الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > الأمر الثالث: الكتابة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةالأمرُ الثالِثُ: الكِتابةُ:
ذهَبَ عامَّةُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الوَصيةَ تَنعقدُ بالكِتابةِ، وإنِ اختلَفوا في الإِشهادِ عليها؛ لمَا رَواه نافِعٌ عن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «ما حَقُّ امرِئٍ مُسلمٍ له شَيءٌ يُوصي فيه يَبيتُ ليلَتَينِ إلا ووَصيتُه عندَه مَكتوبةٌ»، قالَ ابنُ عُمرَ: ما مَرَّت علَيَّ لَيلةٌ مُذْ سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ ذلك إلا وعِندي وَصيَّتي (١)، فالصِّيغةُ ما يَدلُّ على مُرادِ الشَّخصِ، وذلك يَحصلُ باللَّفظِ والإِشارةِ والكِتابةِ، ولو كانَت الوَصيةُ لا تَنعقدُ بالكِتابةِ لمَا كانَ هناك فائِدةٌ من الأمرِ بكِتابتِها والحَثِّ عليها، وهو عامٌّ في القادِرِ على النُّطقِ والعاجِزِ عنه؛ لأنَّ لَفظَ «امرِئٍ» نَكرةٌ في سِياقِ النَّفيِ فيَعمُّ.
قالَ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأَجمَعوا على أنَّ للمُوصي إذا كتَبَ كِتابًا وقرَأَه على الشُّهودِ وأقَرَّ بما فيه أنَّ الشَّهادةَ عليه جائِزةٌ (٢).
قالَ ابنُ عَرفةَ: الصِّيغةُ ما دَلَّ على مَعنى الوَصيةِ، فيَدخلُ اللَّفظُ والكِتابةُ والإِشارةُ (٣).
(١) أخرجه البخاري (٢٧٣٨)، ومسلم (١٦٢٧).
(٢) «الإجماع» (٣٤٢)، و «الأشباه والنظائر» لابن نجيم (٣٤٣)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٤٢١)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٢٣٦)، و «المبدع» (٦/ ٧).
(٣) «المختصر الفقهي» (١٦/ ١٨٧)، ويُنظَر: «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٦٩)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٤٨٦)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٤٣٦، ٤٣٧)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٣٦٩)، و «عارضة الأحوذي» (٣/ ٣٧٢، ٣٧٣)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥٢٨)، و «الشرح الصغير» (١١/ ١).
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: وتَنفُذُ الوَصيةُ بالخَطِّ المَعروفِ، وكذا بالإِقرارِ إذا وُجدَ في دَفتَرِه، وهو مَذهبُ الإِمامِ أَحمدَ (١).
إلا أنَّ الشافِعيةَ جعَلوا الكِتابةَ من الكِناياتِ.
قالَ الشافِعيةُ: وتَصحُّ الوَصيةُ بالكِتابةِ ولو مِنْ ناطِقٍ، وهي كِنايةٌ فلا بُدَّ أنْ تَكونَ مع النِّيةِ بلا خِلافٍ؛ لأنَّ ما يُقبلُ مَقصودُه التَّعليقُ بالإِغرارِ كالكِتابةِ والخُلعِ يَنعقدُ بالكِتابةِ مع النِّيةِ، والوَصيةُ تَقبلُ التَّعليقَ بالإِغرارِ فأوْلى أنْ تَنعقدَ بالكِتابةِ.
فإذا كتَبَ: «لزَيدٍ كذا»، ونَوى به الوَصيةَ له فلا بُدَّ من الاعتِرافِ بها نُطقًا منه أو مِنْ وَرثتِه بعدَ مَوتِه.
وعن المُتولِّي أنَّه إذا كتَبَ: «أوصَيتُ لزَيدٍ بكذا» لم تَصحَّ إنْ كانَ ناطِقًا.
قالَ الإِمامُ النَّوويُّ: واعلَمْ أنَّ انعِقادَ الوَصيةِ بالكِتابةِ ليسَ ببَعيدٍ، وإنِ استَبعَدوه؛ لأنَّ الكِتابةَ ككِناياتِ الأَلفاظِ، وقد سبَقَ في البَيعِ ذِكرُ الخِلافِ في انعِقادِ البَيعِ ونَحوِه بالكِناياتِ، وذكَرنا الآنَ أنَّ الوَصيةَ أشَدُّ قَبولًا للكِناياتِ (٢).
(١) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٥٢٠).
(٢) «روضة الطالبين» (٤/ ٤٠١، ٤٠٢)، ويُنظَر: «الوسيط» (٥/ ٣٩٩)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٤٠١)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٤٠٧، ٤٠٨)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٢٦٣، ٢٦٤)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٨٦، ٨٧)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ١٧٦، ١٧٧)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٧٤، ٧٥)، و «الديباج» (٣/ ٧٨).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الأيمان
الجملة الثانية في معرفة الأشياء الرافعة للأيمان اللازمة وأحكامها
فَتَرْفَعُهَا الْكَفَّارَةُ، فَلَمْ يُوجِبُوا عَلَى مَنْ قَالَ: إِنْ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا فَعَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ مَشْيًا وَلَا كَفَّارَةً، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، لِأَنَّ هَذَا نَذْرٌ بِاتِّفَاقٍ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» .
فَسَبَبُ هَذَا الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ الَّتِي تَخْرُجُ مَخْرَجَ الشَّرْطِ هُوَ: هَلْ هِيَ أَيْمَانٌ أَوْ نُذُورٌ؟ أَوْ لَيْسَتْ أَيْمَانًا وَلَا نُذُورًا؟ فَتَأَمَّلْ هَذَا فَإِنَّهُ بَيِّنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِ الْقَائِلِ: أُقْسِمُ أَوْ أَشْهَدُ إِنْ كَانَ كَذَا وَكَذَا، هَلْ هُوَ يَمِينٌ أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
فَقِيلَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ.
وَقِيلَ: إِنَّهَا أَيْمَانٌ ضِدَّ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقِيلَ: إِنْ أَرَادَ اللَّهَ بِهَا فَهُوَ يَمِينٌ، وَإِنْ لَمْ يُرِدِ اللَّهَ بِهَا فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ هَلِ الْمُرَاعَى اعْتِبَارُ صِيغَةِ اللَّفْظِ، أَوِ اعْتِبَارُ مَفْهُومِهِ بِالْعَادَةِ، أَوِ اعْتِبَارُ النِّيَّةِ؟ فَمَنِ اعْتَبَرَ صِيغَةَ اللَّفْظِ قَالَ: لَيْسَتْ بِيَمِينٍ، إِذْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ نُطْقٌ بِمَقْسُومٍ بِهِ.
وَمَنِ اعْتَبَرَ صِيغَةَ اللَّفْظِ بِالْعَادَةِ قَالَ: هِيَ يَمِينٌ، وَفِي اللَّفْظِ مَحْذُوفٌ وَلَا بُدَّ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى.
ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.