الحالة الثانية: أن يجيزوا في مرض الموصي المخوف

الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > الحالة الثانية: أن يجيزوا في مرض الموصي المخوف

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

الحالة الثانية: أن يجيزوا في مرض الموصي المخوف - الأقوال والأدلة

قالَ الإِمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: فإذا ثبَتَ أنَّ إِجازةَ الوَرثةِ في حالِ الحَياةِ غيرُ لازِمةٍ فالأوْلى لهم إِمضاءُ ما أَجازوه؛ لأنَّ في ذلك صِدقًا في قَولٍ ووَفاءً بوَعدٍ وبُعدًا من غَدرٍ، وطاعةً للمَيتِ وبِرًّا للحَيِّ، وكذلك لو أَجازوا وَصيتَه لبعضِ وَرثتِه في حَياتِه، وسَواءٌ أشهَدَ عليهم بالإِجازةِ أو لم يُشهِدْ (١).

الحالةُ الثانيةُ: أنْ يُجيزوا في مَرضِ المُوصي المَخوفِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أَجازَ الوَرثةُ الوَصيةَ للوارِثِ أو ما زادَ على الثُّلثِ في مَرضِ المُوصي، ثم أَرادَ بعضُهم أو جَميعُهم أنْ يَرجعَ بعدَ مَوتِ المُوصي هل له ذلك أو لا؟

فذهَبَ الإِمامُ مالِكٌ إلى أنَّ المُوصيَ إذا أَوصَى لوَرثتِه أو بزائِدٍ على الثُّلثِ واستَأذنَ الوَرثةَ في ذلك وهو مَريضٌ فأذِنوا له وهو مَريضٌ مَحجورٌ عن أكثَرَ من ثُلثِه لزِمَهم ما أَجازوا من ذلك؛ لأنَّه يُحجَبُ عن مالِه بحَقِّهم فيَجوزُ ذلك عليهم.

ولأنَّ الرَّجلَ إذا كانَ صَحيحًا فهو أحَقُّ بمالِه كلِّه يَصنعُ فيه ما شاءَ، فإذا أذِنوا له في صِحتِه فقد تَرَكوا شَيئًا لم يَجبْ لهم، وذلك بمَنزِلةِ الشَّفيعِ يَتركُ شُفعتَه قبلَ البَيعِ، أو بمَنزِلةِ الوَليِّ إذا عَفا عمَّن قتَلَ وَليَّه، فتَركُه لمَا لم يَجِبْ له غيرُ لازِمٍ، فإذا أذِنوا له في مَرضِه فقد تَرَكوا ما وجَبَ لهم من الحَقِّ، فليسَ لهم أنْ يَرجِعوا فيه إذا كانَ قد أنفَذَه؛ لأنَّه قد فاتَ فإنْ لم يُنفِذِ المَريضُ ذلك كانَ للوارِثِ الرُّجوعُ فيه؛ لأنَّه لم يَفُتْ بالتَّنفيذِ (٢).

(١) «الحاوي الكبير» (٨/ ٢٢٩).
(٢) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ١٥٢، ١٥٣)، و «التمهيد» (١٤/ ٣٠٨)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٥/ ١٥٧)، رقم (١٩٠٧)، و «مختصر اختلاف العُلماء» (٥/ ٥، ٦)، و «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٦٥).

وقالَ القاضي عبدُ الوَهابِ: وإذا استَأذَنهم عندَ سَفرٍ فأذِنوا له ففيها رِوايتانِ:

إِحداهما: أنَّه لا يَلزمُ اعتِبارًا بالصِّحةِ، ولأنَّ تَصرفَه في هذه الحالِ من رأسِ المالِ.

والأُخرى: أنَّه يَلزمُ اعتِبارًا بالمَرضِ المَخوفِ؛ لأنَّها حالُ خَوفٍ وخَطرٍ، وهذا في السَّفرِ البَعيدِ الذي يُخافُ من مِثلِه (١).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَلزمُ الوَرثةَ ما أَجازوه في حَياةِ المُوصي ولا يَلزمُهم حتى يُجيزوا بعدَ مَوتِه، وسَواءٌ أَجازوا ذلك في مَرضِه أو صِحتِه إذا كانَ ذلك في حَياتِه؛ لأنَّه لمَّا كانَ للمُوصي إِبطالُ تلك الوَصيةِ في الحَياةِ مع كَونِه مالِكًا للمالِ فالوَرثةُ أحرى أنْ يَرجِعوا فيما أَجازوا، ولأنَّهم أَجازوا شَيئًا لم يَملِكوه في ذلك الوَقتِ، وإنَّما يَملكُ المالَ بعدَ وَفاتِه وقد يَموتُ الوارِثُ المُستأذِنُ قبلَه ولا يَكونُ وارِثًا، وقد يَرِثُه غيرُه، وقد أَجازَ من لا حَقَّ له فيه فلا يَلزمُه شَيءٌ منه.

ولأنَّهم ليسوا مالِكينَ للمالِ في حالِ الحَياةِ فلا تَعملُ إِجازتُهم فيه، كما لا تَجوزُ هِبتُهم ولا بَيعُهم، وإنْ حدَثَ المَوتُ بعدَه فالإِجازةُ أبعَدُ من ذلك، ولمَّا كانَ المُوصَى له إنَّما تَقعُ الوَصيةُ له بعدَ المَوتِ فكذلك الإِجازةُ،

(١) «المعونة» (٢/ ٥١٠).

حُكمُها أنْ يَكونَ في حالِ وُقوعِ الوَصيةِ وألَّا تَعملَ الإِجازةُ قبلَ وُقوعِها، وأيضًا لمَّا كانَ للمَيتِ إِبطالُ الوَصيةِ في حالِ الحَياةِ مع كَونِه مالِكًا فالوَرثةُ أحرى بجَوازِ الرُّجوعِ عمَّا أَجازوه، وإذا جازَ لهم الرُّجوعُ فقد علِمتَ أنَّ الإِجازةَ لا تَصحُّ (١).

قالَ الإِمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: وإذا أَرادَ الرَّجلُ أنْ يُوصيَ لوارِثٍ فقالَ للوَرثةِ: «إنِّي أُريدُ أنْ أُوصيَ بثُلثي لفُلانٍ وارِثي فإنْ أَجزتُم ذلك فَعَلت، وإنْ لم تُجيزوا أَوصَيت بثُلثي لمَن تَجوزُ الوَصيةُ له»، فأَشهَدوا له على أنفُسِهم بأنْ قد أَجازوا له جَميعَ ما أَوصَى له وعَلِموه، ثم ماتَ، فخُيِّر لهم فيما بينَهم وبينَ اللهِ ﷿ أنْ يُجيزوه؛ لأنَّ في ذلك صِدقًا ووَفاءً بوَعدٍ وبُعدًا من غَدرٍ وطاعةً للمَيتِ وبِرًّا للحَيِّ فإنْ لم يَفعَلوا لم يُجبِرْهم الحاكِمُ على إِجازتِه، ولم يُخرَجْ ثُلثُ مالِ المَيتِ في شَيءٍ إذا لم يُخرِجْه هو فيه، وذلك أنَّ

(١) «التمهيد» (١٤/ ٣٠٨)، و «مختصر اختلاف العُلماء» (٥/ ٥، ٦)، و «الحاوي الكبير» (٨/ ٢١٣)، و «البيان» (٨/ ١٥٨)، وقالَ أَبو بَكرٍ الجَصاصُ رحمة الله عليه في «أَحكام القُرآن» (١/ ٢٠٩): فإنْ قيلَ: لمَّا كانَ حَقُّ الوَرثةِ ثابِتًا في مالِه بالمَرضِ ومن أجْلِه منَعَ ذلك في المَرضِ عن التَّصرفِ فيه بأكثَرَ من الثُّلثِ كما منَعَ بعدَ المَوتِ وجَبَ أنْ يَكونَ حالُ المَرضِ حالَ المَوتِ في بابِ لُزومِهم حُكمَ الإِجازةِ إذا أَجازوا. قيلَ له: تَصرُّفُ المَريضِ جائِزٌ عندَنا في جَميعِ مالِه، بالهِبةِ والصَّدقةِ والعِتقِ وسائِرِ مَعاني التَّصرفِ ووُجوهِه، وإنَّما نُسخَ منها بعدَ المَوتِ ما زادَ على الثُّلثِ لثُبوتِ حَقِّ الوَرثةِ بالمَوتِ، وأمَّا قبلَ ذلك فلا اعتِبارَ بقَولِ الوارِثِ فيه، ألَا تَرى أنَّ الوارِثَ ليسَ له أنْ يَفسخَ عُقودَه قبلَ المَوتِ وإنَّما ثبَتَ له ذلك بعدَ المَوتِ عندَ ثُبوتِ حَقِّه في مالِه؟ فكذلك إِجازتُه قبلَ مَوتِه كلا إِجازةَ كما لا يَعملُ فَسخُه في عُقودِه.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوصايا
٩٥٦ - مسألة؛ قال: (ومن أوصى لغير وارث بأكثر من الثلث، فأجاز ذلك الورثة بعد موت الموصى، جاز

أو يَرُدَّ على أحَدِهِما، ويُجِيزَ للآخَرِ وَصِيَّتَه كلَّها أو بعضَها، أو يُجِيزَ لأحَدِهِما جَمِيعَ وَصِيَّتهِ، وللآخَرِ بعضَها، فكلُّ ذلك جائِزٌ؛ لأنَّ الحَقَّ له، فكيفما شاءَ فَعَلَ فيه.

٩٥٦ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ أَوْصَى لِغَيْرِ وَارِثٍ بأكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ، فَأجَازَ ذلِكَ الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَوْتِ المُوصِى، جازَ، وإنْ لم يُجِيزُوا، رُدَّ إلَى الثُّلُثِ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 230 - 232

ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله