الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > إذا وجدت وصيته بخطه ولم يشهد عليها
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةإذا وُجدَت وَصيتُه بخَطِّه ولم يُشهِدْ عليها:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن وُجدَت وَصيتُه بخَطِّه وعُرفَ أنَّه خَطُّه، هل تُقبلُ وَصيتُه بهذا أو لا بُدَّ من الإِشهادِ؟
فذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ ومُحمدُ بنُ نَصرٍ المَروزيُّ إلى أنَّ مَنْ وُجدَت وَصيتُه بخَطِّه صَحَّت، نقَلَ إِسحاقُ بنُ إِبراهيمَ عن أَحمدَ أنَّه قالَ: «مَنْ ماتَ فوُجدَت وَصيتُه مَكتوبةً عندَ رَأسِه ولم يُشهِدْ عليها وعُرفَ خَطُّه وكانَ مَشهورَ الخَطِّ يُقبلُ ما فيها».
ووَجهُ ذلك قَولُ النَّبيِّ ﷺ: «ما حَقُّ امرِئٍ مُسلمٍ له شَيءٌ يُوصي فيه يَبيتُ ليلَتَينِ إلا ووَصيتُه عندَه مَكتوبةٌ» (١)، ولم يَذكُرْ أمرًا زائِدًا على الكِتابةِ، فدَلَّ على الاكتِفاءِ بها، ولأنَّه لو لم يَجُزْ الاعتِمادُ على الخَطِّ لم تَكُنْ لكِتابةِ وَصيتِه فائِدةٌ.
ولأنَّ الوَصيةَ يُتسامَحُ فيها ويَصحُّ تَعليقُها على الخَطرِ والغَررِ وتَصحُّ للحَملِ، وبالحَملِ وبما لا يُقدَرُ على تَسليمِه فجازَ أنْ يُتسامَحَ فيها بقَبولِ الخَطِّ كرِوايةِ الحَديثِ وكما لو كتَبَ الطَّلاقَ ولم يَتلفَّظْ به (٢).
(١) أخرجه البخاري (٢٧٣٨)، ومسلم (١٦٢٧).
(٢) «المغني» (٦/ ٩٩)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٤٢١، ٤٢٢)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٢٣٦)، و «الطرق الحكمية ص (٣٠١)، و «المبدع» (٦/ ٧)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٠٧)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٤٤٥)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٢٦٤).
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: وتَنفُذُ الوَصيةُ بالخَطِّ المَعروفِ، وكذا الإِقرارُ إذا وُجدَ في دَفتَرِه، وهو مَذهبُ الإِمامِ أَحمدَ (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ القَيمِ: وجُمهورُ أهلِ العِلمِ -بل إِجماعُ أهلِ الحَديثِ قاطِبةً- على اعتِمادِ الراوي على الخَطِّ المَحفوظِ عندَه وجَوازِ التَّحديثِ به، إلا خِلافًا شاذًّا لا يُعتدُّ به، ولو لم يُعتمَدْ على ذلك لضاعَ الإِسلامُ اليَومَ وسُنةُ رَسولِ اللهِ ﷺ، فليس بأيدي الناسِ بعدَ كِتابِ اللهِ إلا هذه النُّسخُ المَوجودةُ من السُّننِ، وكذلك كُتبُ الفِقهِ الاعتِمادُ فيها على النَّسخِ، وقد كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَبعثُ كُتبَه إلى المُلوكِ وغيرِهم وتَقومُ بها حُجَّتُه، ولم يَكنْ يُشافِهُ رَسولًا بكِتابِه بمَضمونِه قَطُّ ولا جَرى هذا في مُدةِ حَياتِه ﷺ، بل يَدفعُ الكِتابَ مَختومًا ويأمُرُه بدَفعِه إلى المَكتوبِ إليه، وهذا مَعلومٌ بالضَّرورةِ لأهلِ العِلمِ بسِيرتِه وأَيامِه، وفي الصَّحيحِ عنه ﷺ أنَّه قالَ: «ما حَقُّ امرِئٍ مُسلمٍ له شَيءٌ يُوصي به يَبيتُ لَيلتَينِ إلا ووَصيتُه مَكتوبةٌ عندَه»، ولو لم يَجُزْ الاعتِمادُ على الخَطِّ لم تَكُنْ لكِتابةِ وَصيتِه فائِدةٌ.
قالَ إِسحاقُ بنُ إِبراهيمَ: قُلتُ لأَحمدَ: الرَّجلُ يَموتُ وتُوجدُ له وَصيةٌ تحتَ رأسِه من غيرِ أنْ يَكونَ أشهَدَ عليها أو أعلَمَ بها أحدًا، هل يَجوزُ إِنفاذُ ما فيها؟ قالَ: إنْ كانَ قد عُرفَ خَطُّه وكانَ مَشهورَ الخَطِّ؛ فإنَّه يَنفُذُ ما فيها.
(١) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٥٢٠).
وقد نَصَّ في الشَّهادةِ أنَّه إذا لم يَذكُرْها ورأى خَطَّه لا يَشهَدُ حتى يَذكرَها، ونَصَّ فيمَن كتَبَ وَصيتَه وقالَ: «اشهَدوا علَيَّ بما فيها» أنَّهم لا يَشهَدونَ إلا أنْ يَسمَعوها منه أو تُقرأَ عليه فيُقرَّ بها.
فاختَلفَ أَصحابُنا، فمِنهم من خرَّجَ في كلِّ مَسألةٍ حُكمَ الأُخرى وجعَلَ فيها وَجهَينِ بالنَّقلِ والتَّخريجِ، ومنهم مَنْ امتنَعَ من التَّخريجِ وأقَرَّ النَّصَّينِ وفرَّقَ بينَهما.
واختارَ شَيخُنا التَّفريقَ، قالَ: والفَرقُ أنَّه إذا كتَبَ وَصيتَه وقالَ: اشهَدوا علَيَّ بما فيها؛ فإنَّهم لا يَشهَدونَ؛ لجَوازِ أنْ يَزيدَ في الوَصيةِ ويَنقُصَ ويُغيِّرَ، وأمَّا إذا كتَبَ وَصيتَه ثم ماتَ وعُرفَ أنَّه خَطُّه؛ فإنَّه يَشهدُ لزَوالِ هذا المَحذورِ، والحَديثُ المُتقدِّمُ كالنَّصِّ في جَوازِ الاعتِمادِ على خَطِّ المُوصي، وكُتبُه ﷺ إلى عُمالِه وإلى المُلوكِ وغيرِهم تَدلُّ على ذلك، ولأنَّ الكِتابةَ تَدلُّ على المَقصودِ فهي كاللَّفظِ، ولهذا يَقعُ بها الطَّلاقُ.
قالَ القاضي: وثُبوتُ الخَطِّ في الوَصيةِ يَتوقَّفُ على مُعاينةِ البَيِّنةِ أو الحاكِمِ لفِعلِ الكِتابةِ؛ لأنَّها عَملٌ، والشَّهادةُ على العَملِ طَريقُها الرُّؤيةُ.
وقَولُ الإِمامِ أَحمدَ: «إنْ كانَ قد عُرفَ خَطُّه وكانَ مَشهورَ الخَطِّ يَنفُذُ ما فيها». يَرُدُّ ما قالَه القاضي؛ فإنَّ أَحمدَ علَّقَ الحُكمَ بالمَعرفةِ والشُّهرةِ من غيرِ اعتِبارٍ لمُعاينةِ الفِعلِ، وهذا هو الصَّحيحُ؛ فإنَّ القَصدَ حُصولُ العِلمِ بنِسبةِ الخَطِّ إلى كاتِبِه، فإذا عُرفَ ذلك وتُيقِّنَ كانَ كالعِلمِ بنِسبةِ اللَّفظِ إليه؛ فإنَّ الخَطَّ دالٌّ على اللَّفظِ واللَّفظُ دالٌّ على القَصدِ والإِرادةِ، وغايةُ ما يُقدَّرُ
اشتِباهُ الخُطوطِ، وذلك كما يَعرِضُ من اشتِباهِ الصُّورِ والأَصواتِ، وقد جعَلَ اللهُ سُبحانَه لخَطِّ كلِّ كاتِبٍ ما يَتميَّزُ به عن خَطِّ غيرِه كتَميُّزِ صُورتِه وصَوتِه عن صُورتِه وصَوتِه، والناسُ يَشهَدونَ شَهادةً لا يَستَريبونَ فيها أنَّ هذا خَطُّ فُلانٍ، وإنْ جازَت مُحاكاتُه ومُشابَهتُه فلا بُدَّ من فَرقٍ، وهذا أمرٌ يَختصُّ بالخَطِّ العَربيِّ، ووُقوعُ الاشتِباهِ والمُحاكاةِ لو كانَ مانِعًا لمنَعَ من الشَّهادةِ على الخَطِّ عندَ مُعايَنتِه إذا غابَ عنه لجَوازِ المُحاكاةِ.
دَلَّت الأدِلةُ المُتضافِرةُ التي تَقرُبُ من القَطعِ على قَبولِ شَهادةِ الأَعمى فيما طَريقُه السَّمعُ إذا عُرفَ الصَّوتُ، مع أنَّ تَشابُهَ الأَصواتِ إنْ لم يَكنْ أعظَمَ من تَشابُهِ الخُطوطِ فليس دونَه، وقد صرَّحَ أَصحابُ أَحمدَ والشافِعيِّ بأنَّ الوارِثَ إذا وجَدَ في دَفتَرِ مُورِّثِه: «لي عندَ فُلانٍ كذا» جازَ له أنْ يَحلفَ على استِحقاقِه، وأظُنُّه مَنصوصًا عليها، وكذلك لو وُجدَ في دَفترِه: «أدَّيتُ إلى فُلانٍ مالَه علَيَّ» جازَ له أنْ يَحلفَ على ذلك إذا وثِقَ بخَطِّ مُورِثِه وأَمانتِه، ولم يَزلِ الخُلفاءُ والقُضاةُ والأُمراءُ والعُمالُ يَعتمِدونَ على كُتبِ بَعضِهم إلى بَعضٍ ولا يُشهِدونَ حامِلَها على ما فيها ولا يَقرَؤُونَها عليه، هذا عَملُ الناسِ من زَمنِ نَبيِّهم إلى الآنَ، قالَ البُخاريُّ في صَحيحِه: بابُ الشَّهادةِ على الخَطِّ وما يَجوزُ من ذلك وما يُضيَّقُ منه عليه وكِتابِ الحاكِمِ إلى عُمالِه والقاضي إلى القاضي، وقالَ بعضُ الناسِ: كِتابُ الحاكِمِ جائِزٌ إلا في الحُدودِ، ثم قالَ: وإنْ كانَ القَتلُ خَطأً؛ لأنَّ هذا مالٌ يَزعمُه، وإنَّما صارَ مالًا بعدَ أنْ ثبَتَ القَتلُ، فالخَطأُ والعَمدُ واحِدٌ.
وقد كتَبَ عُمرُ إلى عامِلِه في الحُدودِ، وكتَبَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ في سِنٍّ كُسِرت.
وقالَ إِبراهيمُ: كِتابُ القاضي إلى القاضي جائِزٌ إذا عُرفَ الكِتابُ والخاتَمُ … (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والإِمامُ أَحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يُقبلُ الخَطُّ في الوَصيةِ حتى يُشهَدَ عليها ويَطَّلعَ الشُّهودُ على ما فيها أو تُقرأَ عليه فيُقرَّ بما فيها. (غيرَ أنَّ المالِكيةَ لا يَشتَرطونَ اطِّلاعَ الشُّهودِ على ما فيها كما سيأتي).
قالَ ابنُ قُدامةَ: وبهذا قالَ الحَسنُ وأَبو قِلابةَ والشافِعيُّ وأَبو ثَورٍ وأَصحابُ الرأيِ؛ لأنَّ الحُكمَ لا يَجوزُ برُؤيةِ خَطِّ الشاهِدِ بالشَّهادةِ فكذا ههنا، وأبلَغُ من هذا أنَّ الحاكِمَ لو رأى حُكمَه بخَطِّه تحتَ خَتمِه ولم يَذكُرْ أنَّه حكَمَ به أو رأى الشاهِدُ شَهادتَه بخَطِّه ولم يَذكُرِ الشَّهادةَ لم يَجُزْ للحاكِمِ إِنفاذُ الحُكمِ بما وجَدَه، ولا للشاهِدِ الشَّهادةُ بما رأى خَطَّه به فههنا أوْلى (٢).
وقالَ المالِكيةُ: إذا وُجدَت وَثيقةٌ مَكتوبةٌ بخَطِّ المَيتِ وثبَتَ عندَ الحاكِمِ بالبَيِّنةِ الشَّرعيةِ أنَّها خَطُّ المُوصي والحالُ أنَّه لم يَقُلْ أَنفِذوها؛ فإنَّ ذلك لا
(١) «الطرق الحكمية» (٣٠٠، ٣٠٣).
(٢) «المغني» (٦/ ٩٩)، ويُنظَر: «الشرح الكبير» (٦/ ٤٢١، ٤٢٢)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٢٣٦)، و «المبدع» (٦/ ٧)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٠٧)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٤٠١، ٤٠٢)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٢٦٣، ٢٦٤)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٨٦، ٨٧)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ١٧٦، ١٧٧)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٧٤، ٧٥).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوصايا
٩٦٩ - مسألة؛ قال: (ومن كتب وصية، ولم يشهد فيها، حكم بها، ما لم يعلم رجوعه عنها)
الحَسَنُ، وأبو قِلَابَةَ، والشافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّ الحُكْمَ لا يجوزُ برُؤْيَةِ خَطِّ الشاهِدِ بالشَّهَادَةِ بالإِجْماعِ، فكذا ههُنا، وأبْلَغُ من هذا أنَّ الحاكِمَ لو رَأَى حُكْمَه بخَطِّه تَحْتَه خَتْمُه، ولم يَذْكُرْ أنه حَكَمَ به، أو رَأَى الشاهِدُ شَهَادَته بخَطِّه، ولم يَذْكُر الشّهَادَةَ، لم يَجُزْ لِلْحاكِمِ إنْفَاذُ الحُكْمِ بما وَجَدَه، ولا لِلشَّاهِدِ الشّهَادَةُ بما رَأَى خَطَّه به، فههُنا أَوْلَى. وقد نَصَّ أحمدُ على هذا في الشَّهادَةِ. ووَجْهُ قولِ الخِرَقِيِّ، قولُ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَهُ شَىْءٌ يُوصِى فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، إلَّا وَوَصِيَّتُه مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ" . ولم يَذْكُرْ شَهادةً . وما ذَكَرْناه في الفَصْلِ الذي يَلِى هذا، ولأنَّ الوَصِيّةَ يُتَسَامَحُ فيها، ولهذا صَحَّ تَعْلِيقُها على الخَطَرِ والغَرَرِ، وصَحَّتْ لِلْحَمْلِ، وبه ، وبما لا يُقْدَرُ على تَسْلِيمِه، وبالمَعْدُومِ والمَجْهُولِ، فجازَ أن يُتَسَامَحَ فيها بِقَبُولِ الخَطِّ، كرِوَايةِ الحَدِيثِ.
فصل: وإن كَتَبَ وَصِيَّتَه، وقال: اشْهَدُوا علىَّ بما في هذه الوَرَقَةِ. أو قال: هذه وَصِيَّتِى، فاشْهَدُوا علىَّ بها. فقد حُكِى عن أحمدَ، أنَّ الرَّجُلَ إذا كَتَبَ وَصِيَّتَه، وخَتَمَ عليها، وقال للشُّهُودِ: اشْهَدُوا عَلىَّ بما في هذا الكِتَابِ. لا يجوزُ حتى يَسْمَعُوا منه ما فيه، أو يُقْرَأَ عليه فيُقِرَّ بما فيه. وهو قولُ مَنْ سَمَّيْنَا في المَسْأَلةِ الأُولَى. ويَحْتَمِلُ كَلَامُ الخِرَقِيِّ جَوَازَه؛ لأنَّه إذا قُبِلَ خَطُّه المُجَرَّدُ، فهذا أَوْلَى. وممَّن قال ذلك عبدُ المَلِكِ بن يَعْلَى ، ومَكْحُولٌ، ونُمَيْرُ بن إبْراهيمَ ، ومالِكٌ، واللَّيْثُ، والأَوْزاعِيُّ،
ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.