الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > الوصية بالمنفعة مؤقتة ومؤبدة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 17 دقيقة قراءةوقد حُكيَ الإِجماعُ على أنَّه إنْ أَوصَى بسُكنى دارِه تَكونُ من الثُّلثِ.
قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: أَجمَعوا على أنَّ الرَّجلَ إذا أَوصَى بغَلةِ بُستانِه أو بسُكنَى دارِه أو خِدمةِ عَبدِه تَكونُ من الثُّلثِ (١).
الوَصيةُ بالمَنفعةِ مُؤقَّتةٌ ومُؤبَّدةٌ:
لا خِلافَ بينَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على جَوازِ الوَصيةِ بالمَنفعةِ وعلى أنَّها صَحيحةٌ، سَواءٌ كانَت المَنفعةُ مُؤقَّتةً بوَقتٍ من سَنةٍ أو شَهرٍ مَثلًا أو مُطلَقةً عن التَّوقيتِ أو مُؤبَّدةً؛ لأنَّ المُقدَّرةَ كالعَينِ المَعلومةِ، والمُؤبَّدةَ كالعَينِ المَجهولةِ، فصَحَّت الوَصيةُ بالجَميعِ، ولأنَّ الوَصيةَ بالمَنافعِ في مَعنى الإِعارةِ؛ لأنَّها تَمليكُ المَنفعةِ بغيرِ عِوضٍ، ثم الإِعارةُ تَصحُّ مُقيَّدةً ومُطلَقةً عن الوَقتِ وكذا الوَصيةُ.
وكذلك اتَّفَقوا على أنَّ الوَصيةَ بالمَنفعةِ إذا كانَت مُؤقَّتةً بوَقتٍ كسُكنى الدارِ سَنةً مَثلًا فاستَوفاها المُوصَى له؛ فإنَّها تَرجعُ إلى مِلكِ المُوصي وتَكونُ لوَرثتِه (٢).
(١) «الإجماع» (٣٤١).
(٢) «تحفة الفُقهاء» (٣/ ٢٠٨)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٥٢)، و «مختصر اختلاف العُلماء» (٥/ ٣٢، ٣٣)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٤٢٩)، و «الاختيار» (٥/ ٨٦)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٤٢٣، ٤٢٤)، و «اللباب» (٢/ ٦٠٥، ٦٠٦)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٥١)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٥/ ١٦٩)، رقم (١٩٢١)، و «شرح الزرقاني» (٤/ ٧٥)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٨٦)، و «الحاوي الكبير» (٨/ ٢١٩)، و «المهذب» (١/ ٤٥٢)، و «البيان» (٨/ ١٧٠)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٣٨٠)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٢٣٣)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٧٤)، و «كفاية الأخيار» (٣٩٢)، و «الكافي» (٢/ ٤٨١، ٤٨٢)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٥٣)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٤٨)، و «فتح الباري» (٥/ ٣٦٠).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفوا في مَوضعَينِ:
المَوضعُ الأولُ: إذا كانَت مُؤقَّتةً بوَقتٍ فماتَ المُوصَى له قبلَ انتِهاءِ المُدةِ، هل تَبطلُ الوَصيةُ أو تُورثُ عنه إلى اكتِمالِ المُدةِ؟
قالَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ: إذا ماتَ المُوصَى له بالمَنفعةِ عادَ إلى الوَرثةِ؛ لأنَّ المُوصي أوجَبَ الحَقَّ للمُوصَى له ليَستوفِيَ ما أَوصَى له به من المَنافعِ على حُكمِ مِلكِ المُوصي، فلو انتقَلَت إلى وارِثِ المُوصَى له كانَ ابتِداءَ استِحقاقٍ من غيرِ رِضا المُوصي فلا يَجوزُ، وإذا كانَت على مِلكِ المُوصي تَنتقِلُ إلى وَرثتِه كسائِرِ أَموالِه (١).
وذهَبَ الحَنابِلةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ إلى أنَّ المُوصَى له بالمَنفعةِ إذا ماتَ كانَت المَنفعةُ لوَرثتِه؛ لأنَّ مَنْ ماتَ عن حَقٍّ فهو لوَرثتِه (٢).
(١) «تحفة الفُقهاء» (٣/ ٢٠٨)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٥٣)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٤٢٩)، و «الاختيار» (٥/ ٨٦)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٤٢٣، ٤٢٤)، و «اللباب» (٢/ ٦٠٥، ٦٠٦)، و «الإنصاف» (٧/ ٢٦٨).
(٢) «الإنصاف» (٧/ ٢٦٨)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٥٦).
وهو ما صرَّحَ به المالِكيةُ والشافِعيةُ في العَبدِ المُوصَى بمَنفعتِه إذا ماتَ المُوصَى له بمَنفعةِ العَبدِ، أنَّ وَرثتَه يَقومونَ مَقامَه إنْ بَقيَ من زَمنِها شَيءٌ (١).
المَوضعُ الثاني: إذا كانَت مُطلَقةً أو مُؤبَّدةً ثم ماتَ المُوصَى له، هل تُورثُ عنه أو لا؟
ذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الوَصيةَ بالمَنفعةِ إذا كانَت مُطلَقةً فللمُوصَى له أنْ يَنتفِعَ بالعَينِ ما عاشَ، فإذا ماتَ المُوصَى له بالمَنفعةِ انتقَلَت العَينُ إلى مِلكِ صاحِبِ العَينِ؛ لأنَّ الوَصيةَ بالمَنفعةِ قد بطَلَت بمَوتِ المُوصَى له، ولا تُورثُ عنه؛ لأنَّها تَمليكُ المَنفعةِ بغيرِ عِوضٍ كالإِعارةِ، فتَبطلُ بمَوتِ المالِكِ إياه كما تَبطلُ الإِعارةُ بمَوتِ المُستعيرِ، على أنَّ المَنافعَ بانفِرادِها لا تَتحمَّلُ الإِرثَ (٢).
وذهَبَ بعضُ المالِكيةِ وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ إلى أنَّ المُوصَى له بالمَنفعةِ إذا ماتَ كانَت المَنفعةُ لوَرثتِه؛ لأنَّ من ماتَ عن حَقٍّ فهو لوَرثتِه، وإذا أطلَقَ حُملَت الوَصيةُ على التَّأبيدِ (٣).
(١) «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٨٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٥٢٦)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥٧٢)، و «الحاوي الكبير» (٨/ ٢٢٠).
(٢) «مختصر الوقاية» (٢/ ٤٢٩)، و «الاختيار» (٥/ ٨٦)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٤٢٣، ٤٢٤)، و «اللباب» (٢/ ٦٠٥، ٦٠٦).
(٣) «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٨٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٥٢٦)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥٧٢)، و «الحاوي الكبير» (٨/ ٢٢٠)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٧٤)، و «الإنصاف» (٧/ ٢٦٨)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٥٣، ٤٥٦).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في حكم الوصية
الْأَرْضِ، فَنَبَتَتْ وَصَارَتْ بَقْلًا أَوْ بِالْبَيْضَةِ، فَصَارَتْ فَرْخًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِيمَا أَوْصَى بِهِ، فَيَثْبُتُ الرُّجُوعُ ضَرُورَةً هَذَا إذَا تَغَيَّرَ الْمُوصَى بِهِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ صَارَ شَيْئًا آخَرَ لِزَوَالِ مَعْنَاهُ، وَاسْمِهِ، فَتَعَذَّرَ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ فِيمَا أَوْصَى بِهِ.
وَأَمَّا إذَا تَغَيَّرَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَحُكْمُهُ يُذْكَرُ فِي بَيَانِ مَا تَبْطُلُ بِهِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَلَوْ أَوْصَى بِرُطَبِ هَذَا النَّخْلِ، فَصَارَ بُسْرًا فَالْقِيَاسُ أَنْ تَبْطُلَ الْوَصِيَّةُ لِتَغَيُّرِ الْمُوصَى بِهِ، وَهُوَ الرُّطَبُ مِنْ الرُّطُوبَةِ إلَى الْيُبُوسَةِ.
وَزَوَالِ اسْمِهِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الذَّاتِ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ بَقِيَ مِنْ وَجْهٍ.
أَلَا يَرَى أَنَّ غَاصِبًا لَوْ غَصَبَ رُطَبَ إنْسَانٍ، فَصَارَ تَمْرًا فِي يَدِهِ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ بَلْ يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ تَمْرًا، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ رُطَبًا مِثْلَ رُطَبِهِ.
فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ الْوَصِيَّةِ فَالْوَصِيَّةُ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ: وَصِيَّةٌ بِالْمَالِ، وَوَصِيَّةٌ بِفِعْلٍ مُتَعَلِّقٍ بِالْمَالِ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمَالِ، أَمَّا الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ فَحُكْمُهَا ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْمَالِ الْمُوصَى بِهِ لِلْمُوصَى لَهُ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوصايا
باب ما يكون رجوعا في الوصية
باب ما يكون رجوعا في الوصية
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِآخَرَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ لِلْمُوصِي الرُّجُوعَ فِي وَصِيَّتِهِ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا مِلْكُ مُعْطِيهَا فَأَشْبَهَتِ الْهِبَاتِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي عَطَايَا مَرَضِهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ.
ثُمَّ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ يَكُونُ بِقَوْلٍ أَوْ دَلَالَةٍ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ جَارِيًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لعمرو فقد اختلف الناس في حكم ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ أنه يكون وَصِيَّةً لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ.
وَالثَّانِي: وهو مذهب الحسن وعطاء وطاوس أَنَّهُ يَكُونُ وَصِيَّةً لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ بِالرُّجُوعِ أَشْبَهُ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهَا بَاطِلَةٌ لَا تصح لواحد منها لِإِشْكَالِ حَالِهِمَا.
وَالرَّابِعُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وأبى حنيفة.
أَنَّهَا تَكُونُ وَصِيَّةً لَهُمَا فَتُجْعَلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِهِ لِثَالِثٍ، جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا. وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لِرَابِعٍ جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: ثَلَاثَةُ معاني:
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوصايا
٩٦٦ - مسألة؛ قال: (والوصية بالحمل وللحمل جائزة، إذا أتت به لأقل من ستة أشهر منذ تكلم بالوص
فصل: وإن وَصَّى بالحَمْلِ المَوْجُودِ، اعْتُبِرَ وُجُودُه كما في حَمْلِ الأمَةِ بما يُعْتَبَرُ وُجُودُ الحَمْلِ المُوصَى له. وإن كان حَمْلَ بَهِيمةٍ، اعْتُبِرَ وُجُودُه بما يَثْبُتُ به وُجُودُه في سائِرِ الأحْكامِ.
فصل: وإذا أَوْصَى لما تَحْمِلُ هذه المَرْأَةُ، لم يَصِحَّ. وقال بعضُ أصْحابِ الشافِعيِّ: يَصِحُّ، كما تَصِحُّ الوَصِيَّةُ بما تَحْمِلُ هذه الجارِيَةُ. ولَنا، أنَّ الوَصِيّةَ تَمْلِيكٌ، فلا تَصِحُّ لِلْمَعْدُومِ، بخِلَافِ المُوصَى به، فإنَّه يُمْلَكُ، فلم يُعْتَبَرْ وُجُودُه، ولأنَّ الوَصِيَّةَ أُجْرِيَتْ مُجْرَى المِيرَاثِ، ولو ماتَ إنْسانٌ لم يَرِثْهُ من الحَمْلِ إلَّا مَنْ كان مَوْجُودًا، كذلك الوَصِيَّةُ. ولو تَجَدَّدَ لِلْمَيِّتِ مالٌ بعد مَوْتِه، بأن يَسْقُطَ في شَبَكَتِه صَيْدٌ، لَوَرِثَهُ وَرَثَتُه، ولذلك قَضَيْنَا بثُبُوتِ الإِرْثِ في دِيَتِه، وهى تَتَحَدَّدُ بعد مَوْتِه، فجازَ أَنْ تُمْلَكَ بالوَصِيَّةِ. فإن قيل: فلو وَقَفَ على مَنْ يَحْدُثُ مِن وَلَدِه أو وَلَدِ فُلانٍ صَحَّ، فالوَصِيّةُ أَوْلَى؛ لأنَّها تَصِحُّ بالمَعْدُومِ والمَجْهُولِ، بخِلَافِ الوَقْفِ. قُلْنا: الوَصِيَّةُ أُجْرِيَتْ مُجْرَى المِيرَاثِ، ولا يَحْصُلُ المِيرَاثُ إلَّا لِمَوْجُودٍ، فكذا الوَصِيَّةُ، والوَقْفُ يُرَادُ لِلدَّوَامِ، فمن ضَرُورَتِه إثْباتُه لِلْمَعْدُومِ.
ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.