إذا مات الموصى له بعد قبول الوصية

الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > إذا مات الموصى له بعد قبول الوصية

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 21 دقيقة قراءة

إذا مات الموصى له بعد قبول الوصية - الأقوال والأدلة

إذا ماتَ المُوصَى له بعدَ قَبولِ الوَصيةِ:

لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ المُوصَى له إذا قبِلَ الوَصيةَ بعدَ مَوتِ المُوصي ثم ماتَ فقد ملَكَ الوَصيةَ وانتقَلَت إلى وَرثتِه سَواءٌ قبَضَها المُوصَى له في حَياتِه أو لا؛ لأنَّ القَبضَ ليسَ بشَرطٍ في تَملُّكِ الوَصيةِ (١).

إذا ماتَ المُوصَى له قبلَ أنْ يَقبلَ أو يَردَّ الوَصيةَ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو ماتَ المُوصَى له قبلَ أنْ يَقبلَ أو يَردَّ الوَصيةَ هل يَقومُ وارِثُ المُوصَى له مَقامَه في القَبولِ أو الرَّدِّ أو تَبطلُ الوَصيةُ بذلك أو تَنتقِلُ الوَصيةُ إلى وارِثِه وتَدخلُ في مِلكِه بغيرِ قَبولٍ منه؟ على ثَلاثةِ أَقوالٍ:

القَولُ الأولُ: أنَّ المُوصَى له إذا ماتَ قبلَ أنْ يَقبلَ أو يَردَّ قامَ وارِثُه في ذلك مَقامَه، إذا كانَ مَوتُه بعدَ مَوتِ المُوصي، وإلى هذا ذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ؛ لعُمومِ قَولِ النَّبيِّ : «مَنْ ترَكَ حَقًّا فلوَرثتِه» (٢)، والقَبولُ حَقٌّ للمُورِّثِ فثبَتَ للوارِثِ كبَقيةِ الحُقوقِ، ولأنَّ ما استحَقَّه في التَّركةِ لم يَسقُطْ بالمَوتِ كالدَّينِ، ولأنَّ كلَّ سَببٍ استحَقَّ به تَملُّكَ عَينٍ بغيرِ اختِيارِ مالِكِها لم يَبطُلْ بمَوتِه قبلَ تَملُّكِها كالرَّدِّ بالعَيبِ.

(١) «الجوهرة النيرة» (٦/ ٣٨٠)، و «الحاوي الكبير» (٨/ ٢٥٧)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٨٩)، وباقي المَصادِر السَّابقَة.
(٢) أخرجه البخاري (٦٣٥٠)، ومسلم (١٦١٩) بلفظِ: «مَنْ ترَكَ مالًا فلوَرثتِه».

ولأنَّه خيارٌ ثابِتٌ في تَملُّكِ المالِ فقامَ الوارِثُ مَقامَه كخيارِ الشُّفعةِ، وفارَقَت الوَصيةُ الهِبةَ من حيثُ إنَّ الهِبةَ قبلَ القَبضِ غيرُ لازِمةٍ فجازَ أنْ تَبطُلَ بالمَوتِ، والوَصيةُ قبلَ القَبولِ لازِمةٌ فلم تَبطُلْ بالمَوتِ.

قالَ المالِكيةُ: وسَواءٌ ماتَ المُوصَى له المُعيَّنُ قبلَ عِلمِه بالوَصيةِ أو بعدَ عِلمِه، اللَّهمَّ إلا أنْ يَردَّ المُوصي المُوصَى له بعَينِه فليس لوارِثِه القَبولُ، وتَبطُلُ الوَصيةُ بمَوتِه.

إلا أنَّهم اختلَفوا هل للوَرثةِ أنْ يَردُّوها أو لا؟

فقالَ المالِكيةُ في المَذهبِ: تَجبُ الوَصيةُ لوَرثتِه وليسَ لهم أنْ يَردُّوها إلا على وَجهِ الهِبةِ لوَرثةِ المُوصي إنْ قبِلوا (١).

وقالَ المالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إنَّ وَرثتَه مُخيَّرونَ بينَ القَبولِ والرَّدِّ؛ لأنَّه حَقٌّ ثبَتَ للمُورِّثِ فثبَتَ للوارثِ بعدَ مَوتِه، فعلى هذا إنْ رَدَّ الوارِثُ الوَصيةَ بطَلَت، وإنْ قبِلَها صَحَّت وثبَتَ المِلكُ بها،

(١) «الكافي» (١/ ٥٤٦)، و «البيان والتحصيل» (١٣/ ٤١٠)، و «الذخيرة» (٧/ ٩٣، ٩٤)، و «الجامع لمسائل المدونة» (١٩/ ٩٢٧)، و «الإشراف في مسائل الخلاف» (٥/ ١٧٢) رقم» (١٩٢٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٤٨٦، ٤٨٧)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٣٦٩، ٣٧٠)، و «الحاوي الكبير» (٨/ ٢٥٧)، و «المهذب» (١/ ٤٥٣)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٤٠٤)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٨٩)، و «المغني» (٦/ ٦٩)، و «الكافي» (٢/ ٤٨٤)، و «العدة في شرح العمدة» (١/ ٢٧٨)، و «المحرر في الفقه» (١/ ٣٨٤)، و «الإنصاف» (٧/ ٢٠٥، ٢٠٦).

وإنْ كانَ الوارِثُ جَماعةً اعتُبِرَ القَبولُ أو الرَّدُّ من جَميعِهم، فإنْ رَدَّ بعضُهم وقبِلَ بعضٌ ثبَتَ للقابِلِ حِصتُه وبطَلَت الوَصيةُ في حَقِّ مَنْ رَدَّ.

قالَ الإِمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: ولو ماتَ المُوصي ثم ماتَ المُوصَى له قبلَ أنْ يَقبلَ أو يَردَّ كانَ لوَرثتِه أنْ يَقبَلوا أو يَردُّوا، فمَن قبلَ منهم فله نَصيبُه بمِيراثِه ممَّا قبِلَ، ومَن رَدَّ كانَ ما رَدَّ لوَرثةِ المَيتِ (١).

وقالَ الإِمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: إذا ماتَ المُوصَى له قبلَ قَبولِه ورَدِّه فعلى مَذهبِ الشافِعيِّ يَقومُ وارِثُه مَقامَه في القَبولِ والرَّدِّ، ولا تَبطُلُ الوَصيةُ بمَوتِه قبلَ القَبولِ (٢).

وقالَ ابنُ قُدامةَ: فإنْ كانَ فيهم مَنْ ليسَ من أهلِ التَّصرفِ قامَ وَليُّه مَقامَه في القَبولِ والرَّدِّ، وليسَ له أنْ يَفعلَ إلا ما للمَولَى عليه الحَظُّ فيه، فإنْ فعَلَ غيرُه لم يَصحَّ، فإذا كانَ الحَظُّ في قَبولِها فرَدَّها لم يَصحَّ رَدُّه وكانَ له قَبولُها بعدَ ذلك، وإنْ كانَ الحَظُّ في رَدِّها فقبِلَها لم يَصحَّ قَبولُه؛ لأنَّ الوَليَّ لا يَملِكُ التَّصرفَ في حَقِّ المَولى عليه بغيرِ ما له الحَظُّ فيه، فلو أَوصَى لصَبيٍّ بذي رَحمِه له يُعتَقُ بمِلكِه له وكانَ على الصَّبيِّ ضَررٌ في ذلك بأنْ تَلزمَه نَفقةُ المُوصَى به لكَونِه فَقيرًا لا كَسبَ له، والمَولَى عليه مُوسرٌ لم يَكنْ له قَبولُ الوَصيةِ، وإنْ لم يَكنْ عليه ضَررٌ لكَونِ المُوصَى به ذا كَسبٍ أو لكَونِ المَولَى عليه فَقيرًا لا تَلزمُه نَفقتُه تَعيَّن قَبولُ الوَصيةِ؛ لأنَّ في ذلك نَفعًا

(١) «الأم» (٤/ ٩٧).
(٢) «الحاوي الكبير» (٨/ ٢٥٧، ٢٥٨).

للمَولى عليه لعِتقِ قَرابتِه وتَحريرِه من غيرِ ضَررٍ يَعودُ عليه فتعَيَّن ذلك، واللهُ أعلَمُ (١).

القَولُ الثاني: الوَصيةُ تَبطلُ ولا يَقومُ الوارِثُ مَقامَه، ويَبطلُ حَقُّه من القَبولِ عليها، وهو قَولُ الأبهَريِّ من المالِكيةِ والحَنابِلةِ في رِوايةٍ؛ لأنَّه عَقدٌ يَفتقِرُ إلى القَبولِ، فإذا ماتَ مَنْ له القَبولُ قبلَه بطَلَ العَقدُ كالهِبةِ (٢).

القَولُ الثالِثُ: أنَّ المُوصَى له إذا ماتَ بعدَ مَوتِ المُوصي وقبلَ القَبولِ أو الرَّدِّ صارَ المُوصَى به مِلكًا لوَرثةِ المُوصَى له بغيرِ قَبولٍ، وهو مَذهبُ الحَنفيةِ والمالِكيةِ في قَولٍ والحَنابِلةِ في قَولٍ وهذا استِحسانٌ عندَ الحَنفيةِ؛ لأنَّ الوَصيةَ من جانِبِ المُوصي قد تمَّت بمَوتِه تَمامًا لا يَلحقُه الفَسخُ من جِهتِه، وإنَّما تَوقَّفت لحَقِّ المُوصَى له، فإذا ماتَ دخَلَ في مِلكِه كما في البَيعِ المَشروطِ فيه الخيارُ إذا ماتَ قبلَ الإِجازةِ.

ولأنَّ أحدَ الرُّكنَينِ من جانِبِ المُوصَى له هو عَدمُ الرَّدِّ منه، وذلك بوُقوعِ اليَأسِ على الرَّدِّ منه، وقد حصَلَ ذلك بمَوتِه فتَمَّ الرُّكنُ.

وأمَّا على عِبارةِ القَبولِ فنَقولُ: إنَّ القَبولَ مِنْ المُوصَى له لا يُشتَرطُ لعَينِه، بل لوُقوعِ اليَأسِ عن الرَّدِّ وقد حصَلَ ذلك بمَوتِ المُوصَى له.

والقياسُ أنْ تَبطلَ الوَصيةُ؛ لأنَّ القَبولَ أحدُ رُكنَيِ العَقدِ وقد فاتَ

(١) «المغني» (٦/ ٦٩، ٧٠)، ويُنظَر: «الأم» (٤/ ٩٧)، و «الذخيرة» (٧/ ٩٣، ٩٤).
(٢) «المغني» (٦/ ٦٩)، و «المحرر» (١/ ٣٨٤)، و «الذخيرة» (٧/ ٥٥)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٣٦٩).

بالمَوتِ فيَبطلَ الرُّكنُ الآخَرُ، كما إذا أوجَبَ البَيعَ ثم ماتَ المُشتَري قبلَ القَبولِ، أو أوجَبَ الهِبةَ ثم ماتَ المَوهوبُ له قبلَ القَبولِ، يَبطلُ الإِيجابُ لمَا قُلنا، كذا هذا.

وإنْ لم يَعلمِ المُوصَى له بالوَصيةِ حتى ماتَ أو علِمَ ولم يَقبَلْ حتى ماتَ فهو على القياسِ والاستِحسانِ اللذَينِ ذكَرنا (١).

وقالَ عَلاءُ الدِّينِ السَّمرقَنديُّ: ولو ماتَ المُوصَى له بعدَ مَوتِ المُوصي قبلَ القَبولِ والرَّدِّ فالقياسُ ألَّا يَكونَ لوَرثةِ المُوصَى له شَيءٌ؛ لأنَّ القَبولَ لم يُوجَدْ من المُوصَى له فيَبطلُ، وفي الاستِحسانِ يَصيرُ لوَرثتِه إمَّا لأنَّه وُجدَ القَبولُ منه دِلالةً أو لأنَّ الإِيجابَ قد تم بنَفسِه وتوقَّفَ على قَبولِه، فإذا ماتَ ثبَتَ المِلكُ له كأنَّه قبِلَ دِلالةً كالمُشتَري بالخيارِ إذا ماتَ يَلزمُ العَبدَ.

فلو رَدَّ وَرثتُه بعدَ مَوتِه هل يَصحُّ رَدُّهم؟ اختَلفَ المَشايخُ فيه: قيلَ: يَجوزُ الرَّدُّ؛ لأنَّه صَحَّ لوُجودِ القَبولِ منهم دِلالةً، فإذا وُجدَ الرَّدُّ صَريحًا يَبطلُ.

وقيلَ: لا يَجوزُ؛ لأنَّه صارَ مِيراثًا للوَرثةِ عن المُوصَى له لصَيرورتِه مِلكًا له بالمَوتِ ولا يَصحُّ رَدُّ المِيراثِ (٢).

(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٣٢)، و «العناية شرح الهداية» (١٦/ ٧٤، ٧٥)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٤٢٢)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٣٨٣)، و «اللباب» (٢/ ٥٩٢)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٣٦٩).
(٢) «تحفة الفُقهاء» (٣/ ٢٠٦، ٢٠٧).

وقالَ أَبو القاسِمِ بنُ السِّمَنانِيِّ الحَنفيُّ رحمة الله عليه: ولو ماتَ المُوصي ثم ماتَ بعدَه المُوصَى له ولم يَقبَلْ ولم يَردَّ فهو قَبولٌ، ويَنتقِلُ عندَ عُلمائِنا الثَّلاثةِ.

وقالَ زُفرُ: يَكونُ لوَرثةِ المُوصي ولا يَملكُها المُوصَى له كما لا يَملكُ البَيعَ بمَوتِ المُشتَري قبلَ القَبولِ.

وشبَّهَ أَصحابُنا ذلك بمَن له الخيارُ إذا ماتَ بطَلَ خيارُه وملَكَ الوَرثةُ ذلك؛ لأنَّ الوَصيةَ لزِمَت من جِهةِ المُوصي بحيث لا يَلحقُها الفَسخُ (١).

وقالَ أَبو الوَليدِ بنُ رُشدٍ: واختَلفَ إنْ ماتَ المُوصَى له بعدَ مَوتِ المُوصي قبلَ أنْ يَقبلَ، فقيل: إنَّ وَرثتَه يَنزِلونَ في القَبولِ أو الرَّدِّ مَنزلتَه، وهو قَولُ مالِكٍ في «المُدوَّنة».

وقيلَ: إنَّ الوَرثةَ لا يَنزِلونَ مَنزلتَه في ذلك، وتَبطلُ الوَصيةُ وتَرجعُ مِيراثًا لوَرثةِ المُوصي، وإلى هذا ذهَبَ أَبو بَكرٍ الأبْهَريُّ حَكاه عنه عبدُ الوَهابِ في «المُدوَّنة».

والقَولُ الثاني: تَجبُ له بمَوتِ المُوصي دونَ القَبولِ، وهو أحدُ قَولَيِ الشافِعيِّ، فعلى قَولِه إنْ ماتَ المُوصَى له بعدَ مَوتِ المُوصي وجَبَت الوَصيةُ لوَرثتِه، ولم يَكنْ لهم أنْ يَردُّوها إلا على وَجهِ الهِبةِ لوَرثةِ المُوصي إنْ قبِلوا، واللهُ أعلَمُ (٢).

(١) «روضة القضاة وطريق النجاة» (٢/ ٦٨٢).
(٢) «المقدمات الممهدات» (٣/ ١٢٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوصايا
٩٥٩ - مسألة؛ قال: (وإن رد الموصى له الوصية، بعد موت الموصى، بطلت الوصية)

لكل واحدٍ من فُلانٍ وفُلانٍ بِنِصْفِ الثُّلُثِ، أو بِنِصْفِ المائةِ، أو بخَمْسِينَ. لم يَسْتَحِقَّ أحَدُهُما أكثَرَ من نِصْفِ الوَصِيَّةِ، سواءٌ كان شَرِيكُه حَيًّا أو مَيِّتًا؛ لأنَّه عَيَّنَ وَصِيَّتَه في النِّصْفِ، فلم يكُنْ له حَقٌّ فيما سِوَاهُ.

٩٥٩ - مسألة؛ قال: (وَإنْ رَدَّ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيّةَ، بَعْدَ مَوْتِ المُوصِى، بَطَلَتِ الْوَصِيّةُ)

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في حكم الوصية

الْأَرْضِ، فَنَبَتَتْ وَصَارَتْ بَقْلًا أَوْ بِالْبَيْضَةِ، فَصَارَتْ فَرْخًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِيمَا أَوْصَى بِهِ، فَيَثْبُتُ الرُّجُوعُ ضَرُورَةً هَذَا إذَا تَغَيَّرَ الْمُوصَى بِهِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ صَارَ شَيْئًا آخَرَ لِزَوَالِ مَعْنَاهُ، وَاسْمِهِ، فَتَعَذَّرَ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ فِيمَا أَوْصَى بِهِ.

وَأَمَّا إذَا تَغَيَّرَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَحُكْمُهُ يُذْكَرُ فِي بَيَانِ مَا تَبْطُلُ بِهِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَلَوْ أَوْصَى بِرُطَبِ هَذَا النَّخْلِ، فَصَارَ بُسْرًا فَالْقِيَاسُ أَنْ تَبْطُلَ الْوَصِيَّةُ لِتَغَيُّرِ الْمُوصَى بِهِ، وَهُوَ الرُّطَبُ مِنْ الرُّطُوبَةِ إلَى الْيُبُوسَةِ.

وَزَوَالِ اسْمِهِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الذَّاتِ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ بَقِيَ مِنْ وَجْهٍ.

أَلَا يَرَى أَنَّ غَاصِبًا لَوْ غَصَبَ رُطَبَ إنْسَانٍ، فَصَارَ تَمْرًا فِي يَدِهِ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ بَلْ يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ تَمْرًا، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ رُطَبًا مِثْلَ رُطَبِهِ.

فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ الْوَصِيَّةِ فَالْوَصِيَّةُ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ: وَصِيَّةٌ بِالْمَالِ، وَوَصِيَّةٌ بِفِعْلٍ مُتَعَلِّقٍ بِالْمَالِ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمَالِ، أَمَّا الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ فَحُكْمُهَا ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْمَالِ الْمُوصَى بِهِ لِلْمُوصَى لَهُ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الأقضية واليمين مع الشاهد وما دخل فيه من اختلاف الحديث وغير ذلك)
( [باب الشهادة في الوصية] )

( باب الشهادة في الوصية )

(مسألة)

: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ لِعَبْدٍ أَنَّ فُلَانًا الْمُتَوَفَّى أَعْتَقَهُ وَهُوَ الثُّلُثُ فِي وَصِيَّتِهِ وَشَهِدَ وَارِثَانِ لِعَبْدٍ غَيْرِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ وَهُوَ الثُّلُثُ فِي الِاثْنَيْنِ فَسَوَاءٌ وَيُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهُ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) قِيَاسُ قَوْلِهِ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا وَقَدْ قَالَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْبَابِ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صُورَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هَلْ هِيَ فِي الْعِتْقِ النَّاجِزِ فِي الْمَرَضِ، أَوِ الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ بَعْدَ الْمَوْتِ؟

وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ يَحْتَمِلُ كِلَا الْأَمْرَيْنِ، لِأَنَّه قَالَ: وَلَوْ شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ وَهُوَ الثُّلُثُ فِي وَصِيَّتِهِ، وَيَشْهَدُ وَارِثَانِ لعبد غيره أنه أعتقه وهو الثلث في وَصِيَّتِهِ، فَلَهُمْ فِي مُرَادِ الشَّافِعِيِّ تَأْوِيلَانِ تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهُمَا بِاخْتِلَافِ الْمُرَادِ بِهَا:

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ، وَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، إِنَّهَا مَقْصُورَةٌ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ بَعْدَ الْمَوْتِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 122 - 127

ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل