ب- الإشارة ممن اعتقل لسانه

الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > ب- الإشارة ممن اعتقل لسانه

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

ب- الإشارة ممن اعتقل لسانه - الأقوال والأدلة

وأمَّا إنْ كانَت إِشارتُه غيرَ مُفهِمةٍ فلا حُكمَ لها عندَ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ وغيرِهم (١).

ب- الإِشارةُ ممَّن اعتُقِلَ لِسانُه:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن اعتُقِلَ لِسانُه وأصبَحَ لا يَتكلَّمُ لآفةٍ بعدَ أنْ كانَ ناطِقًا، هل تَصحُّ وَصيتُه بالإِشارةِ أو لا؟

فإنْ كانَت إِشارتُه غيرَ مَفهومةٍ فعامَّةُ الفُقهاءِ على عَدمِ صِحتِها كما في الأَخرسِ.

وإنْ كانَت إِشارتُه مَفهومةً ولكنْ يُئسَ من نُطقِه وبُرئِه بشَهادةِ عُلماءِ الطِّبِّ جَرى عليه ما قدَّمناه من حُكمِ الأَخرسِ في أصلِ الخِلقِة في اعتِبارِ المَفهومِ من إِشارتِه والمَقروءِ من كِتابتِه عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ، الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ في احتِمالٍ.

وأمَّا إنْ كانَت إِشارتُه مَفهومةً ولم يَيأَسْ من بُرئِه فاختَلفَ أهلُ العِلمِ فيها هل تَصحُّ وَصيتُه أو لا؟

فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في احتِمالٍ وابنُ المُنذرِ إلى أنَّ وَصيتَه صَحيحةٌ؛ لأنَّه غيرُ قادِرٍ على الكَلامِ، أشبَهَ الأَخرسَ، واحتَجَّ ابنُ

(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ١٣٥)، و «الأشباه والنظائر» (٣٤٣)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٦٩)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٤٨٦)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥٢٨)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٤٠١، ٤٠٢)، و «الديباج» (٣/ ٧٨)، و «المغني» (٦/ ١٢٠)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٤٢٠)، و «المحرر في الفقه» (١/ ٣٧٦)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٠٧)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٤٤٤).

المُنذرِ «بأنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى وهو قاعِدٌ فأَشارَ إليهم فقَعَدوا» رواه البُخاريُّ (١).

ولمَا رُويَ «أنَّ أُمامةَ بِنتَ العاصِ أُصمِتت فقيلَ لها: لفُلانٍ كذا ولفُلانٍ كذا، فأَشارَت أنْ نَعَمْ، فجعَلَ ذلك وَصيةً» (٢)، قالَ الإِمامُ الشافِعيُّ: فإذا جازَ هذا في الصَّحيحِ لمَا لم يَقدِرْ على الكَلامِ كانَ في الذي لم يَزلْ أمرُه بالإِشارةِ أحْرى (٣).

وعن أنَسِ بنِ مالِكٍ رضي الله عنه قالَ: «عَدا يَهوديٌّ في عَهدِ رَسولِ اللهِ على جاريةٍ فأخَذَ أَوضاحًا كانَت عليها ورضَخَ رأسَها، فأتى بها أَهلُها رَسولَ اللهِ وهي في آخِرِ رَمقٍ وقد أُصمِتت، فقالَ لها رَسولُ اللهِ : مَنْ قتَلَك؟ فُلانٌ؟ لغيرِ الذي قتَلَها، فأَشارَت برأسِها أنْ: لا، قالَ: فقالَ لرَجلٍ آخرَ غيرِ الذي قتَلَها فأَشارَت أنْ: لا، فقالَ: ففُلانٌ؟ لقاتِلِها، فأشارَتْ أنْ: نَعَمْ، فأمَرَ به رَسولُ اللهِ فرُضخَ رأسُه بينَ حَجرَينِ» (٤).

(١) «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٦٩)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٤٨٦)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥٢٨)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٤٠١، ٤٠٢)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٢٦٤)، و «الديباج» (٣/ ٧٨)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٤٢٠)، و «المحرر في الفقه» (١/ ٣٧٦)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٠٧)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٤٤٤).
(٢) رَواه الشافعيُّ ومِن طَريقِه البيهقيُّ في «معرفة السنن والآثار» (٥/ ٥٤٧) قالَ: أخبَرَني رجلٌ عن جَعفرِ بنِ مُحمدٍ عن ابنِه أنَّ أُمامةَ .... قالَ ابنُ المُنيرِ في «البدر المنير» (٧/ ٢٩١): وهذا غَريبٌ عنها.
(٣) «مختصر اختلاف العُلماء» (٥/ ٦٦).
(٤) أخرجه البخاري (٤٩٨٩، ٦٤٨٥)، ومسلم (١٦٧٢).

فجعَلَ رَسولُ اللهِ إشارَتَها بمَنزلةِ دَعواها ذلك بلِسانِها من غيرِ اعتِبارٍ منه دَوامَ ذلك عليها مُدةً من الزَّمانِ، فدَلَّ على أنَّ من اعتُقِلَ لِسانُه فهو بمَنزلةِ الأَخرسِ، فيَجوزُ إِقرارُه بالإِيماءِ والإِشارةِ (١).

قالَ الإِمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: الخَرَسُ على ضَربَينِ: أحدُهما: أنْ يَكونَ من أصلِ الخِلقةِ، والثاني: أنْ يَكونَ لعِلةٍ، فإنْ كانَ من أصلِ الخِلقةِ مَوجودًا مع الوِلادةِ فهذا مُستقِرٌّ لا يُرجَى زَوالُه، فيَكونُ هذا الأَخرسُ في الأَحكامِ المُتعلِّقةِ بأَقوالِه مُعتبَرًا بها حالَ الإِشارةِ، فإنْ كانَ غيرَ مَفهومِ الإِشارةِ وغيرَ مَقروءِ الكِتابةِ لم يَصحَّ منه عَقدٌ ولا قَذفٌ ولا لِعانٌ، وإنْ كانَ مَفهومَ الإِشارةِ مَقروءَ الكِتابةِ صَحَّت عُقودُه اتِّفاقًا.

وأمَّا الخَرسُ الحادِثُ لعِلةٍ طرَأَت فيُرجَعُ فيه إلى عُلماءِ الطِّبِّ، فإنْ شهِدَ عُدولُهم بدَوامِه وعَدمِ بُرئِه جَرى عليه ما قدَّمناه من حُكمِ الخَرسِ في أصلِ الخِلقةِ في اعتِبارِ المَفهومِ من إِشارتِه والمَقروءِ من كِتابتِه، وقد أُصمِتت أُمامةُ بِنتُ أَبي العاصِ رضي الله عنها في مَرضِ مَوتِها، فأَشارَت بوَصايا أَمضاها الصَّحابةُ رضي الله عنهم، وقَضى رَسولُ اللهِ في الأَنصاريةِ التي شدَخَ اليَهوديُّ رأسَها فأُصمِتت بإِشارتِها إلى قاتِلِها.

وإنْ شهِدَ عُلماءُ الطِّبِّ بزَوالِه وحُدوثِ بُرئِه لم يَجرِ على إِشارتِه حُكمٌ، وكانَ كالناطِقِ المُشيرِ، وإنْ أُشكِلَ على الطِّبِّ وجَبَ التَّوقفُ عنه وتَركُ

(١) «مختصر اختلاف العُلماء» (٥/ ٦٦).

الحُكمِ بإِشارتِه حتى يَنتهيَ بتَطاولِ المُدةِ إلى زَمانٍ تَيأسُ فيه من بُرئِه فيُحكمُ حينَئذٍ بخَرسِه واعتِبارِ إشارتِه (١).

وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الناطِقَ إذا اعتُقلَ لِسانُه فعُرضَت عليه وَصيتُه فأَشارَ بها وفُهِمت إِشارتُه فلا تَصحُّ وَصيتُه إذا لم يَكنْ مَيؤُوسًا من نُطقِه، وفي مُصنفِ ابنِ أَبي شَيبةَ بسَندٍ صَحيحٍ عن قَتادةَ عن خِلاسٍ «أنَّ امرأةً قيلَ لها في مَرضِها: «أَوصِي بكَذا أَوصِي بكذا»، فأومَأتْ برَأسِها فلم يُجِزْه علِيُّ بنُ أَبي طالِبٍ» (٢).

وقالَ الإِمامُ أَبو جَعفرٍ الطَّحاويُّ رحمة الله عليه: قالَ أَبو حَنيفةَ في الأَخرسِ يُقرأُ عليه وَصيتُه ويُقالُ له: «نَشهَدُ عليك بما فيه»، فيُشيرُ برَأسِه: نَعَمْ، قالَ: إذا جاءَ من ذلك ما يُعرفُ أنَّه إِقرارٌ أو كتَبَ فهو جائِزٌ، وإذا اعتُقلَ لِسانُ الرَّجلِ لم يَجُزْ أنْ يَشهَدوا على إِشارتِه.

قالَ أَبو جَعفرٍ: يَعني بذلك مَنْ اعتُقلَ لِسانُه إذا لم يَطُلْ به ذلك، فأمَّا إذا يُئسَ من بُرئِه بمُضيِّ مُدةِ أجلِ عِنِّينٍ فهو بمَنزلةِ الأَخرسِ (٣).

وأمَّا حَديثُ الجاريةِ فقالَ الإِمامُ الطَّحاويُّ: مَعلومٌ أنَّ النَّبيَّ لم يَقتُلِ اليَهوديَّ بإِيمائِها وإنَّما قتَلَه بإِقرارٍ منه بذلك أو ببَيِّنةٍ؛ لأنَّ دَعوى

(١) «الحاوي الكبير» (١١/ ٢٣، ٢٤)، و «أسنى المطالب» (٣/ ٤٢)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٢٦٤).
(٢) رواه ابن أَبي شيبة في «مصنفه» (٣٠٨٠٣).
(٣) «مختصر اختلاف العُلماء» (٥/ ٦٥).

المَجروحِ لا تُقبلُ على غيرِه وإنْ جازَ أنْ يَقتلَه بإِقرارِه، وإنْ لم يُنقَلْ إلينا كذلك يَجوزُ أنْ يَكونَ إنَّما قبِلَ الخُصومةَ من أَوليائِها في ذلك بدَعواهم، وكانَت فائِدُة استِثباتِها في ذلك وإِشارتِها أنَّه يُغلَّبُ معها في الظَّنِّ أنَّه هو القاتِلُ، فيَسعُ الأَولياءَ أنْ يَدَّعوا عليه، وإنْ لم يَغلِبْ ذلك في الظَّنِّ لمَا وسِعَهم أنْ يَعتَرضوا رَجلًا من عَرضِ الناسِ فيَدَّعوا ذلك عليه (١).

وقالَ في «البَدائعِ»: إذا كانَ الخَرسُ أصليًّا بأنْ وُلدَ أخرَسَ صحَّت وَصيتُه إذا كانَت الإِشارةُ مَفهومةً في ذلك؛ لأنَّه إذا كانَت الإِشارةُ مَفهومةً في ذلك قامَت الإِشارةُ مَقامَ عِبارتِه.

فأمَّا إذا كانَ عارضًا بأنْ طرَأَ عليه الخَرسُ فلا، إلا إذا دامَ به حتى وقَعَ اليَأسُ من كَلامِه وصارَت الإِشارةُ مَفهومةً فيُلحقُ بالأَخرسِ الأَصليِّ (٢).

وفي «الفَتاوَى الهِندية»: مَريضٌ أَوصَى وهو لا يَقدرُ على الكَلامِ لضَعفِه فأَشارَ برأسِه ويُعلمُ منه أنَّه يَعقلُ إنْ فُهِمت منه الإِشارةُ جازَ وإلا فلا، وهذا إذا ماتَ قبلَ أنْ يَقدرَ على النُّطقِ؛ لأنَّه عندَ ذلك يَظهرُ أنَّه وقَعَ اليَأسُ من كَلامِه فصارَ كالأَخرسِ (٣).

وقالَ ابنُ قُدامةَ: فأمَّا الناطِقُ إذا اعتُقلَ لِسانُه فعُرِضت عليه وَصيتُه فأَشارَ بها وفُهِمت إِشارتُه لم تَصحَّ وَصيتُه، ذكَره القاضي وابنُ عَقيلٍ،

(١) «مختصر اختلاف العُلماء» (٥/ ٦٧).
(٢) «بدائع الصنائع» (٥/ ١٣٥) بتصرف.
(٣) «الفتاوى الهندية» (٦/ ١٠٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوصايا
٩٧٢ - مسألة؛ قال: (ومن جاوز العشر سنين؛ فوصيته جائزة إذا وافق الحق)

والواجِبُ له من الأرْشِ يَسْتَغْرِقُ قِيمَةَ الجانِى، فيَسْتَحِقُّه بها، ولا يَبْقَى لِسَيِّدِه مالٌ سِوَاهُ فيَعْتِقُ ثُلُثُه، ويَرِقُّ ثُلُثاهُ. وإن أعْتَقَ عَبْدَيْنِ، قِيمَةُ أحَدِهِما خَمْسُونَ، وقِيمَةُ الآخَرِ ثَلَاثُونَ، فجَنَى الأدْنَى على الأرْفَعِ، فنَقَصَه حتى صارَتْ قِيمَتُه أرْبَعِينَ، أقْرَعْنا بينهما، فإن خَرَجَتِ القُرْعَةُ للأَدْنَى، عَتَقَ منه شيءٌ، وعليه ثُلُثُ شَىءٍ، فبَعْدَ الجَبْرِ تَبَيَّنَ أنَّ العَبْدَيْنِ شَيْئانِ وثُلُثَان، فالشىءُ ثَلَاثةُ أثْمانِهِما، وقِيمَتُها سَبْعُونَ، فثَلاثةُ أثْمانِها سَبْعةٌ وعِشْرُونَ ورُبْعٌ وهى من الأَدْنَى نِصْفُه وخُمْسَاه ونِصْفُ سُدُسِ عُشْرِه. وإن وَقَعَتْ على الآخَرِ، عَتَقَ ثُلُثُه، وحَقُّه من الجِنَايةِ أكْثَرُ من قِيمَةِ الجانِى، فيَأْخُذُه بها، أو يَفْدِيه المُعْتِقُ. وقد بَقِيَتْ فُرُوعٌ كَثِيرَة، وفيما ذَكَرْنا ما يُسْتَدَلُّ به على غيرِه، إن شاءَ اللهُ تعالى، وكلُّ مَوْضِعٍ زادَ العِتْقُ على ثُلُثِ العَبْدَيْنِ من أجْلِ وُجُوبِ الأَرْشِ لِلسَّيِّدِ، تكونُ الزَّيادَةُ مَوْقُوفةً على أدَاءِ الأرْشِ، كما ذَكَرْنا من قبلُ. واللهُ أعلمُ.

٩٧٢ - مسألة؛ قال: (ومَنْ جَاوَزَ الْعَشْرَ سِنِينَ؛ فوَصِيَّتُهُ جَائِزَةٌ إذَا وَافَقَ الْحَقَّ)

هذا المَنْصُوصُ عن أحمدَ، فإنَّه قال، في رِوَايةِ صالِحٍ، وحَنْبَلٍ: تجوزُ وَصِيّتُه إذا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ. قال أبو بكرٍ: لا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنَّ مَنْ له عَشْرُ سِنِينَ، تَصِحُّ وَصِيَّتُه، ومَنْ له دُونَ السَّبْعِ لا تَصِحُّ وَصِيَّتُه، وما بين السَّبْعِ والعَشْرِ فعلَى رِوَايَتَيْنِ. وقال ابنُ أبي موسَى: لا تَصِحُّ وَصِيّةُ الغُلَامِ لدُونِ العَشْرِ ولا الجارِيَةِ ، قولًا واحِدًا، وما زادَ على العَشْرِ فتَصِحُّ، على المَنْصُوصِ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، لا تَصِحُّ حتى

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 82 - 86

ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل