الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > الشرط الثالث: أن يكون الموصى له معلوما غير مجهول وغير مبهم
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةالشَّرطُ الثالِثُ: أنْ يَكونَ المُوصَى له مَعلومًا غيرَ مَجهولٍ وغيرَ مُبهَمٍ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ المُوصيَ إذا أَوصَى لإِنسانٍ مُعيَّنٍ غيرِ مُبهَمٍ وغيرِ مَجهولٍ ممَّن يَصحُّ له التَّمليكُ فالوَصيةُ صَحيحةٌ.
وقد فرَّعَ الفُقهاءُ على هذا الشَّرطِ بعضَ المَسائلِ، منها:
أ- الوَصيةُ لمُبهمٍ أو مَجهولٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُوصَى له هل يُشتَرطُ كَونُه مَعلومًا مُعيَّنًا كزَيدٍ أو لا يُشتَرطُ وتَصحُّ الوَصيةُ لمَجهولٍ كأحدِ هذَينِ الرَّجلَينِ ولم يُعيِّنْ واحدًا منهما؟
أمَّا لو أَوصَى بثُلثِ مالِه لرَجلٍ من الناسِ فلا تَصحُّ الوَصيةُ بلا خِلافٍ؛ لأنَّ هذه جَهالةٌ لا يُمكنُ إِزالتُها، والجَهالةُ التي لا يُمكنُ استِدراكُها تَمنعُ من تَسليمِ المُوصَى به إلى المُوصَى له فلا تَعني الوَصيةَ.
وإنَّما الخِلافُ في الجَهالةِ التي يُمكنُ إِزالتُها كأَوصَيت لأَحدِ هذَينِ الرَّجلَينِ؛ فإنَّ العُلماءَ اختلَفوا فيها.
فذهَبَ الإِمامُ أَبو حَنيفةَ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يُشتَرطُ في المُوصَى له المُعيَّنِ أنْ يَكونَ مَعلومًا، فلو قالَ: «أَوصَيت لأحدِ هذَينِ الرَّجلَينِ» لم يَصحَّ.
لأَبي حَنيفةَ أنَّ الوَصيةَ تَمليكٌ عندَ المَوتِ فتَستَدعي كَونَ المُوصَى له مَعلومًا عندَ المَوتِ، والمُوصَى له عندَ المَوتِ مَجهولٌ فلم تَصحَّ الوَصيةُ من الأَصلِ، كما لو أَوصَى لواحِدٍ من الناسِ، فلا يُمكنُ القَولُ بالشُّيوعِ، ولا يُقامُ الوارِثُ مَقامَ المُوصي في البَيانِ؛ لأنَّ ذلك حُكمُ الإِيجابِ الصَّحيحِ ولم يَصحَّ،
إلا أنَّ المُوصي لو بيَّنَ الوَصيةَ في أَحدِهما حالَ حَياتِه صَحَّت؛ لأنَّ البَيانَ إِنشاءُ الوَصيةِ لأَحدِهما فكانَ وَصيةً مُستأنَفةً لأَحدِهما عَينًا، وإنَّها صَحيحةٌ (١).
قالَ الحَنابِلةُ: لا تَصحُّ الوَصيةُ لمَجهولٍ له، كأنْ يُوصيَ بثُلثِه لأحدِ هذَينِ الرَّجلَينِ أو المَسجدَينِ أو قال: «أَوصَيت بكذا لجاري فُلانٍ أو قَرابَتي فُلانٍ» باسمٍ مُشتَركٍ؛ لأنَّ تَعيينَ المُوصَى له شَرطٌ، فإذا قالَ: «لأحدِ هذَينِ»، فقد أبهَمَ المُوصَى له، وكذا الجارُ والقَريبُ، لوُقوعِه على كلٍّ من المُسمَّيَينِ، ما لم تَكُنْ قَرينةٌ تَدلُّ على أنَّه أَرادَ مُعيَّنًا من الجارِ والقَريبِ، فيُعطَى مَنْ دَلَّت القَرينةُ على إِرادتِه، فإنْ قالَ: «أَعطوا ثُلثِي أَحدَهما»، صَحَّ، كما لو قالَ: «أَعتِقوا أحدَ عَبدَيَّ»، وللوَرثةِ الخِيرةُ فيمَن يُعطونَه الثُّلثَ من الاثنَينِ.
والفَرقُ بينَ هذه والتي قبلَها أنَّ قَولَه: «أَعطوا ثُلثِي أَحدَهما» أمرٌ بالتَّمليكِ فصَحَّ جَعلُه إلى اختيارِ الوَرثةِ، كما لو قالَ لوَكيلِه: «بِعْ سِلعَتي من أحدِ هذَينِ»، بخِلافِ قَولِه: «وَصَّيت» ونَحوَه؛ فإنَّه مِلكٌ مُعلَّقٌ بالمَوتِ فلم يَصحَّ لمُبهمٍ (٢).
وذهَبَ الصاحِبانِ من الحَنفيةِ أَبو يُوسفَ ومُحمدٌ وأَحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَصحُّ إذا قالَ: «أَوصَيت لأحدِ هذَينِ الرَّجلَينِ».
غيرَ أنَّ الوَصيةَ عندَ أَبي يُوسفَ تَكونُ بينَهما نِصفَينِ.
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٤٢)، و «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٦٤٩)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٦٧)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ١١٨)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٥٠)، و «الإنصاف» (٧/ ٢٣١)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٣٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤٧٥).
(٢) «الإنصاف» (٧/ ٢٣١)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٣٣، ٣٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤٧٥)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٤٧٣).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الأقضية واليمين مع الشاهد وما دخل فيه من اختلاف الحديث وغير ذلك)
(باب من تجوز شهادته ومن لا تجوز ومن يشهد بعد رد شهادته من الجامع ومن اختلاف الحكام وأدب ال
(مُخْتَصَرٌ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وَمَا دَخَلَهُ مِنَ الرِّسَالَةِ)
(بَابُ مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَمَنْ لَا تجوز ومن يشهد بعد رد شهادته من الجامع ومن اختلاف الحكام وأدب القاضي وغير ذلك)
(مسألة)
: قال الشافعي رضي الله عنه: " لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ نَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَلِيلًا يُمَحِّضُ الطَّاعَةَ وَالْمُرُوءَةَ حَتَّى لَا يَخْلِطَهُمَا بِمَعْصِيَةٍ وَلَا يُمَحِّضُ الْمَعْصِيَةَ وَتَرْكَ الْمُرُوءَةِ حَتَّى لَا يَخْلِطَهُمَا شَيْئًا مِنَ الطَّاعَةِ وَالْمُرُوءَةِ فَإِذَا كَانَ الْأَغْلَبُ عَلَى الرَّجُلِ الْأَظْهَرُ مِنْ أَمْرِهِ الطَّاعَةَ وَالْمُرُوءَةَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَإِذَا كَانَ الْأَغْلَبُ الْأَظْهَرُ مِنْ أَمْرِهِ الْمَعْصِيَةَ وَخِلَافَ الْمُرُوءَةِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِنَّمَا فَصَلَ الْمُزَنِيُّ الشَّهَادَاتِ كِتَابَيْنِ، أَوَّلًا وَثَانِيًا، لِأَنَّ الْأَوَّلَ مُتَّصِلٌ بِالْحُكْمِ فَأَضَافَهُ إِلَى أَدَبِ الْقَاضِي.
وَالثَّانِي: فِي صِفَةِ الشَّاهِدِ فِي الْقَبُولِ وَالرَّدِّ أَفْرَدَهُ عَنِ الأول.
والمقبول الشهادة، وهو الْعَدْلُ، وَالْمَرْدُودُ الشَّهَادَةِ هُوَ الْفَاسِقُ فَأَمَّا قَبُولُ شَهَادَةٍ مِنَ الْعَدْلِ، فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} الطلاق: ٢ . وَلِقَوْلِهِ: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} البقرة: ٢٨٢ وَالرِّضَا مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْعَدْلِ مُنْتَفٍ عَنِ الْفَاسِقِ.
وَأَمَّا التَّوَقُّفُ عَنْ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} الحجرات: ٦ . وَالنَّبَأُ الْخَبَرُ. وَكُلُّ شَهَادَةٍ خبر وإن لم يكن كل خبر شهادة.
ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.