الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > العبرة بالوارث وقت موت الموصي
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةوفيه وَجهٌ آخَرُ: أنَّه يَملِكُ الفَسخَ؛ لأنَّه قد يَسمحُ بذلك ظَنًّا منه أنْ يَبقَى له من المالِ ما يَكفيه، فإذا بانَ خِلافُ ذلك لحِقَه الضَّررُ في الإِجازةِ فملَكَ الرُّجوعَ كالمَسألةِ التي قبلَها.
قالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ رحمة الله عليه: لو قالَ: «ظَنَنت قيمَتَه ألفًا فبانَ أكثَرَ قُبلَ قَولُه، وليسَ نَقضًا للحُكمِ بصِحةِ الإِجازةِ ببَيِّنةٍ أو إِقرارٍ.
قالَ: وإنْ أَجازَ وقالَ: أرَدتُ أَصلَ الوَصيةِ» قُبِلَ (١).
العِبرةُ بالوارِثِ وَقتَ مَوتِ المُوصي:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ العِبرةَ بكَونِه وارِثًا وَقتَ المَوتِ لا وَقتَ الوَصيةِ؛ لأنَّه تَمليكُ مُضافٍ إلى ما بعدَ المَوتِ فيُعتبَرُ في وَقتِ التَّمليكِ لا وَقتِ الوَصيةِ، فمَن كانَ وارِثًا وَقتَ الوَصيةِ غيرَ وارِثٍ وَقتَ المَوتِ صَحَّت له الوَصيةُ.
ومَن كانَ غيرَ وارِثٍ وَقتَ الوَصيةِ ثم صارَ وارِثًا وَقتَ المَوتِ لم تَصحَّ له الوَصيةُ.
مِثالُه: لو أَوصَى لأَخيه وله ابنٌ وَقتَ الوَصيةِ ثم ماتَ قبلَ مَوتِ المُوصي ثم ماتَ المُوصي لم تَصحَّ الوَصيةُ؛ لأنَّ المُوصَى له -وهو الأخُ-
(١) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٥٢٢)، و «المغني» (٦/ ٦٣)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٤٤١، ٤٤٢)، و «المبدع» (٦/ ١٧)، و «الإنصاف» (٧/ ٢٠١، ٢٠٢)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤١٥، ٤١٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤٤٩، ٤٥٠)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٤٥٣، ٤٥٤).
صارَ وارِثَ المُوصي عندَ مَوتِه، ولو أَوصَى لأخيه ولا ابنَ له وَقتَ الوَصيةِ ثم وُلدَ له ابنٌ ثم ماتَ المُوصي صحَّت الوَصيةُ؛ لأنَّ الأخَ ليسَ بوارِثِه عندَ المَوتِ لصَيرورتِه مَحجوبًا بالابنِ.
وكذا إذا أَوصَى لزَوجتِه ثم طلَّقَها وبانَت عندَ المَوتِ صَحَّت الوَصيةُ لها، ولو أَوصَى لأجنَبيةٍ ثم تزَوَّجها وماتَ وهي في نِكاحِه لا تَصحُّ الوَصيةُ لها.
وإنَّما اعتُبِرت الوِراثةُ وَقتَ مَوتِ المُوصي لا وَقتَ وَصيتِه؛ لأنَّ الوَصيةَ ليسَت بتَمليكٍ للحالِ ليُعتبَرَ كَونُه وارِثًا وَقتَ وُجودِها، بل هي تَمليكٌ عندَ المَوتِ، فيُعتبَرُ ذلك عندَ المَوتِ، وإنَّما تُردُّ الوَصيةُ وتَجوزُ إذا كانَ لها حُكمٌ ولا يَكونُ لها حُكمٌ إلا بعدَ مَوتِ المُوصي حتى تَجبَ أو تَبطُلَ (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: (ومَن أُوصيَ له وهو في الظاهِرِ وارِثٌ فلم يَمُتِ المُوصي حتى صارَ المُوصَى له غيرَ وارِثٍ فالوَصيةُ له ثابِتةٌ؛ لأنَّ اعتِبارَ الوَصيةِ بالمَوتِ).
لا نَعلمُ خِلافًا بينَ أهلِ العِلمِ في أنَّ اعتِبارَ الوَصيةِ بالمَوتِ، فلو أَوصَى لثَلاثةِ إِخوةٍ له مُتفرِّقينَ ولا وَلدَ له وماتَ قبلَ أنْ يُولدَ له وَلدٌ لم تَصحَّ الوَصيةُ
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٣٧)، و «الهداية» (٤/ ٢٣٣)، و «العناية» (١٦/ ٦٨)، و «تبيين الحقائق» (٦/ ١٨٢)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٣٧٢، ٣٧٣)، و «الدر المختار» (٦/ ٦٥١)، و «حاشية الصاوي» (١١/ ١٦)، و «الأم» (٤/ ١٠٨)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٣٧٥)، و «المغني» (٦/ ٦٤)، و «الإنصاف» (٧/ ٢٠٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤٤٩)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٤٥٣).
لغيرِ الأخِ من الأبِ إلا بالإِجازةِ من الوَرثةِ، وإنْ وُلدَ له ابنٌ صَحَّت الوَصيةُ لهم جَميعًا من غيرِ إِجازةٍ إذا لم تَتجاوزِ الوَصيةُ الثُّلثَ، وإنْ وُلدَت له بِنتٌ جازَت الوَصيةُ لأَخيه من أَبيه وأَخيه من أُمِّه، فيَكونُ لهما ثُلثا المُوصَى به بينَهما على نِصفَينِ، ولا يَجوزُ للأخِ من الأبوَينِ؛ لأنَّه وارِثٌ، وبهذا يَقولُ الشافِعيُّ وأَبو ثَورٍ وابنُ المُنذرِ وأَصحابُ الرأيِ وغيرُهم، ولا نَعلمُ عن غيرِهم خِلافَهم، ولو أَوصَى لهم وله ابنٌ فماتَ ابنُه قبلَ مَوتِه لم تَجُزِ الوَصيةُ لأَخيه من أَبوَيه ولا لأَخيه من أُمِّه، وجازَت لأَخيه من أَبيه، فإنْ ماتَ الأخُ من الأبوَينِ قبلَ مَوتِه لم تَجُزْ للأخِ من الأَبِ أيضًا؛ لأنَّه صارَ وارِثًا.
فَصلٌ: ولو أَوصَى لامرأةٍ أجنَبيةٍ أو أَوصَت له ثم تزَوَّجها لم تَجُزْ وَصيتُهما إلا بالإِجازةِ من الوَرثةِ، وإنْ أَوصَى أَحدُهما للآخَرِ ثم طلَّقَها جازَت الوَصيةُ؛ لأنَّه صارَ غيرَ وارِثٍ إلا أنَّه إنْ طلَّقَها في مَرضِ مَوتِه فقياسُ المَذهبِ أنَّها لا تُعطَى أكثَرَ من مِيراثِها؛ لأنَّه يُتَّهمُ في أنَّه طلَّقَها ليُوصِّلَ إليها مالَه بالوَصيةِ، فلم يَنفُذْ لها ذلك كما لو طلَّقَها في مَرضِ مَوتِه أو وَصَّى لها بأكثَرَ ممَّا كانَت تَرِثُ (١).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: واتَّفقوا على اعتِبارِ كَونِ المُوصَى له وارِثًا بيَومِ المَوتِ، حتى لو أَوصَى لأَخيه الوارِثِ حيثُ لا يَكونُ له ابنٌ يَحجُبُ الأخَ المَذكورَ فوُلدَ له ابنٌ قبلَ مَوتِه يَحجُبُ الأخَ فالوَصيةُ للأخِ
(١) «المغني» (٦/ ٦٤).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوصايا
٩٥٦ - مسألة؛ قال: (ومن أوصى لغير وارث بأكثر من الثلث، فأجاز ذلك الورثة بعد موت الموصى، جاز
أو يَرُدَّ على أحَدِهِما، ويُجِيزَ للآخَرِ وَصِيَّتَه كلَّها أو بعضَها، أو يُجِيزَ لأحَدِهِما جَمِيعَ وَصِيَّتهِ، وللآخَرِ بعضَها، فكلُّ ذلك جائِزٌ؛ لأنَّ الحَقَّ له، فكيفما شاءَ فَعَلَ فيه.
٩٥٦ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ أَوْصَى لِغَيْرِ وَارِثٍ بأكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ، فَأجَازَ ذلِكَ الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَوْتِ المُوصِى، جازَ، وإنْ لم يُجِيزُوا، رُدَّ إلَى الثُّلُثِ)
ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.