارةِ يَمينٍ لقَولِ النَّبيِّ : «لا نَذرَ إلا فيما ابتُغيَ به وَجهُ اللهِ» (١).

فإنْ لمْ يَفِ فعليه كَفارةٌ لمَا روَتْ عائشةُ أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «لا نَذرَ في مَعصيةٍ وكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ» (٢). وإذا وجبَتْ الكَفارةُ في المَعصيةِ ففي المُباحِ أَولى.

وإنْ وَفَّى به أجزَأَه لمَا رواه أَبو داودَ: «أنَّ امرَأةً قالَتْ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي نذَرْتُ أنْ أَضربَ على رَأسكِ بالدُّفِ، فقالَ النَّبيُّ : «أَوفي بنَذرِكَ» (٣).

وإنْ تضمَّنَ خِصالًا كَثيرةً أجزَأَتْه كَفارةٌ واحدةٌ كاليَمينِ (٤).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ وأَحمدُ في قَولٍ إلى أنَّ مَنْ نذَرَ ما ليسَ بطاعةٍ ولا قُربةٍ كقولِه: «لله عليَّ أنْ أَدخلَ البَصرةَ أو لا أَدخلَها، أو آكلَ لَذيذًا، أو لا آكلَه، أو أَلبسَ جَديدًا، أو لا أَلبسَه» فليسَ في

(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٢١٩٢)، وأحمد (٦٧٣٢).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٢٩٠)، والترمذي (١٥٢٤)، وابن ماجه (٢١٢١).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٣١٢).
(٤) «المغني» (١٠/ ٧٠)، و «الكافي» (٤/ ٤١٩)، و «كشاف القناع» (٦/ ٣٤٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٤٤٠)، و «منار السبيل» (٣/ ٤٤٠).

فِعلٍ شيءٍ مِنْ هذا ولا في تَركِه طاعةٌ للهِ تعالى، ولا قُربةٌ إليه ولا يَلزمُه فِعلُه ولا كَفارةَ عليه؛ لأنَّه قد أَباحَ فِعلَه وتَركَه فاستوى الأَمرانِ في الحُكمِ عندَه، ولمَا رواه البُخاريُّ عن عِكرِمةَ عن بنِ عبَّاسٍ قالَ: «بيْنَا النَّبيُّ يَخطبُ إذا هو برَجلٍ قَائمٍ فسأَلَ عنه فقالُوا: أَبو إِسرائيلَ نذَرَ أنْ يَقومَ ولا يَقعدَ، ولا يَستظلَّ، ولا يَتكلمَ، ويَصومَ، فقالَ النَّبيُّ : «مُرهُ فليَتكلمْ وليَستَظلَّ وليَقعدْ وليُتمَّ صَومَه» (١). فأخبَرَه بإِتمامِ العِبادةِ ونهاه عن فِعلِ المُباحِ ولمْ يَأمرْه بكَفارةٍ.

وعن حُميدٍ عن أَنسٍ قالَ نذَرَتِ امرَأةٌ أنْ تَمشيَ إلى بَيتِ اللهِ فسُئلَ نَبِيُّ اللهِ عن ذلك فقالَ: «إنَّ اللهَ لغَنيٌّ عن مَشيها مرُوها فلتَركَبْ» (٢).

وعن ثابتٍ البُنانيِّ عن أَنسِ بنِ مالكٍ: أنَّ رَسولَ اللهِ رَأى رَجلًا يُهادَى بينَ ابنيه فسأَلَ عنه، فقَالُوا: نذَرَ أنْ يَمشيَ. فقالَ: «إنَّ اللهَ لغَنيٌّ عن تَعذيبِ هذا نَفسَه وأمَرَه أنْ يَركبَ» (٣). ولمْ يَأمرْه بكَفارةٍ، ولأنَّه نَذرٌ غيرُ مُوجِبٍ لفِعلِ ما نذَرَه فلمْ يُوجِبْ كَفارةً كنَذرِ المُستحيلِ.

فإنْ جمَعَ بينَ مُباحٍ ومَندوبٍ لزِمَه الوَفاءُ بالمَشروعِ، وحُكمُه في المُباحِ كما لو انفَردَ، ولحَديثِ أبي إِسرائيلَ (٤).

(١) أخرجه البخاري (٦٣٢٦).
(٢) حَسَنٌ صَحِيحٌ: رواه الترمذي (١٥٣٦).
(٣) أخرجه البخاري (١٧٦٦)، ومسلم (١٦٤٢).
(٤) «بدائع الصنائع» (٥/ ٨٢)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٣٠)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٣٥٢)، و (٢/ ١٢)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٩١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٥٧)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٤/ ٢٨٦)، و «الحاوي الكبير» (١٥/ ٤٦٧)، و «روضة الطالبين» (٢/ ٧٥٣)، و «النجم الوهاج» (١٠/ ١٠٢، ١٠٣)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٢٥٨)، و «تحفة المحتاج» (١٢/ ٣١، ٣٢)، و «المغني» (١٠/ ٧٠)، و «الكافي» (٤/ ٤١٩)، و «كشاف القناع» (٦/ ٣٤٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٤٤٠)، و «منار السبيل» (٣/ ٤٤٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النذور
١٨٥٢ - مسألة؛ قال: (ومن نذر أن يطيع الله عز وجل، لزمه الوفاء به، ومن نذر أن يعصيه، لم يعصه

١٨٥٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، لَزِمَهُ الوَفَاءُ بِهِ، وَمَنْ نذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ، لَمْ يَعْصِهِ، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 664 - 666

ارجع إلى أركان النذر للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.2 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد