هل يجب على من نذر معصية أن يكفر كفارة يمين؟

الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان النذر > هل يجب على من نذر معصية أن يكفر كفارة يمين؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

هل يجب على من نذر معصية أن يكفر كفارة يمين؟ - الأقوال والأدلة

وهو قَولُ الحَسنِ بنِ يحيي والأَوزاعيِّ وآخرُ قَولي الشافِعيِّ، وقد رُويَ عن الأَوزاعيِّ أنَّه يَقضيهما إلا أنْ يَنويَ ألَّا يَقضيَهما ولا يَصومَهما.

واختلفَ قَولُ مالكٍ في ذلك على ثَلاثةِ أَوجهٍ:

أَحدُها: أنَّه يَقضيهما. والآخرُ: أنَّه يقضيهما إلا أن يَكون نوى أن لا يقضيهما.

والثالثُ: أنَّه لا يَقضيهما إلا أنْ يَكونَ نَوى أنْ يَصومَهما رَوى الرِّوايةَ الأولى عنه ابنُ وهبٍ، والرِّوايتَينِ الأُخريَينِ ابنُ القاسمِ، قالَ ابنُ وَهبٍ: قالَ مالكٌ فيمَن نذَرَ أنْ يَصومَ ذا الحِجةِ فإنَّه يُفطرُ يَومَ النَّحرِ ويَومينِ بَعدَه ويَقضي، وأما آخرُ أَيامِ التَّشريقِ فإنَّه يَصومُه. ورَوى ابنُ القاسمِ عن مالكٍ فيمَن نذَرَ صيامَ سَنةٍ بعَينِها أنَّه يُفطِرُ يَومَ الفِطرِ وأَيامَ النَّحرِ ولا قَضاءَ عليه إلا أنْ يَكونَ نَوى أنْ يَصومَها، قالَ: ثُم سُئلَ بعدَ ذلك عمَّن أوجَبَ صيامَ ذي الحِجةِ، فقالَ: يَقضي أَيامَ الذَّبحِ إلا أنْ يَكونَ نَوى ألَّا قَضاءَ لها، قالَ ابنُ القاسم: قولُه الأَولُ أَحبُّ إِليَّ ألَّا قَضاءَ عليه إلا أنْ يَنويَ أنْ يَقضيَه» (١).

هل يَجبُ على مَنْ نذَرَ مَعصيةٍ أنْ يُكفِّرَ كَفارةَ يَمينٍ؟

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ نذَرَ نَذرَ مَعصيةٍ هل يَجبُ عليه كَفارةُ يَمينٌ أم لا يَجبُ عليه بعدَ اتفاقِهم على أنَّه لا يَحلُ له فَعلُه؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَلزمُه كَفارةٌ يَمينٍ إذا

(١) «التمهيد» (١٣/ ٢٦، ٢٧)، و «الاستذكار» (٣/ ٣٣٢)، وينظر: «بدائع الصنائع» (٥/ ٨٢)، و «منار السبيل» (٣/ ٤٤١).

لمْ يأتِ به لمَا روَتْ عائشةُ أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «لا نَذرَ في مَعصيةٍ وكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ» (١).

ولأنَّ النَّذرَ في حُكمِ اليَمينِ، ولأنَّه حَقٌّ للهِ تَعالى، تعلَّقَ لُزومُه بقَولِه كاليَمينِ.

وقالَ النَّبيُّ لأَبي إِسرائيلَ حينَ نذَرَ أنْ يَقومَ في الشَّمسِ ولا يَقعدُ ولا يَستظلَّ ولا يَتكلمَ: «مُروه فليَتكلمْ وليَجلسْ وليَستظلَّ وليُتمَّ صَومَه» (٢) ولمْ يَأمرْه بكَفارةٍ لأنَّ النَّذرَ التِزامُ الطاعةِ وهذا التِزامُ مَعصيةٍ، ولأنَّه نَذرٌ غيرُ مُنعقدٍ فلمْ يُوجبْ شَيئًا كاليَمينِ غيرِ المُنعقِدةِ، ولأنَّ الظِّهارَ مَعصيةٌ وقد أمَرَ اللهُ بالكَفارةِ فيه.

وعن عِمرانَ بنِ حُصينٍ قالَ سمعت رَسول اللهِ يَقولُ: «النّذرُ نَذرانِ فما كانَ مِنْ نَذرٍ في طاعةِ اللهِ فذلك للَّهِ وفيه الوَفاءُ وما كانَ مِنْ نَذرٍ في مَعصيةِ اللهِ فذلك للشَّيطانِ ولا وَفاءَ فيه ويُكفرُه ما يُكفرُ اليَمينُ» (٣) وهذا نصٌّ ولأنَّ النَّذرَ يَمينٌ.

وعن عُقبةَ بنِ عامِرٍ أنَّه سأَلَ النَّبيُّ عن أُختٍ له نذَرَت أن تَحجَّ حافِيةً غيرَ مُختمِرةٍ فقالَ: «مُرُوها فلتَختمِرْ وَلتَركبْ ولتَصمْ ثَلاثةَ أيَّامٍ». وقالَ النَّبيُّ لأُختِ عُقبةَ لمَّا نذَرَتِ المَشيَّ إلى بَيتِ اللهِ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٢٩٠)، والترمذي (١٥٢٤)، وابن ماجه (٢١٢١).
(٢) أخرجه البخاري (٦٣٢٦).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه النسائي (٣٨٤٥).

الحَرامِ فلمْ تُطقْه: «تُكفِّرُ يَمينَها». صَحيحٌ أخرَجَه أَبو داودَ، وفي رِوايةٍ: «ولتَصمْ ثَلاثةَ أَيامٍ» (١).

وقالَ ابنُ عَباسٍ في التي نذَرَت ذَبحَ ابنِها: «كَفِّري يَمينَكِ».

ولو حلَفَ على فِعلِ مَعصيةٍ لزمَتْه الكَفارةُ فكذلك إذا نذَرَها (٢).

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ وأَحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ مَنْ نذَرَ مَعصيةً كللهِ عليَّ أنَّ أَشربَ الخَمرَ أو أَزنيَ أو أَسرقَ أو أَقتلَ أو أَضربَ فُلانًا فليَستغفرِ اللهَ ولا كَفارةَ عليه لقولِ النَّبيِّ : «مَنْ نذَرَ أنْ يَعصيَ اللهَ فلا يَعصِه» (٣). وقَولُ النَّبيِّ : «لا وَفاءَ لنذرٍ في مَعصيةٍ ولا فيما لا يَملكُ العَبدُ» وفي رِوايةٍ: «لا نَذرَ في مَعصيةِ اللهِ» (٤). ولمْ يَذكرْ كَفارةً ولو كانَت واجبةً لذكَرَها (٥).

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٣٢٩٣)، والترمذي (١٥٩٤)، والنسائي (٣٨١٥)، وابن ماجه (٢١٣٤)، وأحمد (١٧٣٨٦).
(٢) «فتاوى السغدي» (١/ ١٩٥)، و «المبسوط» (٨/ ١٤٢)، و «شرح مختصر الطحاوي» للجصاص (٨/ ٤٤٧)، و «المغني» (١٠/ ٦٩)، و «كشاف القناع» (٦/ ٣٤٩، ٣٥٠)، و «الروض المربع» (٢/ ٦١٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٤٤٠)، و «منار السبيل» (٣/ ٤٤١).
(٣) أخرجه البخاري (٦٧٠٠).
(٤) أخرجه مسلم (١٦٤١).
(٥) «شرح صحيح البخاري» (٦/ ١٦٣)، و «التمهيد» (٢/ ٦٤)، و «الاستذكار» (٥/ ١٨٥، ١٨٧)، و «البيان والتحصيل» (٣/ ١٢٩)، و «الحاوي الكبير» (١٥/ ٥٠١)، و «البيان» (٤/ ٤٧٢)، و «شرح صحيح مسلم» (١١/ ١٠١)، و «روضة الطالبين» (٢/ ٧٥٠، ٧٥١)، و «المغني» (١٠/ ٦٩).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: «اختلَفُوا فيمَن نذَرَ مَعصيةً، فقالَ مالكٌ والشافِعيُّ وجُمهورُ العُلماءِ ليسَ يَلزمُه في ذلك شيءٌ».

وقالَ أَبو حَنيفةَ وسُفيانُ والكُوفيونَ: «بل هو لازمٌ، واللازمُ عندَهم فيه هو كَفارةُ يَمينٍ لا فِعلُ المَعصيةِ».

وسَببُ اختِلافِهم تَعارضُ ظَواهرِ الآثارِ في هذا البابِ، وذلك أنَّه رُويَ في هذا البابِ حَديثانِ: حَديثُ عائشةَ عن النَّبيِّ عليه الصلاة والسلام أنَّه قالَ: «مَنْ نذَرَ أنْ يُطيعَ اللهَ فليُطعْه، ومَن نذَرَ أنْ يَعصيَ اللهَ فلا يَعصِه» فظاهرُ هذا أنَّه لا يَلزمُ النَّذرُ بالعِصيانِ.

والحَديثُ الثانِي حَديثُ عِمرانَ بنِ حُصينٍ وحَديثُ أَبي هُريرةَ الثابتِ عن النَّبيِّ عليه الصلاة والسلام أنَّه قالَ: «لا نَذرَ في مَعصيةِ اللهِ وكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ» (١) وهذا نَصٌّ في مَعنى اللُّزومِ فمَن جمَعَ بينَهما في هذا قالَ: الحَديثُ الأوَّلُ تَضمنَ الإِعلامَ بأنَّ المَعصيةَ لا تَلزمُ، وهذا الثانِي تَضمنَ لُزومَ الكَفارةِ، فمَن رجَّحَ ظاهرَ حَديثِ عائشةَ إذْ لمْ يَصحَّ عندَه حَديثُ عِمرانَ وأَبي هُريرةَ قالَ: ليسَ يَلزمُ في المِعصيةِ شيءٌ.

ومَن ذهَبَ مَذهبَ الجَمعِ بينَ الحَديثينِ أوجَبَ في ذلك كَفارةَ يَمينٍ.

قالَ أَبو عُمرَ بنُ عَبدِ البَرِّ: «ضعف أهل الحديث حَديث عمران وأبي هُريرةَ قالوا لأنَّ حَديثَ أَبي هُريرةَ يَدورُ على سُليمانَ بنِ أَرقمَ وهو مَتروكُ الحَديثِ.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٢٩٠)، والترمذي (١٥٢٤)، وابن ماجه (٢١٢١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النذور
١٨٥٢ - مسألة؛ قال: (ومن نذر أن يطيع الله عز وجل، لزمه الوفاء به، ومن نذر أن يعصيه، لم يعصه

١٨٥٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، لَزِمَهُ الوَفَاءُ بِهِ، وَمَنْ نذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ، لَمْ يَعْصِهِ، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ)

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الأيمان
باب كفارة يمين العبد بعد أن يعتق

بَابُ كَفَّارَةِ يَمِينِ الْعَبْدِ بَعْدَ أَنْ يُعْتَقَ

(مسألة:)

قال الشافعي: " لَا يُجْزِئُ الْعَبْدَ فِي الْكَفَّارَةِ إِلَّا الصَّوْمُ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَالًا " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا وَجَبَتْ عَلَى الْعَبْدِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوْ ظِهَارٍ أَوْ قَتْلٍ لَمْ يُجْزِهِ إِذَا لم يملكه السَّيِّدُ مَالًا أَنْ يُكَفِّرَ إِلَّا بِالصِّيَامِ، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَالِ وَهُوَ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْحُرِّ الْمُعْسِرِ الَّذِي يَصِحُّ مِنْهُ تَمَلُّكُ الْمَالِ وَإِنْ مَلَّكَهُ السَّيِّدُ مَالًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُكَفِّرَ بِهِ إِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ السَّيِّدُ فِي التَّكْفِيرِ بِهِ سَوَاءٌ حُكِمَ لَهُ بِمِلْكِ الْمَالِ أَوْ لَمْ يُحْكَمْ لِأَنَّهُ محجورٌ عَلَيْهِ فِي حَقِّ السَّيِّدِ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يُكَفِّرَ بِالْمَالِ فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْعَبْدِ هَلْ يَمْلِكُ إِذَا مَلَكَ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: يَمْلِكُ إِذَا مُلِّكَ وَبِهِ قَالَ فِي الْقَدِيمِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْحِجَازِيِّينَ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَمْلِكُ وَإِنْ ملك وَبِهِ قَالَ فِي الْجَدِيدِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْعِرَاقِيِّينَ وَقَدْ مَضَى تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ فِي غير موضع.

فإن قيل: بالجديد أن لَا يَمْلِكَ لَمْ يُكَفِّرْ إِلَّا بِالصِّيَامِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُكَفِّرَ بِإِطْعَامٍ وَلَا كِسْوَةٍ وَلَا عِتْقٍ، وَإِنْ قِيلَ بِالْقَدِيمِ إنَّهُ يَمْلِكُ إِذَا مُلِّكَ جَازَ أَنْ يُكَفِّرَ بِالْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ مَعَ مِلْكِهِ، وَفِي جَوَازِ تَكْفِيرِهِ بِالْعِتْقِ وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ كَالْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ.

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الأيمان
فصل في حكم اليمين بالله تعالى

أُمُورٌ تَشْتَبِهُ فَإِنْ لَمْ فِي مَعْنَى فَلَمْ يُحْمَلُ عَلَى مُعْظَمِ مَعَانِي كَلَامِ النَّاسِ وَلَوْ قَالَ إنْ أَتَيْتَنِي فَلَمْ آتِكِ أَوْ إنْ زُرْتنِي فَلَمْ أَزُرْكَ أَوْ إنْ أَكْرَمْتَنِي فَلَمْ أُكْرِمْكَ فَهَذَا عَلَى الْأَبَدِ وَهُوَ فِي هَذَا الْوَجْهِ مِثْلُ فَإِنْ لَمْ لِأَنَّ الزِّيَارَةَ لَا تَتَعَقَّبُ الزِّيَارَةَ عَادَةً فَكَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ الْفِعْلَ فَإِنْ قِيلَ أَتَيْتَنِي فَلَمْ آتِكِ فَالْأَمْرُ فِي هَذَا مُشْتَبِهٌ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى إنْ لَمْ آتِكَ قَبْلَ إتْيَانِكَ وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى إنْ لَمْ آتِكَ بَعْدَ إتْيَانِك فَكَانَ مُحْتَمِلًا لِلْأَمْرَيْنِ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا كَانَ الْغَالِبُ مِنْ مَعَانِي كَلَامِ النَّاسِ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى أَيَّ ذَلِكَ نَوَى مِنْ قَبْلُ أَوْ بَعْدُ حَمْلًا عَلَى مَا نَوَى وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ يُلْحَقُ بِالْمُشْتَبِهِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مَعْنًى.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 640 - 643

ارجع إلى أركان النذر للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله