إذا لم يجز الورثة الوصية للوارث

الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > إذا لم يجز الورثة الوصية للوارث

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

إذا لم يجز الورثة الوصية للوارث - الأقوال والأدلة

إذا لم يُجِزِ الوَرثةُ الوَصيةَ للوارِثِ:

أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الوَرثةَ إذا لم يُجيزوا وَصيةَ المُوصي للوارِثِ فالوَصيةُ لا تَصحُّ.

قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ: مَسألةٌ: قالَ: ولا وَصيةَ لوارِثٍ إلا أنْ يُجيزَ الوَرثةُ ذلك، وجُملةُ ذلك أنَّ الإِنسانَ إذا وَصَّى لوارِثِه بوَصيةٍ فلم يُجِزْها سائِرُ الوَرثةِ لم تَصحَّ بغيرِ خِلافٍ بينَ العُلماءِ، قالَ ابنُ المُنذرِ وابنُ عبدِ البَرِّ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على هذا (١).

وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: واتَّفقَ الجُمهورُ من فُقهاءِ الأَمصارِ على أنَّ الوَصيةَ للوارِثِ مَوقوفةٌ على إِجازةِ الوَرثةِ، فإنْ أَجازَها الوَرثةُ بعدَ المَوتِ جازَت، وإنْ رَدُّوها فهي مَردودةٌ (٢).

وقالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأَجمَعوا على أنَّها لا تَجوزُ لوارِثٍ إذا لم يُجِزْها الوَرثةُ (٣).

هل تَبطلُ الوَصيةُ للوارِثِ وإنْ أَجازَها الوَرثةُ أو لا؟

اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَصيةِ للوَرثةِ هل تَصحُّ إذا أَجازَها الوَرثةُ أو تَبطلُ وإنْ أَجازوها؟

(١) «المغني» (٦/ ٥٨).
(٢) «الاستذكار» (٧/ ٢٦٧).
(٣) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٥١).

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الوَصيةَ صَحيحةٌ إذا أَجازَها الوَرثةُ، كما إذا أَوصَى بأكثَرَ من الثُّلثِ وأَجازَه الوَرثةُ جازَ، فالوَصيةُ للوارِثِ مِثلُ ذلك، ولأنَّها عَطيةٌ من الوَرثةِ بعضِهم لبعضٍ فلذلك اعتَبَروا فيها الجَوازَ بعدَ مَوتِ المُوصي؛ لأنَّه حينَئذٍ يَصحُّ مِلكُهم وتَصحُّ عَطيتُهم، ولأنَّه تَصرفٌ صدَرَ من أهلِه في مَحلِّه فصَحَّ كما لو وَصَّى لأَجنبيٍّ، ولأنَّ امتِناعَ الجَوازِ كانَ لحَقِّهم لمَا يَلحقُهم من الأَذى والوَحشةِ بإِيثارِ بعضٍ، ولا يُوجدُ ذلك عندَ الإِجازةِ، ولأنَّ المَنعَ هو حَقٌّ للوَرثةِ ولأنَّه مَحجورٌ عليه لأَجلِهم لئلَّا يَفضُلَ بعضُهم على بعضٍ، فإذا أَجازوا فقد ترَكوا حَقَّهم فجازَ ذلك لهم؛ لأنَّ المَنعَ إنَّما تعلَّقَ بحَقِّهم فجازَ بإِجازتِهم، ولأنَّها وَصيةٌ بمُباحٍ فجازَ أنْ تَصحَّ كالوَصيةِ للأَجنبيِّ أو بزِيادةٍ على الثُّلثِ.

والخَبَرُ قد رُويَ فيه إلا أنْ يُجيزَ الوَرثةُ، والاستِثناءُ من النَّفيِ إِثباتٌ، فيَكونُ ذلك دَليلًا من صِحةِ الوَصيةِ عندَ الإِجازةِ، ولو خَلا من الاستِثناءِ كانَ مَعناه: لا وَصيةَ نافِذةً أو لازِمةً أو ما أشبَهَ هذا، أو يُقدَّرُ فيه: لا وَصيةَ لوارِثٍ عندَ عَدمِ الإِجازةِ من غيرِه من الوَرثةِ (١).

(١) «التمهيد» (١٤/ ٣٠٧)، و «الاستذكار» (٧/ ٣٦٧)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٥/ ١٥٥)، و «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٦٥)، و «تحفة الفُقهاء» (٣/ ٢٠٧)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٣٨)، و «الاختيار» (٥/ ٧٨)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٣٧٣)، و «اللباب» (٢/ ٥٩٠)، و «الحاوي الكبير» (٨/ ٢١٣)، و «المغني» (٦/ ٥٨)، و «الإفصاح» (٢/ ٧١).

إلا أنَّ الحَنابِلةَ قالوا بحُرمةِ الوَصيةِ للوارِثِ بشَيءٍ نَصًّا، سَواءٌ كانَت في صِحتِه أو مَرضِه غيرَ زَوجٍ أو زَوجةٍ؛ لقَولِ النَّبيِّ : «إنَّ اللهَ قد أَعطَى كلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه فلا وَصيةَ لوارِثٍ» (١)، وتَصحُّ هذه الوَصيةُ المُحرمةُ وتَقفُ على إِجازةِ الوَرثةِ؛ لأنَّ المَنعَ لحَقِّ الوَرثةِ فإذا رَضُوا بإِسقاطِه نفَذَ (٢).

وذهَبَ الشافِعيُّ في قَولٍ مُخرَجٍ من كَلامٍ له في بعضِ كُتبِه، وهو قَولُ المُزنِيِّ والحَنابِلةِ في قَولٍ وأهلِ الظاهِرِ إلى أنَّ الوَصيةَ لا تَصحُّ للوارِثِ وإنْ أَجازَها الوَرثةُ؛ للنَّهيِ عنها ولثُبوتِ الحُكمِ بنَسخِها بقَولِ النَّبيِّ : «إنَّ اللهَ قد أَعطَى كلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه فلا وَصيةَ لوارِثٍ» (٣)، ولم يَقُلْ: إلا أنْ يُجيزَها الوَرثةُ، فإذا منَعَ اللهُ تَعالى من ذلك فليس للوَرثةِ أنْ يُجيزوا ما أَبطَله اللهُ تَعالى على لِسانِ رَسولِه ، إلا أنْ يَبتدِئوا هِبةً لذلك من عندِ أنفُسِهم فهو مالُهم.

وقالَ المُزنِيُّ: إنَّما مُنعَ الوارِثُ من الوَصيةِ لئلَّا يأخُذَ مالَ المَيتِ من وَجهَينِ مُختلفَينِ (٤).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أَبو داود (٢٨٧٠، ٣٥٦٥)، والترمذي (٢١٢٠)، وابن ماجه (٢٧١٣)، وأَحمد (٢٢٣٤٨).
(٢) «المغني» (٦/ ٥٨)، و «الإنصاف» (٧/ ١٩٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤٤٥)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤١٠)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٧٥، ٣٧٦).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أَبو داود (٢٨٧٠، ٣٥٦٥)، والترمذي (٢١٢٠)، وابن ماجه (٢٧١٣)، وأَحمد (٢٢٣٤٨).
(٤) «التمهيد» (١٤/ ٣٠٧)، و «الاستذكار» (٧/ ٣٦٧)، و «الحاوي الكبير» (٨/ ٢١٣)، و «المغني» (٦/ ٥٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في شرائط ركن الوصية

حَيَاةِ الْمُوصِي، ثُمَّ أَرَادَ الْوَرَثَةُ أَنْ يُعْطُوهُ مِنْ الْأَوْلَادِ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَعَلَّقَتْ بِعَيْنٍ مُشَارٍ إلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ فِيهَا يَنْزِلُ فِي غَيْرِهَا، فَإِنْ دَفَعَ الْوَرَثَةُ إلَيْهِ جَارِيَةً مِنْ الْجَوَارِي لَمْ يَسْتَحِقَّ مَا وَلَدَتْ قَبْلَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَمْ تَكُنْ، وَجَبَتْ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْوَصِيَّةِ إنَّمَا يُنْقَلُ بِالْمَوْتِ فَمَا حَدَثَ قَبْلَ الْمَوْتِ يَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ، فَيَكُونُ لِلْوَرَثَةِ، وَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا بِالْمَوْتِ فَحَدَثَ الْوَلَدُ عَلَى مِلْكِهِ قَالَ: فَإِنْ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ كُلُّهَا إلَّا وَاحِدَةً تَعَيَّنَتْ الْوَصِيَّةُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَنْ يُزَاحِمُهَا فِي تَعَلُّقِ الْوَصِيَّةِ فَتَعَيَّنَتْ ضَرُورَةُ انْتِفَاءِ الْمُزَاحِمِ، فَإِنْ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ كُلُّهَا، وَقَدْ بَقِيَ لَهَا أَوْلَادٌ حَدَثَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ، أَوْ أُحْرِقَ النَّخْلُ، وَبَقِيَ لَهَا ثَمَرٌ حَدَثَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَعَلَى الْوَرَثَةِ أَنْ يَدْفَعُوا إلَيْهِ وَلَدَ جَارِيَةٍ، وَثَمَرَةَ نَخْلَةٍ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِهَا فَيَظْهَرُ الِاسْتِحْقَاقُ فِي الْوَلَدِ الْحَادِثِ بَعْدَهُ، فَإِذَا هَلَكَتْ الْأُمُّ بَقِيَ الْحَقُّ فِي الْوَلَدِ عَلَى حَالِهِ، وَلَا يَظْهَرُ فِيمَا حَدَثَ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَاَللَّهُ ﷾ ﷿ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي شَرَائِطُ رُكْن الْوَصِيَّةِ

(فَصْلٌ) :

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوصايا
باب الوصية للقرابة من ذوي الأرحام

باب الوصية للقرابة من ذوي الأرحام

مَسْأَلَةٌ:

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ قَالَ ثُلُثِي لقرابتي أو لذوي وأرحمي لِأَرْحَامِي فَسَوَاءٌ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالَأُمِّ، وَأَقْرَبُهُمْ وَأَبْعَدُهُمْ وَأَغْنَاهُمْ وَأَفْقَرُهُمْ سَوَاءٌ لِأَنَّهُمْ أُعْطُوا بِاسْمِ القرابة كما أعطي من شهد القتال باسم الحضور وإن كان من قبيلة من قريش أعطي بقرابته المعروفة عند العامة فينظر إلى القبيلة التي ينسب إليها فيقال من بني عبد مناف ثم يقال وقد تفترق بنو عبد مناف فمن أيهم؟ قيل من بني عبد يزيد بن هاشم بن المطلب فإن قيل أفيتميز هؤلاء؟ قيل نعم هم قبائل فإن قيل فمن أيهم؟ قيل من بني عبيد بن عبد يزيد فإن قيل أفيتميز هؤلاء؟ قيل نعم بنو السائب بن عبيد بن عبد يزيد فإن قيل أفيتميز هؤلاء؟ قيل نعم بنو شافع وبنو علي وبنو عباس أو عياش شك المزني وكل هؤلاء بنو السائب فإن قيل أفيتميز هؤلاء؟ قيل نعم كل بطن من هؤلاء يتميز عن صاحبه فإذا كان من آل شافع قيل لقرابته هم آل شافع دون آل علي والعباس لأن كل هؤلاء متميز ظاهر " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْوَصِيَّةُ لِلْأَقَارِبِ فَمُسْتَحَبَّةٌ وَغَيْرُ واجبة لقوله تعالى: {وإذا حضر القسمة أولوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} النساء: ٨ .

وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى وُجُوبِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} الإسراء: ٢٦ . وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى بُطْلَانِهَا لِلْجَهْلِ بِعَدَدِهِمْ، وَأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ قَرَابَةٌ لأن أبيهم يَجْمَعُهُمْ.

وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ فَاسِدٌ، أَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَمَا قَدَّمْنَا مِنَ الْآيَةِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 223 - 225

ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده