الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > الركن الأول: الصيغة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةالرُّكنُ الأولُ: الصِّيغةُ:
الصِّيغةُ رُكنٌ من أَركانِ الوَصيةِ وهي الإِيجابُ باتِّفاقِ الفُقهاءِ، والقَبولُ عندَهم جَميعًا، خِلافًا لزُفرَ وأَحمدَ في رِوايةٍ.
والإِيجابُ يَكونُ من المُوصي والقَبولُ يَكونُ من المُوصَى له، فما لم يُوجَدا جَميعًا لا يَتمُّ الرُّكنُ (١).
أولاً: الإِيجابُ:
يَتمُّ الإِيجابُ عندَ عامةِ الفُقهاءِ بأحدِ ثَلاثةِ أُمورٍ:
الأمرُ الأولُ: باللَّفظِ:
يَتمُّ الإِيجابُ باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ بكلِّ لَفظٍ يَدلُّ على التَّمليكِ بعدَ المَوتِ.
قالَ الحَنفيةُ: الصِّيغةُ أنْ يَقولَ: «أوصَيتُ بكذا لفُلانٍ». وما يَجري مَجراه من الأَلفاظِ المُستعمَلةِ فيها (٢).
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٣١، ٣٣٢)، ويُنظَر: «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٦٩)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٤٨٦)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٤٣٦، ٤٣٧)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٣٦٩)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥٢٨)، و «الشرح الصغير» (١١/ ١)، و «الوسيط» (٥/ ٣٩٩)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٤٠١)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٨٦)، و «المغني» (٦/ ٧١)، و «المبدع» (٦/ ١٩) الإنصاف» (٧/ ٢٠٢، ٢٠٣)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤١٦، ٤١٨).
(٢) «العناية» (١٦/ ٥٥)، و «الدر المختار» (٦/ ٦٥٠)، و «الهندية» (٦/ ٩٠).
وقالَ المالِكيةُ: الصِّيغةُ ما دَلَّ على مَعنى الوَصيةِ، وتَكونُ بلَفظٍ يَدلُّ عليها صَراحةً، ك «أوصَيتُ»، أو كانَ غيرَ صَريحٍ في الدِّلالةِ عليها، لكنَّه يُفهَمُ منه إِرادةُ الوَصيةِ بالقَرينةِ، ك «أعطُوا الشَيءَ الفُلانيَّ لفُلانٍ بعدَ مَوتي» (١).
وقالَ ابنُ شاسٍ: الوَصيةُ ليسَ لها لَفظٌ مَخصوصٌ، بل كلُّ لَفظٍ مُفهِمٍ قَصْدَ الوَصيةِ بالوَضعِ أو بالقَرينةِ، نَحوَ «أوصَيتُ»، أو «أعطُوه»، أو «جَعلتُه له»، أو «هو له» إذا فُهِمت الوَصيةُ بذلك (٢).
فإنْ كانَ اللَّفظُ مُحتمِلًا للوَصيةِ وغيرِها وذُكرَ فيه الثُّلثُ فالمُعتبَرُ ما فهِمَه الشاهِدانِ عندَ تَحمُّلِ الشَّهادةِ من الوَصيةِ أو الوَعدِ بها أو تَبتيلِ العَطيةِ، فإنْ أدَّيا على أنَّهما فَهِما مَعنى الوَصيةِ والقَصدَ إليها عُملَ على ذلك، وإنْ أدَّيا على أنَّهما فهِما الوَعدَ بعَطيةٍ في الحَياةِ لا على تَبتيلِ العَطيةِ ولا على مَعنى الوَصيةِ فلا يَجبُ له بذلك شَيءٌ، وإنْ كانا قد فهِما تَبتيلَ العَطيةِ كانَت وَصيةً؛ لأنَّها عَطيةٌ في المَرضِ، وإنْ لم يَكنْ عندَ الشاهدَينِ زِيادةٌ على ما تَقيَّد عنهما لحَملِ ذلك على مَعنى الوَصيةِ لأجلِ ذِكرِ الثُّلثِ (٣).
وقالَ الشافِعيةُ: صِيغةُ الوَصيةِ ما أشعَرَ بها من لَفظٍ أو نَحوِه كإِشارةٍ وكِتابةٍ صَريحًا كانَ أو كِنايةً.
(١) «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٦٩)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٤٨٦)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٤٣٦، ٤٣٧)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٣٦٩)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥٢٨)، و «الشرح الصغير» (١١/ ١).
(٢) «الذخيرة» (٧/ ٥٤).
(٣) «المعيار» (٩/ ٤٩٦)، و «البهجة في شرح التحفة» (٢/ ٥١٥).
فمِن الصَّريحِ أنْ يَقولَ: «أوصَيتُ له بكذا»، وإنْ لم يَقُلْ: «بعدَ مَوتي»، لوَضعِها شَرعًا لذلك، أو «أعطُوه أو ادفَعوا إليه بعدَ مَوتي كذا، أو هو له، أو جعَلتُه له بعدَ موتي، أو مَلَّكتُه، أو وَهبتُه له بعدَ موتي»، وذلك لأنَّ إِضافةَ كلٍّ منها للمَوتِ تَصيرُ بمَعنى الوَصيةِ.
أمَّا إذا اقتصَرَ على قَولِه: «وهَبتُه له»، ونَوى الوَصيةَ فالأصَحُّ أنَّه لا يَكونُ وَصيةً؛ لأنَّه أمكَنَ تَنفيذُه في مَوضوعِه الصَّريحِ وهو التَّمليكُ الناجِزُ، فيَكونُ هِبةً.
ولو اقتصَرَ على قَولِه: «هو له»، فهو إِقرارٌ يُؤاخَذُ به؛ لأنَّه من صرائِحِه ووُجدَ نافِذًا في مَوضوعِه فلا يُجعلُ كِنايةً عن الوَصيةِ، إلا أنْ يَقولَ: «هو له من مالي»، أو يَقولَ: «عبدي هذا لفُلانٍ»، فيَصحُّ كِنايةً عن الوَصيةِ؛ لأنَّه لا يَصلحُ إِقرارًا.
فإنْ ماتَ ولم تُعلَمْ نيَّتُه بطَلَ؛ لأنَّ الأصَلَ عَدمُها، والإِقرارُ هنا غيرُ مُتأتٍّ لقَولِه: «من مالي».
ولو قالَ: «عَيَّنتُه له»، فهذا كِنايةٌ؛ لأنَّه يَحتملُ التَّعيينَ للتَّمليكِ بالوَصيةِ والتَّعيينِ للإِعارةِ.
ولو قالَ: «كلُّ مَنْ ادَّعى علَيَّ شَيئًا بعدَ مَوتي فأَعطُوه ما يَدَّعيه ولا تُطالِبوه بالحُجةِ»، فهو وَصيةٌ، ويُعتبَرُ من الثُّلثِ، ولا يُطالَبُ بحُجةٍ ولا يَمينٍ، ويُعطَونَ جَميعَ ما ادَّعَوه إنْ لم يَزِدْ على الثُّلثِ، وإلا يُوزَّعْ عليهم
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في ركن الوصية
عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»
وَالْكِتَابُ الْعَزِيزُ قَدْ يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا يُنْسَخُ الْكِتَابَ عِنْدَكُمْ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَهَذَا مِنْ الْآحَادِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُتَوَاتِرٌ غَيْرَ أَنَّ التَّوَاتُرَ ضَرْبَانِ: تَوَاتُرٌ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ أَنْ يَرْوِيَهُ جَمَاعَةٌ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَتَوَاتُرٌ مِنْ حَيْثُ ظُهُورِ الْعَمَلِ بِهِ قَرْنًا فَقَرْنًا مِنْ غَيْرِ ظُهُورِ الْمَنْعِ وَالنَّكِيرُ عَلَيْهِمْ فِي الْعَمَلِ بِهِ إلَّا أَنَّهُمْ مَا رَوَوْهُ عَلَى التَّوَاتُرِ؛ لِأَنَّ ظُهُورَ الْعَمَلِ بِهِ أَغْنَاهُمْ عَنْ رِوَايَتِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ الْعَمَلُ بِهَذَا مَعَ ظُهُورِ الْقَوْلِ أَيْضًا مِنْ الْأَئِمَّةِ بِالْفَتْوَى بِهِ بِلَا تَنَازُعٍ مِنْهُمْ، وَمِثْلُهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ قَطْعًا، فَيَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ بِهِ كَمَا يَجُوزُ بِالْمُتَوَاتِرِ فِي الرِّوَايَةِ إلَّا أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ أَنَّ جَاحِدَ الْمُتَوَاتِرِ فِي الرِّوَايَةِ يُكَفَّرُ وَجَاحِدَ الْمُتَوَاتِرِ فِي ظُهُورِ الْعَمَلِ لَا يُكَفَّرُ لِمَعْنَى عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.