القسم السادس: نذر المكروه

الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان النذر > القسم السادس: نذر المكروه

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 10 دقيقة قراءة

القسم السادس: نذر المكروه - الأقوال والأدلة

القِسمُ السادسُ: نَذرُ المَكروهِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ نذَرَ نَذرًا مَكروهًا كمَن نذَرَ أنْ يُصليَ بعدَ الفَجرِ، وبعدَ العَصرِ، أو نذَرَ أنْ يَأكلَ ثُومًا أو بَصلًا، أو أنْ يُطلقَ زَوجتَه، هل يَنعقدُ هذا النَّذرُ أم لا يَنعقدُ؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ عندَهم والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ نَذرَ المَكروهِ لا يَنعقدُ، ولا يَلزمُ الوَفاءُ به، لقولِ النَّبيِّ : «لا نَذرَ إلا فيما ابتُغيَ به وَجهُ اللهِ» (١). وهذا لمْ يُبتغَ به وَجهُ اللهِ تَعالى.

ولمَا رواه البُخاريُّ عن عِكرِمةَ عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: بيْنَا النَّبيُّ يَخطبُ إذا هو برَجلٍ قَائمٍ فسأَلَ عنه، فقالُوا: أَبو إِسرائيلَ نذَرَ أنْ يَقومَ ولا يَقعدَ، ولا يَستظلَّ، ولا يَتكلمَ، ويَصُومَ، فقالَ النَّبيُّ : «مُره فليَتكلَّم، وليَستظلَّ، وليَقعدْ وليُتمَّ صَومَه» (٢). فإنَّه نذَرَ أَفعالًا تُكرَه المُداومةُ

(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٢١٩٢)، وأحمد (٦٧٣٢).
(٢) أخرجه البخاري (٦٣٢٦).

عليها وقد تَحرمُ، ولمْ يَأمرْه النَّبيُّ بكَفارةٍ، ولو كانَ مُنعقدًا لأمَرَه بالكَفارةِ (١).

قالَ الحَنفيةُ: يُشترَطُ في النَّذرِ أنْ يَكونَ قُربةً فلا يَصحُّ النَّذرُ بما ليسَ بقُربةٍ ولا بالمُباحِ كالأَكلِ والشُّربِ والجِماعِ أو للهِ عليَّ أنْ أُطلقَ امرأَتي.

ويُشترطُ أنْ يَكونَ قُربةً مَقصودةً مِنْ جِنسِها واجبٌ كالصَّومِ والصَّلاةِ والحَجِّ، وأمَّا ما ليسَ مِنْ جِنسِها واجبٌ كتَشييعِ الجِنازةِ وعيادةِ المَريضِ فلا يَصحُّ النَّذرُ به.

إلا أنَّه لو نذَرَ ما جِنسُه واجبٌ في وَقتٍ مَكروهٍ كصَلاةِ رَكعتينِ في الوَقتِ المَكروهِ جازَ له الأَداءُ فيه، والأَفضلُ أنْ يُصليَه في غيرِه (٢).

وقالَ المالِكيةُ: يَحرمُ نَذرُ المَكروهِ والمُباحِ؛ لأنَّه عظَّمَ ما لمْ يُعظمْه الشَّرعُ نَحوُ: «للهِ عليَّ»، أو: «إنْ كلَّمْتُ زَيدًا لأُصلينَّ رَكعتينِ بعدَ فَرضِ العَصرِ أو الصُّبحِ، أو لأَقرأنَّ في السِّريةِ بالجَهرِ أو العَكسِ».

وليسَ مِنْ المَكروهِ نَذرُ صَومِ رابعِ يَومِ النَّحرِ، ونَذرُ الإِحرامِ بالحَجِّ قبلَ أَشهرِه، ونَذرُ ما يَشقُّ فعلُه مِنْ صَلاةٍ أو صَومٍ، فإنَّ هذه المَذكوراتِ يَجبُ الوَفاءُ بنَذرِها؛ لأنَّ كَراهتَها لا لذاتِها، بخِلافِ نَذرِ صَلاةِ رَكعتينِ بعدَ الفَراغِ مِنْ صَلاةِ العَصرِ أو بعدَ طُلوعِ الفَجرِ فإنَّه لا يَلزمُ الوَفاءُ بنَذرِهما، وإنْ

(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ٨٢)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٣٠)، و «الفواكه الدواني» (١/ ٤١٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٥٦، ٤٥٧)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٤/ ٢٨٦)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٢٥٩). و «شرح الزركشي» (٣/ ٣٥٣)، و «المبدع» (٩/ ٣٢٨)، و «الإنصاف» (١١/ ١٢١).
(٢) «بدائع الصنائع» (٥/ ٨٢)، و «تبيين الحقائق» (١/ ٨٦)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٣٠).

كَرها، لئلَّا يَتطرقَ النَّاذرُ بفِعلِهما إلى إيقاعِهما في وَقتِ الطُّلوعِ أو الغُروبِ، ومِن المَكروهِ الذي يَجبُ الوَفاءُ به نَذرُ يَومٍ مُكرَّرٍ ككلِّ خَميسٍ (١).

وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: «تَنبيهٌ: سكَتَ المُصنفُ عن نَذرِ المَكروهِ كصَومِ الدَّهرِ غيرِ العيدِ والتَّشريقِ لمَن خافَ به ضَررًا أو فَوتَ حَقٍّ هل يَنعقدُ أو لا؟

قالَ في المَجموعِ: «يَنعقدُ ويَلزمُ الوَفاءُ به بلا خِلافٍ».

قالَ الزَّركشيُّ: «وليسَ كما قالَ بل كَلامُ المُتولي يُفهمُ عَدمَ الانعِقادِ وأشارَ إليه الرَّافعيُّ تَفقهًا؛ لأنَّ النَّذرَ تَقرُّبٌ والمَكروهُ لا يُتقربُ به، وهذا هو المُختارُ» اه.

وهذا ظاهرٌ؛ لأنَّ المُباحَ لا يَنعقدُ فالمَكروهُ بطَريقِ الأَولى.

أمَّا إذا لمْ يَخفْ به فَوتَ حَقٍّ ولا ضَررَ عليه فيَنعقدُ، فإذا نذَرَ صومًا بعدَه لمْ يَنعقدْ؛ لأنَّ الزَّمنَ مُستحِقٌّ لغيرِه ويُستثنى مِنْ صِحةِ نَذرٍ صَومِ الدَّهرِ رَمضانُ أَداءً وقَضاءً والعيدانِ وأَيامُ التَّشريقِ والحَيضُ والنُّفاسُ وكَفارةٌ تقدَّمَتْ نَذرَه فإنْ تَأخرَّتْ عنه صامَ عنها وفَدى عن النَّذرِ ويَقضي فائتَ رَمضانَ ثُم إنْ كانَ فَواتُه بلا عُذرٍ فَدى عن صَومِ النَّذرِ قَضاءَ ما يُفطرُه مِنْ الدَّهرِ، فإنْ أفطَرَ فيه فإنْ كانَ لعُذرٍ كسَفرٍ ومَرضٍ فلا فِديةَ عليه، وإنْ كانَ سَفرَ نُزهةً وإلا وجَبَت الفِديةُ عليه لتَقصيرِه، ولو أرادَ وليُّه الصَّومَ عنه حيًّا لمْ يَصحَّ

(١) «شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة» (١/ ٤١٥)، و «الفواكه الدواني» (١/ ٤١٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٥٦، ٤٥٧)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٤/ ٢٨٦).

سواءٌ أكانَ بِرًّا أم لا، عجَزَ أم لا، على المُعتمدِ، ولو منَعَ المرأةَ زوجُها مِنْ صَومِ الدَّهرِ المَنذورِ بحَقٍّ سقَطَ الصَّومُ عنها ولا فِديةَ، أو بغيرِ حَقٍّ فلا يَسقطُ الصَّومُ عنها وعليها الفِديةُ إنْ لمْ تَصمْ، وإنْ أذِنَ لها فيه فلمْ تَصمْ تَعديًا فدَتْ.

فُروعٌ: لا يَنعقدُ نَذرُ صَومِ يَومِ الشَّكِّ ولا الصَّلاةُ في الأَوقاتِ المَكروهةِ في غيرِ حَرمِ مَكةَ وإنْ صحَّ فِعلُ المَنذورِ فيهما، ولا نَذرُ التَّيممِ لأنَّه إنَّما يُؤتى به عندَ الضَّرورةِ، ويُؤخذُ مِنْ ذلك أنَّه إذا كانَ لغيرِ ضَرورةٍ كالتَّيممِ عن الغُسلِ المَندوبِ أنَّه يَصحُّ ولا يَصحُّ نَذرُ الغُسلِ لكلِّ صَلاةٍ بِناءً على الأَصحِّ مِنْ أنَّه لا يُسنُّ تَجديدُه وإنْ نذَرَ الوُضوءَ صحَّ وحُملَ على التَّجديدِ المَشروعِ وهو أنْ يَكونَ صَلى بالأولِ صَلاةً ما، وإنْ نذَرَ لكلِّ صَلاةٍ لزِمَه ويَكفيه في خُروجِه عن عُهدةِ نَذرِه وُضوءُ الحَدثِ كما مرَّتِ الإِشارةُ إليه، ولو نذَرَ صَومَ رَمضانَ في السَّفرِ انعَقدَ إنْ لمْ يَتضرَّرْ به وإلا فلا.

أو نذَرَ القيامَ في الفَرضِ في المَرضِ إنْ تضرَّرَ بذلك لمْ يَنعقدْ وإلا انعَقدَ أو نذَرَ القيامَ في النَّفلِ عندَ عَدمِ الضَّررِ انعقَدَ.

ولو نذَرَ الصَّومَ وشرَطَ ألَّا يُفطرَ في المَرضِ لمْ يَلزمْه الوَفاءُ به في المَرضِ؛ لأنَّ الواجبَ بالنَّذرِ لا يَزيدُ على الواجبِ بالشَّرعِ، وإنْ نذَرَ ألَّا يَفرَّ مِنْ جَماعةٍ مِنْ الكُفارِ وقدَرَ على مُقاومتِهم انعَقدَ نَذرُه وإلا فلا (١).

ثُم قالَ: تَنبيهٌ: يُؤخذُ مما ذكَرَه المُصنِّفُ أنَّ نَذرَ صَومِ يَومِ الجُمُعةِ مُنفردًا يَنعقدُ وبه قالَ بعضُ المُتأخِّرينَ، وهو إنَّما يَأتي على قَولِ صَحةِ نَذرِ المَكروهِ كما مرَّ عن المَجموعِ، وأمَّا على المَشهورِ في المَذهبِ مِنْ أنَّ نَذرَ

(١) «مغني المحتاج» (٦/ ٢٥٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النذور
١٨٥٢ - مسألة؛ قال: (ومن نذر أن يطيع الله عز وجل، لزمه الوفاء به، ومن نذر أن يعصيه، لم يعصه

١٨٥٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، لَزِمَهُ الوَفَاءُ بِهِ، وَمَنْ نذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ، لَمْ يَعْصِهِ، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 667 - 670

ارجع إلى أركان النذر للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.8 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل