حكم الأكل من النذر والهدي والأضاحي

الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان النذر > حكم الأكل من النذر والهدي والأضاحي

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

حكم الأكل من النذر والهدي والأضاحي - الأقوال والأدلة

لمُخالفتِه نَذرَه فقطْ، وإنْ عجَزَ عنه لعارضٍ فحُكمُه حُكمُ الصيامِ سَواءً فيما فصَّلْناه (١).

حُكمُ الأَكلِ مِنْ النَّذرِ والهَدي والأَضاحي:

الأَصلُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ أنَّه لا يَحلُّ للنَّاذرِ أنْ يَأكلَ مِنْ النَّذرِ

قالَ الحَنفيةُ: إذا نذَرَ ذَبحَ شاةٍ ولو نذَرَ أنْ يُضحيَ ولمْ يُسمِّ شَيئًا يَقعُ على الشاةِ ولا يَأكلُ الناذرُ منها، ولو أكَلَ فعليه قيمةُ ما أكَلَه لأنَّ سَبيلَها التَّصدقُ، وليسَ للمُتصدِّقِ أنْ يَأكلَ مِنْ صَدقتِه (٢).

وقالَ المالِكيةُ: لا يَجوزُ الأَكلُ مِنْ النَّذرِ المُعيِّنِ للمَساكينِ باللَّفظِ أو بالنِّيةِ بأنْ قالَ: «هذا نَذرٌ للهِ عليَّ» ونَوى أنْ يَكونَ للمَساكينِ كانُوا مُعيَّنينَ أم لا، فيَحرمُ على المُتقرِّبِ به ورَسولِه ومَأمورِهما مِمَّنْ ليسَ مُستحِقًّا الأَكلَ منه.

وأما نَذرُ المَساكينِ غيرِ المُعينِ لهم بلَفظٍ ولا نِيةٍ «كعليَّ هَديٌّ أو بَدنةٌ للمَساكينِ» فيَجوزُ الأَكلُ منه قبلَ مَحلِّه»

وأمَّا النَّذرُ غيرُ المُعيَّنِ لغيرِ المَساكينِ فيَجوزُ أنْ يَأكلَ منه مُطلقًا ويَتزودَ ويُطعمَ الغَنيَّ والفَقيرَ، وسواءٌ بلَغَتِ المَحلَّ أو عطَبَتْ، وإنَّما كانَ يَأكلُ

(١) «المغني» (١٠/ ٧٢، ٧٣)، و «المبدع» (٩/ ٣٤٠)، و «الإنصاف» (١١/ ١٤٦)، و «كشاف القناع» (٦/ ٣٥٧).
(٢) «المحيط البرهاني» (٥/ ٦٦١)، و «مجمع الأنهر» (٤/ ١٧٠)، و «الدر المختار» (٦/ ٣٢١).

منه قبلُ؛ لأنَّ عليه بَدلَه ويَأكلُ منه بعدَه لأنَّ آكلَه غيرُ مُعيَّنٍ فهو على سُنةِ الهَدايا (١).

وأمَّا الشافِعيةُ فقالَ الإمامُ الشِّيرازيُّ رحمة الله عليه: «وإنْ كانَ نَذرًا نظَرْتَ فإنْ كانَ قد عيَّنَه عما في ذِمتِه لمْ يَجزْ أنْ يَأكلَ منه؛ لأنَّه بَدلٌ عن واجبٍ فلمْ يَجزْ أنْ يَأكلَ منه كالدمِ الذي يَجبُ بتَركِ الإِحرامِ مِنْ المِيقاتِ.

وإنْ كانَ نَذرَ مُجازاةٍ كالنَّذرِ لشِفاءِ المَريضِ وقُدومِ الغائبِ لمْ يَجزْ أنْ يَأكلَ منه لأنَّه جزاءٌ فلمْ يَجزْ أنْ يَأكلَ منه كجَزاءِ الصَّيدِ، فإنْ أكَلَ شَيئًا منه ضمِنَه.

وفي ضَمانِه ثَلاثةُ أَوجهٍ:

أَحدُها: يَلزمُه قيمةُ ما أكَلَ كما لو أكَلَ منه أَجنبيٌّ.

والثانِي: يَلزمُه مِثلُه مِنْ اللَّحمِ؛ لأنَّه لو أكَلَ جَميعَه ضمِنَه بمِثلِه فإذا أكَلَ بعضَه ضمِنَه بمِثلِه.

والثَّالثُ: يَلزمُه أنْ يَشتريَ جُزءًا مِنْ حَيوانٍ مِثلِه، ويُشاركَ في ذَبحِه.

وإنْ كانَ نَذرًا مُطلقًا ففيه ثَلاثةُ أَوجهٍ:

أَحدُها: أنَّه لا يَجوزُ أنْ يَأكلَ منه لأنَّه إِراقةُ دَمٍ واجبٍ فلا يَجوزُ أنْ يَأكلَ منه كدمِ الطِّيبِ واللِّباسِ.

(١) «شرح مختصر خليل» (٢/ ٣٨٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٣٣٧، ٣٣٨)، و «الفواكه الدواني» (١/ ٣٨٣)، و «حاشية العدوي» (١/ ٧٢٥).

والثانِي: يَجوزُ لأنَّ مُطلَقَ النذرِ يُحملُ على ما تقرَّرَ في الشَّرعِ، والهَدي والأُضحيةُ المَعهودةِ في الشرعِ يَجوزُ الأَكلُ منها فحُملَ النَّذرُ عليها.

والثَّالثُ: أنَّه إنْ كانَ أُضحيةً جازَ أنْ يَأكلَ منها؛ لأنَّ الأُضحيةَ المَعهودةَ في الشَّرعِ يَجوزُ الأَكلُ منها، وإنْ كانَ هديًا لمْ يَجزْ أنْ يَأكلَ منه لأنَّ أَكثرَ الهَدايا في الشَّرعِ لا يَجوزُ الأَكلُ منها فحُملَ النَّذرُ عليها» (١).

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه في شَرحِه لكَلامِ الشِّيرازيِّ: «الحالُ الثانِي: أنْ يَكونَ الهَديُ أو الأُضحيةُ مَنذورًا، قالَ الأَصحابُ: كلُّ هَديٍ وجَبَ ابتِداءً مِنْ غيرِ التِزامٍ كدمِ التَّمتعِ والقِرانِ وجُبراناتِ الحَجِّ لا يَجوزُ الأَكلُ منه بلا خِلافٍ، فلو أكَلَ منه غرِمَ، ولا يَجبُ إِراقةُ الدَّمِ ثانيًا، وفيما يَغرمُه أَوجهٌ أَصحُّها: وهو نَصُّه في القَديمِ يَغرمُ قيمةَ اللَّحمِ، كما لو أتلَفَه غيرُه.

والثانِي: يَلزمُه مِثلُ ذلك اللَّحمِ فيَتصدَّقُ به.

والثَّالثُ: يَلزمُه شِقصٌ مِنْ حَيوانٍ مِثلِه، ويُشاركُ في ذَبيحةِ؛ لأنَّ ما أكَلَه بطَلَ حُكمُ إِراقةِ الدمِّ فيه فصارَ كما لو ذبَحَه وأكَلَ الجَميعَ فإنَّه يَلزمُه دمٌ آخرُ.

وأمَّا المُلتزِمُ بالنَّذرِ مِنْ الهدايا، فإنَّ عيَّنَه بالنَّذرِ عما في ذِمتِه مِنْ دمِ حَلقٍ أو تَطيُّبٍ ولِباسٍ وغيرِ ذلك لمْ يَجزْ له الأَكلُ منه، كما لو ذبَحَ شاةً بهذه النِّيةِ بغيرِ نَذرٍ وكالزَّكاةِ.

وإنْ نذَرَ نَذرَ مُجازاةٍ، كتَعليقِه التِزامَ الهَدي أو الأُضحيةِ بشِفاءِ المَريضِ

(١) «المهذب» (١/ ٢٤٠).

ونَحوِه لمْ يَجزِ الأَكلُ منه أيضًا كجَزاءِ الصَّيدِ، ومُقتضى كَلامِ الأَصحابِ أنَّه لا فَرقَ بينَ كَونِ المُلتزَمِ مُعيَّنًا أو مُرسلًا في الذِّمةِ ثُم يَذبحُ عنه.

فإنْ أطلَقَ الالتِزامَ فلمْ يُعلِّقْه بشَيءٍ وقلْنا بالمَذهبِ إنَّه يَصحُّ نَذرُه ويَلزمُه الوَفاءُ؛ نُظِرَ فإنْ كانَ المُلتزَمُ مُعيَّنًا بأنْ قالَ: «لله عليَّ أنْ أُضحيَ بهذه أو أُهديَ هذه» ففي جَوازِ الأَكلِ منها قَولانِ، ووَجهٌ أو ثَلاثةُ أَوجهٍ:

أَصحُّها: لا يَجوزُ الأَكلُ مِنْ الهَدي ولا الأُضحيةِ. والثانِي: يَجوزُ.

والثَّالثُ: يَجوزُ مِنْ الأُضحيةِ دونَ الهَدي، وأَدلةُ الثَّلاثةِ في الكِتابِ. ومِن هذا القَبيلِ ما المُرسَل والمَنع سواءٌ عيَّنَ عَينَه ثُم ذبَحَ أو ذبَحَ بلا تَعيينٍ؛ لأنَّه عن دَينٍ في الذِّمةِ فأشبَهَ الجُبراناتِ. وبهذا قالَ الماوَرديُّ. وهو مُقتضى سياقِ الشَّيخِ أَبي علي.

وحيثُ منَعْنا الأَكلَ في المَنذورةِ فأكَلَ فعليه الغُرمُ.

وفيما يَغرمُه الأَوجهُ الثَّلاثةُ السابقةُ في الجُبراناتِ. وحيثُ جوَّزْنا الأَكلَ ففي قَدرِ ما يَأكلُه القَولانِ في أُضحيةِ التَّطوعِ. كذا قالَه البَغويُّ.

قالَ الرَّافعيُّ: «ولك أْنْ تَقولَ ذلك الخِلافَ في قَدرِ المُستحبِّ أَكلُه. ولا يَبعدُ أنْ يُقالَ لا يُستحبُّ الأَكلُ، وأَقلُّ ما في تَركِه الخُروجُ مِنْ الخِلافِ، واللهُ أَعلمُ» (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: لا يَجوزُ الأَكلُ مِنْ المَنذورِ لتَعيينِه للهِ تَعالى ولا مِنْ نَذرِ الأُضحيةِ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ.

(١) «المجموع» (٨/ ٣٠٩، ٣١٠)، و «البيان» (٤/ ٤٧٩).

وأجازَ أَبو بَكرٍ ومالَ إليه ابنُ قُدامةَ الأَكلَ مِنْ أُضحيةِ النَذرِ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: «وإنْ نذَرَ أُضحيةً في ذِمتِه ثُم ذبَحَها فله أنْ يَأكلَ منها. وقالَ القاضِي: مِنْ أَصحابِنا مَنْ منَعَ الأَكلَ منها وهو ظاهُر كَلامِ أَحمدَ وبناه على الهَدي المَنذورِ.

ولنا: أنَّ النَّذرَ مَحمولٌ على المَعهودِ، والمَعهودُ مِنْ الأُضحيةِ الشَّرعيةِ ذَبحُها والأَكلُ منها، والنَّذرُ لا يُغيرُ مِنْ صِفةِ المَنذورِ إلا الإِيجابَ، وفارَقَ الهَديَ الواجبَ بأَصلِ الشَّرعِ لا يَجوزُ الأَكلُ منه، فالمَنذورُ مَحمولٌ عليه بخِلافِ الأُضحيةِ» (١).

وعلى المَذهبِ إنْ أكَلَ منها ما مُنعَ مِنْ أَكلِه ضمِنَه بمِثلِه لَحمًا؛ لأنَّ الجَميعَ مَضمونٌ عليه بمِثلِه حَيوانًا فكذلك أَبعاضُه، وكذلك إنْ أَعطى الجازِرَ منها شَيئًا ضمِنَه بمِثلِه.

وإنْ باعَ شَيئًا منها أو أتلَفَه ضمِنَه بمِثلِه؛ لأنَّه مَمنوعٌ مِنْ ذلك فأشبَهَ عطيَّتَه للجازرِ، وإنْ أتلَفَ أَجنبيٌّ منه شَيئًا ضمِنَه بقيمتِه؛ لأنَّ المُتلَفَ مِنْ غيرِ ذَواتٍ فلزِمَتْه قِيمتُه كما لو أتلَفَ لَحمًا لآدميٍّ مُعيَّنٍ (٢).

وقالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: «واختلَفُوا فيما يَجوزُ للمُهدي أَكلُه مِنْ الهَدي وما لا يَجوزُ.

(١) «المغني» (٩/ ٣٦٢).
(٢) «المغني» (٣/ ٢٨٨، ٢٨٩)، و «الكافي» (١/ ٤٦٨)، و «شرح الزركشي» (١/ ٥٨٤، ٥٨٥)، و «كشاف القناع» (٣/ ٢٠).

فقالَ أَبو حَنيفةَ: «لا يَأكلُ مِنْ شيءٍ مِنْ الهَدي إلا مِنْ هَدي التَّمتعِ والقِرانِ والتَّطوعِ إذا بلَغَ مَحلَّه».

وقالَ مالكٌ: «يَأكلُ مِنْ الهَدي كلِّه إلا مِنْ جَزاءِ الصَّيدِ وفِديةِ الأَذى ونَذرِ المَساكينِ، وهَديِ التَّطوعِ إذا عطَبَ قبلَ أنْ يَبلغَ مَحلَّه».

وقالَ الشافِعيُّ: «لا يَأكلُ إلا مِنْ التَّطوعِ».

وقالَ أَحمدُ في إِحدى الرِّوايتَينِ كمَذهبِ أَبي حَنيفةَ، وفي الرِّواية الثَّانيةِ: لا يَأكلُ مِنَ النَّذرِ، ولا مِنْ جَزاءِ الصَّيدِ ويَأكلُ ما سِوى ذلك» (١).

(١) «الإفصاح» (١/ ٣٢٩).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 680 - 685

ارجع إلى أركان النذر للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل