الأمر الثالث: الفعل

الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > الأمر الثالث: الفعل

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

الأمر الثالث: الفعل - الأقوال والأدلة

قالوا: والمُوصَى به يُملَكُ بالقَبولِ؛ لأنَّ الوَصيةَ مُثبِتةٌ للمِلكِ، والقَبولُ شَرطٌ للدُّخولِ فيه إلا في مَسألةٍ واحِدةٍ، وهي أنْ يَموتَ المُوصي ثم يَموتَ المُوصَى له قبلَ القَبولِ والرَّدِّ، فيَدخلَ المُوصَى به في مِلكِ وَرثةِ المُوصَى له؛ لأنَّ الوَصيةَ قد تمَّتْ من جانِبِ المُوصي بمَوتِه تَمامًا لا يَلحقُه الفَسخُ من جِهتِه، وإنَّما توقَّفَ لحَقِّ المُوصَى له، فإذا ماتَ دخَلَ في مِلكِه كما في البَيعِ المَشروطِ فيه الخيارُ للمُشتَري إذا ماتَ قبلَ الإِجازةِ (١).

الأمرُ الثالِثُ: الفِعلُ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الفِعلِ، هل يَقومُ مَقامَ القَولِ في قَبولِ الوَصيةِ أو لا بُدَّ من القَولِ؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ وبعضُ الشافِعيةِ -وهو مُقتَضى كَلامِ المالِكيةِ- إلى أنَّ الفِعلَ يَقومُ مَقامَ القَولِ في الوَصيةِ.

قالَ الحَنفيةُ: القَبولُ تارةً يَكونُ باللَّفظِ وتارةً يَكونُ بالفِعلِ:

فالقَبولُ بالفِعلِ بأنْ يَبيعَ الوَصيُّ التَّركةَ قبلَ القَبولِ باللَّفظِ، فهو قَبولٌ؛ لأنَّه دِلالةُ الالتِزامِ، وهو مُعتبَرٌ بالمَوتِ، ويَنفُذُ البَيعُ لصُدورِه من الوَصيِّ سَواءٌ علِمَ بالإِيصاءِ أو لم يَعلَمْ بخِلافِ الوَكيلِ حيثُ لا يَكونُ وَكيلًا من غيرِ عِلمٍ؛ لأنَّ التَّوكيلَ إِنابةٌ في حالِ قيامِ وِلايةِ المُوكَّلِ ولا يَصحُّ من غيرِ عِلمٍ

(١) «تحفة الفُقهاء» (٣/ ٢٠٦، ٢٠٧)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٣٢)، و «العناية شرح الهداية» (١٦/ ٧٤، ٧٥)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٣٨٣)، و «اللباب» (٢/ ٥٩٢).

كإِثباتِ المِلكِ في البَيعِ والشِّراءِ فلا بُدَّ من العِلمِ، وطَريقُ العِلمِ به أنْ يُخبِرَه واحِدٌ من أهلِ التَّمييزِ وقد تقدَّمَ بَيانُه، أمَّا الإِيصاءُ فخِلافُه؛ لأنَّه مُختصٌّ بحالِ انقِطاعِ وِلايةِ المَيِّتِ فلا يَتوقَّفُ على العِلمِ كالوِراثةِ (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: لا يَتعيَّنُ القَبولُ باللَّفظِ، بل يُجزئُ ما قامَ مَقامَه من الأخذِ والفِعلِ الدالِ على الرِّضا كما في الهِبةِ والبَيعِ، فيَجوزُ تَصرُّفُ المُوصَى له في الوَصيةِ بعدَ المَوتِ، ويَقومُ ذلك التَّصرفُ مَقامَ القَبولِ؛ لأنَّ سبَبَ المِلكِ قد استقَرَّ له استِقرارًا لا يَملِكُ إِبطالَه (٢).

وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ القَبولَ لا يَحصلُ بالفِعلِ، بل يُشتَرطُ قَبولُ الوَصيةِ باللَّفظِ.

قالَ القَليوبيُّ: قَولُه: (اشتُرطَ القَبولُ) أي: لَفظًا، فلا يَكفي الفِعلُ ولا التَّصرفُ (٣).

قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: وظاهِرُ كَلامِهم أنَّ المُرادَ القَبولُ اللَّفظيُّ، وهو كذلك، وإنْ بحَثَ الزَّركَشيُّ الاكتِفاءَ بالفِعلِ، وهو الأَخذُ، كالهَديةِ (٤).

(١) «تبيين الحقائق» (٦/ ٢٠٦)، و «البحر الرائق» (٨/ ٥٢٢، ٥٢٣).
(٢) «المغني» (٦/ ٧٠)، و «الإنصاف» (٧/ ٢٠٢، ٢٠٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤٥١)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤١٦).
(٣) «حاشية قليوبي» (٣/ ٤٠٨).
(٤) «مغني المحتاج» (٤/ ٨٨)، ويُنظَر: «أسنى المطالب» (٣/ ٤٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الأيمان
الجملة الثانية في معرفة الأشياء الرافعة للأيمان اللازمة وأحكامها

فَتَرْفَعُهَا الْكَفَّارَةُ، فَلَمْ يُوجِبُوا عَلَى مَنْ قَالَ: إِنْ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا فَعَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ مَشْيًا وَلَا كَفَّارَةً، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، لِأَنَّ هَذَا نَذْرٌ بِاتِّفَاقٍ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» .

فَسَبَبُ هَذَا الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ الَّتِي تَخْرُجُ مَخْرَجَ الشَّرْطِ هُوَ: هَلْ هِيَ أَيْمَانٌ أَوْ نُذُورٌ؟ أَوْ لَيْسَتْ أَيْمَانًا وَلَا نُذُورًا؟ فَتَأَمَّلْ هَذَا فَإِنَّهُ بَيِّنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِ الْقَائِلِ: أُقْسِمُ أَوْ أَشْهَدُ إِنْ كَانَ كَذَا وَكَذَا، هَلْ هُوَ يَمِينٌ أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:

فَقِيلَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ.

وَقِيلَ: إِنَّهَا أَيْمَانٌ ضِدَّ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.

وَقِيلَ: إِنْ أَرَادَ اللَّهَ بِهَا فَهُوَ يَمِينٌ، وَإِنْ لَمْ يُرِدِ اللَّهَ بِهَا فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.

وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ هَلِ الْمُرَاعَى اعْتِبَارُ صِيغَةِ اللَّفْظِ، أَوِ اعْتِبَارُ مَفْهُومِهِ بِالْعَادَةِ، أَوِ اعْتِبَارُ النِّيَّةِ؟ فَمَنِ اعْتَبَرَ صِيغَةَ اللَّفْظِ قَالَ: لَيْسَتْ بِيَمِينٍ، إِذْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ نُطْقٌ بِمَقْسُومٍ بِهِ.

وَمَنِ اعْتَبَرَ صِيغَةَ اللَّفْظِ بِالْعَادَةِ قَالَ: هِيَ يَمِينٌ، وَفِي اللَّفْظِ مَحْذُوفٌ وَلَا بُدَّ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 107 - 108

ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله