ب- الوصية للأقارب ولذوي الأرحام

الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > ب- الوصية للأقارب ولذوي الأرحام

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 32 دقيقة قراءة

ب- الوصية للأقارب ولذوي الأرحام - الأقوال والأدلة

قالَ المَشايخُ رحمهم الله تَعالى: ويَكونُ هذا بِناءً على عُرفِ أهلِ الكُوفةِ، وأمَّا في سائِرِ البُلدانِ فاسمُ الخَتنِ يَنطلِقُ على زَوجِ البِنتِ وزَوجِ كلِّ ذاتِ رَحمٍ مَحرَمٍ منه، والصِّهرُ في عُرفِنا أَبو الزَّوجةِ وأُمُّها والعِبرةُ بالعُرفِ.

ولا يَكونُ الأَختانُ من قِبَلِ نِساءِ المُوصي، أي أنَّ امرأةَ المُوصي إذا كانَت لها بِنتٌ من زَوجٍ آخَرَ ولها زَوجٌ تزوَّجَ ابنَتَها لا يَكونُ خَتنًا للمُوصي.

ويَستَوي في ذلك الحُرُّ والعَبدُ والأقرَبُ والأبعَدُ؛ لأنَّ اللَّفظَ يَتناوَلُ الكلَّ ويَستَوي فيه الغَنيُّ والفَقيرُ والذَّكرُ والأُنثى، كلُّهم فيه سَواءٌ لا يَفضُلُ أحدُهم على الآخَرِ من غيرِ تَفصيلٍ من المُوصي (١).

ب- الوَصيةُ للأَقاربِ ولذَوي الأَرحامِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن أَوصَى لأَقرِبائِه أو لذَوي رَحمِه مَنْ يَدخلُ فيهم ومَن لا يَدخلُ؟ على تَفصيلٍ بينَهم في هذا:

قالَ الحَنفيةُ: ومَن أَوصَى لأَقاربِه أو لذَوي قَرابتِه أو لأَرحامِه أو لأَنسابِه فهي للأَقربِ فالأَقربِ من كلِّ ذي رَحمٍ مَحرَمٍ منه، وصُورتُه أنْ يَقولَ: ثُلثُ مالي لذَوي قَرابَتي.

وإنَّما اعتُبِرَ الرَّحمُ المَحرمُ لأنَّ المَقصودَ بهذه الوَصيةِ الصِّلةُ، فاختُصَّت بالرَّحمِ المَحرَمِ، كالنَّفقةِ وإِيجابِ العِتقِ.

(١) «الهداية» (٤/ ٢٤٩)، و «العناية» (١٦/ ١٦٥، ١٦٦)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٤٠٩، ٤١١)، و «اللباب» (٦٠٣، ٦٠٤)، و «الفتاوى الهندية» (٦/ ١٢٠).

ولا يَدخلُ فيه الوالِدانِ والوَلدُ سَواءٌ كانَ ذَكرًا أو أُنثى؛ لأنَّهم لا يُسمَّونَ أَقاربَ؛ لأنَّ القَرابةَ اسمٌ لمَا يَقرُبُ من الإِنسانِ بغيرِه، والأَبوانِ أَصلُ القَرابةِ، والوَلدُ يَقرُبُ بنَفسِه، فلا يَتناولُ الاسمَ، ولهذا قالوا: مَنْ سمَّى والِدَه قَريبًا كانَ ذلك عُقوقًا منه، ولأنَّ اللهَ تَعالى عطَفَ الأَقرَبينَ على الوالِدَينِ، والمَعطوفُ غيرُ المَعطوفِ عليه (١).

وقالَ المالِكيةُ: إذا أَوصَى لأقارِبِ زَيدٍ مَثلًا أو لأَرحامِه أو لأَهلِه أو لقَرابَتي أو رَحِمي أو لذَوي رَحِمي أو لأَهلي أو لأهلِ بَيتي؛ فإنَّه يَدخلُ في ذلك الأَقاربُ للأُمِّ، كأَبي الأُمِّ وعَمِّها لأَبيها أو لأُمِّها وكأَخيها وابنِ بِنتِها إلى غيرِ ذلك، ومَحلُّ ذلك إذا لم يَكنْ لزَيدٍ أَقاربُ من الأَبِ، فإنْ كانَ فلا يَدخلُ أَقاربُه من أُمِّه، ويَختصُّ بها أَقاربُ الأَبِ لشَبهِ الوَصيةِ بالإِرثِ من حيثُ تَقديمُ العَصبةِ على ذَوي الأرحامِ.

لكنْ إنْ كانَت الوَصيةُ لأَقاربِ الغيرِ أو لأهلِ الغيرِ أو لأَرحامِ الغيرِ، ودخَلَت أَقاربُه من جِهةِ أَبيه، أو أقارِبُه من جِهةِ أُمِّه إنْ لم يَكنْ له أقارِبُ من جِهةِ أَبيه؛ فإنَّه يَستَوي في ذلك الوارِثُ وغيرُ الوارِثِ، فيَدخُلونَ كلُّهم مَدخَلًا واحِدًا، فيَدخلُ العَمُّ للأُمِّ والأُمُّ؛ لأنَّ المُوصي ليسَ هو المَوروثَ بخِلافِ ما لو أَوصَى لأقارِبِ نَفسِه أو لأرحامِه أو لأهلِه؛ فإنَّ الوارِثَ له -أي: بالفِعلِ- لا يَدخلُ في الوَصيةِ؛ لأنَّ الشَّرعَ حكَمَ بمَنعِ الوَصيةِ للوارِثِ،

(١) «الهداية» (٤/ ٢٥٠)، و «العناية» (١٦/ ١٦٧)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٤١١)، و «اللباب» (٢/ ٦٠٤).

فإذا كانَ له وَلدٌ مَثلًا وأَعمامٌ، دخَلَ الأَعمامُ وبَنوهم والأَخوالُ والخالاتُ والعَمَّاتُ ولا يَدخلُ الوَلدُ.

وإذا أَوصَى لأَقاربِ فُلانٍ الأجنَبيِّ أو لأَرحامِه أو لأَهلِه أو أَوصَى لأَقاربِه هو أو لأَرحامِه أو لأَهلِه؛ فإنِ استَوَوْا في الحاجةِ سُوِّيَ بينَهم في الإِعطاءِ، وإنْ كانَ منهم مُحتاجٌ أو أُحوِجَ؛ فإنَّه يَجبُ إِيثارُه على غيرِه بدَفعِ زِيادةٍ له على غيرِه، سَواءٌ كانَ ذلك المُحتاجُ أقرَبَ أو أبعَدَ، إلا أنْ يَقولَ: «أَعطُوا فُلانًا ثم فُلانًا»؛ فإنَّه يُعملُ على قَولِه ويُقدَّمُ من قدَّمَه ولو كانَ غيرُه أحوَجَ منه، أو يَقولَ: «أَعطُوا الأقرَبَ فالأقرَبَ»، فيُقدَّمُ الأخُ وابنُه على الجَدِّ؛ لأنَّهما يُدليانِ بالبُنوةِ والجَدُّ يُدلي بالأُبوةِ، وجِهةُ البُنوةِ أَقوى، وإذا قُدمَ الأقرَبُ فإنَّه يُزادُ له شَيءٌ من الوَصيةِ ولا يَختصُّ بجَميعِها، فإذا أَوصَى لمَن يُمكِنُ حَصرُه إلا أنَّه لم يُسمِّهم؛ فإنَّه يُسوِّي بينَهم في القِسمةِ.

أمَّا إذا أَوصَى بثُلثِه للفُقراءِ أو للمَساكينِ أو للغُزاةِ أو لقَبيلةٍ كَبيرةٍ وكلِّ ما لا يَنحصِرُ فإنَّه لا يَلزمُ تَعميمُ الجَميعِ إذْ يَتعذَّرُ ذلك عادةً ويَجتهِدُ مَنْ يَتولَّى تَفرِقةَ ثُلثِ المَيتِ من وَصيٍّ أو قاضٍ أو مُقدَّمٍ أو وارِثٍ وإذا أَوصَى لقَبيلةٍ كَبيرةٍ ولزَيدٍ أو للمَساكينِ وزيدٍ أو للغُزاةِ وزَيدٍ؛ فإنَّ الثُّلثَ يُقسَمُ بينَهم ويَصيرُ زَيدٌ كواحِدٍ منهم ويَجتهِدُ المُتولِّي في التَّقديمِ والتَّأخيرِ وفي قَدرِ ما يُعطي؛ لأنَّ القَرينةَ هنا دلَّت على أنَّ المُوصي أَعطَى المَعلومَ حُكمَ المَجهولِ وألحَقَه به وأجرى على حُكمِه حيثُ ضمَّه إليه، فلا يُقالُ: إنَّه إذا اجتمَعَ مَعلومٌ ومَجهولٌ جُعلَ لكلٍّ منهما النِّصفُ، فلو ماتَ زَيدٌ قبلَ قَسمِ

المالِ المُوصَى به؛ فإنَّ وارِثَه لا شَيءَ له من ذلك كما إذا ماتَ واحِدٌ من المُسلِمينَ أو الغُزاةِ قبلَ القَسمِ؛ فإنَّه لا شَيءَ لوارِثِه، قالَ في المُدونةِ: إنَّما يَكونُ الثُّلثُ لمَن أدرَكَ القَسمَ. اه. أي: فلم يَمُتْ عن حَقٍّ حتى يُورَثَ عنه (١).

وقالَ الشافِعيةُ: لو أَوصَى لأقارِبِ زَيدٍ مَثلًا أو رَحِمَه دخَلَ كلُّ قَرابةٍ له وإنْ بعُدَ؛ لشُمولِ الاسمِ واستِوائِهم في تَناولِ اللَّفظِ، ولا فَرقَ بينَ الوارِثِ وغيرِه ولا بينَ الذَّكرِ والأُنثى ولا بينَ الغَنيِّ والفَقيرِ ولا المُسلمِ والكافِرِ، فيَجبُ استِيعابُهم والتَّسويةُ بينَهم وإنْ كَثُروا وشَقَّ استِيعابُهم، ولو لم يَكنْ له إلا قَريبٌ واحِدٌ أو اثنان صُرفَ له أو لهما، ولم يُنظَرْ إلى كَونِ اللَّفظِ جَمعًا، ولا يَأخذُ القِسطَ على الأصَحِّ.

ولا يَدخلُ الأَصلُ وهُم الأَبُ والأُمُّ ولا الفَرعُ وهو الوَلدُ في الأصَحِّ؛ لأنَّهم لا يُسمَّوْن أقارِبَ عُرفًا بالنِّسبةِ إلى الوَصيةِ، ولو لم يَكنْ له قَريبٌ غيرُهم صُرفَ إليهم، كما لو وقَفَ على أَولادِه وليسَ له إلا أَولادُهم، أمَّا الأَجدادُ والأَحفادُ فيَدخُلونَ لشُمولِ الاسمِ لها.

وفي مُقابلِ الأصَحِّ: يَدخُلونَ، لدُخولِهما في الوَصيةِ لأقرَبِ أَقربائِه، فكيف يَكونُ أقرَبَ ولا يَكونُ قَريبًا؟

وقيلَ: لا يَدخلُ أحدٌ من الأُصولِ والفُروعِ.

(١) «التاج والإكليل» (٥/ ٤٤٧)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٧٥، ١٧٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٥٠٠)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥٤٥).

ولا تَدخلُ قَرابةُ أُمٍّ في الوَصيةِ للأقارِبِ في الأصَحِّ إذا كانَ المُوصي عَربيًّا؛ لأنَّ العَربَ لا تَفتخِرُ بها ولا تَعُدُّها قَرابةً.

والثاني وصَحَّحه الأكثَرونَ أنَّ قَرابةَ الأُمِّ تَدخلُ في لَفظِ الرَّحمِ عندَ العَربِ والعَجمِ جَميعًا، ولا شَكَّ أنَّ الرَّحمَ هي القَرابةُ؛ لقَولِ النَّبيِّ في القِبطِ: «إنَّ لهم ذِمةً ورَحمًا» (١)؛ لأنَّ أُمَّ إِسماعيلَ عليه السلام منهم، ويَدخُلونَ في الوَصيةِ للرَّحمِ اتِّفاقًا.

وليسَ وَلدُ الرَّضاعةِ ولا الزَّوجةُ من الأقارِبِ، ويَدخلُ في المَحارِمِ كلُّ مَحرَمٍ بنسَبٍ أو مُصاهَرةٍ أو رَضاعٍ.

والعِبرةُ في ضَبطِ الأقارِبِ بأقرَبِ جَدٍّ يُنسَبُ إليه زَيدٌ أو أُمُّه بِناءً على دُخولِ أقارِبِها، وتُعدُّ أَولادُ ذلك الجَدِّ قَبيلةً واحِدةً.

ويَدخلُ في أقرَبِ أَقرِباءِ زَيدٍ الأَصلُ، أي: الأبَوانِ والفَرعُ؛ لأنَّه ليسَ ثَمَّ أقرَبُ منهما، ثم غيرُهما عندَ فَقدِهما رِعايةً لوَصفِ الأقرَبيةِ المُقتَضي لزِيادةِ القُربِ.

والأصَحُّ تَقديمُ الفُروعِ على الأُصولِ وإنْ سَفَلوا؛ لأنَّه أَقوى إِرثًا وتَعصيبًا، فيُقدَّمُ الأَولادُ ثم أَولادُهم وإنْ سَفَلوا ولو من أَولادِ البَناتِ الأقرَبِ فالأقرَبِ، فيُقدَّمُ وَلدُ الوَلدِ على وَلدِ وَلدِ الوَلدِ، ثم يُقدَّمُ الأبَوانِ على مَنْ فَوقَهما، ثم الإِخوةُ من الجِهاتِ الثَّلاثِ ولو من الأُمِّ على الجَدِّ من الجَهتَينِ، ثم بعدَ الجُدودةِ العُمومةُ والخُؤولةُ.

(١) أخرجه مسلم (٢٥٤٣).

فعُلمَ من ذلك تَقديمُ ابنٍ وبِنتٍ وذُرِّيتِهما على أَبٍ، وتَقديمُ أخٍ وذُرِّيتِه من أيِّ جِهةٍ على جَدٍّ من أيِّ جِهاتِه.

ولا يُرجَّحُ بذُكورةٍ ووِراثةٍ، بل يَستَوي الجَميعُ، الأَبُ والأُمُّ والابنُ والبِنتُ والأخُ والأُختُ؛ لاستِواءِ الجِهةِ في كلٍّ كما يَستَوي المُسلمُ والكافِرُ، والأخُ من الأبِ والأخُ من الأُمِّ سَواءٌ.

ويُقدَّمُ ابنُ البِنتِ على ابنِ ابنِ الابنِ؛ لأنَّه أقرَبُ منه دَرجةً.

ولو أَوصَى لأقارِبِ نَفسِه أو أقرَبِ أقارِبِ نَفسِه لم يَدخُلْ وَرثتُه في الأصَحِّ؛ لأنَّه لا يُوصَى له عادةً فيَختصُّ بالباقينَ، ولو أَوصَى لأهلِه فهُم مَنْ تَلزمُه نَفقتُهم من غيرِ الورَثةِ (١).

وأمَّا الحَنابِلةُ فجاءَ في المُغني لابنِ قُدامةَ: مَسألةٌ: قالَ: ومَن أَوصَى لقَرابتِه فهو للذَّكرِ والأُنثَى بالسَّويةِ، ولا يُجاوزُ بها أربَعةَ آباءٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ لم يُجاوِزْ بَني هاشِمٍ بسَهمِ ذي القُربَى.

وجُملتُه: أنَّ الرَّجلَ إذا أَوصَى لقَرابتِه أو لقَرابةِ فُلانٍ كانَت الوَصيةُ لأَولادِه وأَولادِ أبيه وأَولادِ جَدِّه وأَولادِ جَدِّ أَبيه، ويَستَوي فيه الذَّكرُ والأُنثى، ولا يُعطي مَنْ هو أبعَدُ منهم شَيئًا، فلو وَصَّى لقَرابةِ النَّبيِّ أَعطَى أَولادَه وأَولادَ عبدِ المُطلبِ وأَولادَ هاشِمٍ، ولم يُعطِ

(١) «الحاوي الكبير» (٨/ ٣٠٢، ٣٠٥)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٤٣١، ٤٣٣)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٢٩٢، ٢٩٧)، و «مغني المحتاج» (٤/ ١٠٣، ١٠٦)، و «الديباج» (٣/ ٨٨، ٨٩).

بَني عبدِ شَمسٍ ولا بَني نَوفلٍ شَيئًا؛ لأنَّ اللهَ تَعالى لمَّا قالَ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر: ٧] يَعني قُرباءَ النَّبيِّ ، أَعطَى النَّبيُّ هؤلاء الذين ذَكَرناهم ولم يُعطِ مَنْ هو أبعَدُ منهم، كبَني عبدِ شَمسٍ ونَوفلٍ شَيئًا، إلا أنَّه أَعطَى بَني المُطلبِ وعلَّلَ عَطيتَهم بأنَّهم لم يُفارِقوا بَني هاشِمٍ في جاهِليةٍ ولا إِسلامٍ.

ولم يُعطِ قَرابةَ أُمِّه وهُم بَنو زُهرةَ شَيئًا، ولم يُعطِ منهم إلا مُسلمًا، فحُملَ مُطلقُ كَلامِ المُوصي على ما حُملَ عليه المُطلقُ من كَلامِ اللهِ تَعالى، وفُسرَ بما فُسرَ به، ويُسوِّي بينَ قَريبِهم وبَعيدِهم وذَكرِهم وأُنثاهم؛ لأنَّ الوَصيةَ لهم سَواءٌ، ويَدخلُ في الوَصيةِ الكَبيرُ والصَّغيرُ والغَنيُّ والفَقيرُ، ولا يَدخلُ الكُفارُ؛ لأنَّهم لم يَدخُلوا في المُستحِقِّ من قُربَى النَّبيِّ .

وقد نقَلَ عبدُ اللهِ وصالِحٌ عن أَبيهما رِوايةً أُخرى أنَّه يُصرفُ إلى قَرابةِ أُمِّه إنْ كانَ يَصِلُهم في حَياتِه، كأَخوالِه وخالاتِه وأَخواتِه من أُمِّه، وإنْ كانَ لا يَصِلُهم لم يُعطَوْا شَيئًا؛ لأنَّ عَطيَّتَه لهم في حَياتِه قَرينةٌ دالَّةٌ على صِلتِه لهم بعدَ مَماتِه وإلا فلا.

وعنه رِوايةٌ أُخرى أنَّه يُجاوزُ بها أربَعةَ آباءٍ، ذكَرَها ابنُ أَبي مُوسى في «الإِرشادِ»، وهذه الرِّوايةُ تَدلُّ على أنَّ لَفظَه لا يَتقيَّدُ بالقَيدِ الذي ذكَرناه، فعلى هذا يُعطَى كلُّ مَنْ يَعرفُ بقَرابتِه من قِبَلِ أَبيه وأُمِّه الذين يُنسَبونَ إلى الأَبِ الأَدْنى الذي يُنسَبُ إليه، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنَّهم قَرابةٌ فيَتناوَلُهم

الاسمُ ويَدخُلونَ في عُمومِه، وإِعطاءُ النَّبيِّ لبعضِ قَرابتِه تَخصيصٌ لا يَمنعُ من العُمومِ في غيرِ ذلك المَوضعِ.

وقد قالَ أَبو حَنيفةَ: قَرابتُه كلُّ ذي رَحمٍ مَحرَمٍ، فيُعطى من أَدناهم اثنان فصاعِدًا، فإذا كانَ له عَمَّانِ وخالانِ فالوَصيةُ لعَمَّيه، وإنْ كانَ له عَمٌّ وخالانِ فلعَمِّه النِّصفُ ولخالَيه النِّصفُ.

وقالَ قَتادةُ: للأَعمامِ الثُّلثانِ وللأَخوالِ الثُّلثُ، وبه قالَ الحَسنُ، قالَ: ويُزادُ الأقرَبُ بعضَ الزِّيادةِ.

وقالَ مالِكٌ: يُقسَمُ على الأقرَبِ فالأقرَبِ بالاجتِهادِ.

ولنا: أنَّ هذا الاسمَ له عُرفٌ في الشَّرعِ، وهو ما ذَكَرناه، فيَجبُ حَملُه عليه وتَقديمُه على العُرفِ اللُّغويِّ كالوُضوءِ والصَّلاةِ والصَّومِ والحَجِّ، ولا وَجهَ لتَخصيصِه بذي الرَّحمِ المَحرَمِ؛ فإنَّ اسمَ القَرابةِ يَقعُ على غيرِهم عُرفًا وشَرعًا، وقد تَحرُمُ على الرَّجلِ رَبيبَتُه وأُمَّهاتُ نِسائِه وحَلائِلُ آبائِه وأَبنائِه ولا قَرابةَ لهم، وتَحلُّ له ابنةُ عَمِّه وابنةُ عَمَّتِه وابنةُ خالِه وابنةُ خالَتِه وهُنَّ من أقارِبِه.

وما ذكَرَه من التَّفصيلِ لا يَقتَضيه اللَّفظُ ولا يَدلُّ عليه دَليلٌ فالمَصيرُ إليه تَحكُّمٌ.

فأمَّا إنْ كانَ في لَفظِه ما يَدلُّ على إِرادةِ قَرابةِ أُمِّه كقَولِه: «وتُفضَّلُ قَرابَتي من جِهةِ أَبي على قَرابَتي من جِهةِ أُمِّي» أو قَولِه: «إلا ابنَ خالَتي فُلانًا»

أو نَحوَ ذلك، أو كانَ هناك قَرينةٌ تُخرجُ بعضَهم عُملَ بما دَلَّت عليه القَرينةُ؛ لأنَّها تَصرِفُ اللَّفظَ عن ظاهِرِه إلى غيرِه.

ثم قالَ: فَصلٌ: فإنْ وَصَّى لأقرَبِ أقارِبِه أو أقرَبِ الناسِ إليه أو أقرَبِهم به رَحِمًا لم يُدفَعْ إلى الأبعَدِ مع وُجودِ الأقرَبِ، فيُقدَّمُ الأَبُ على كلِّ من أدلَى به من الأَجدادِ والإِخوةِ والأَعمامِ، والابنُ مُقدَّمٌ عليهم وعلى كلِّ مَنْ أَدلى به، ويَستَوي الأَبُ والابنُ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يُدلي بنَفسِه من غيرِ واسِطةٍ، ويَحتمِلُ أنْ يُقدَّمَ الابنُ؛ لأنَّه يُسقِطُ تَعصيبَ الأَبِ.

والأوَّلُ أوْلى؛ لأنَّ إِسقاطَ تَعصيبِه لا يَمنعُ مُساواتَه في القُربِ ولا كَونَه أقرَبَ منه؛ بدَليلِ أنَّ ابنَ الابنِ يَسقطُ تَعصيبُه مع بُعدِه، ويُقدَّمُ الابنُ على الجَدِّ والأَبُ على ابنِ الابنِ، وقالَ أَصحابُ الشافِعيِّ رضي الله عنه يُقدَّمُ ابنُ الابنِ على الأَبِ في أحدِ الوَجهَينِ؛ لأنَّه يَسقطُ تَعصيبُه.

ولنا: أنَّ الأبَ يُدلي بنَفسِه ويَلي ابنَه من غيرِ حاجِزٍ ولا يَسقطُ مِيراثُه بحالٍ، بخِلافِ ابنِ الابنِ والأَبِ والأُمِّ فهُم سَواءٌ، وكذلك الابنُ والبِنتُ والجَدُّ أَبو الأَبِ وأَبو الأُمِّ وأُمُّ الأَبِ وأُمُّ الأُمِّ كلُّهم سَواءٌ، ثم مِنْ بعدِ الأَولادِ أَولادُ البَنينَ وإنْ سَفَلوا، الأقرَبُ فالأقرَبُ الذُّكورُ والإِناثُ، وفي أَولادِه البَناتِ وَجهانِ بِناءً على دُخولِهم في الوَقفِ، ثم مِنْ بعدِ الوَلدِ الأَجدادُ الأقرَبُ منهم فالأقرَبُ؛ لأنَّهم العَمودُ الثاني، ثم الإِخوةُ والأَخواتُ؛ لأنَّهم وَلدُ الأَبِ أو مِنْ وَلدِ الأُمِّ، ثم وَلدُهم وإنْ سَفَلوا، ولا شَيءَ لوَلدِ الأَخواتِ إذا قُلنا: لا يَدخلُ وَلدُ البَناتِ، وإذا تَساوَت دَرجتُهم فأَوْلاهم وَلدُ الأبوَينِ، ويُسوَّى بينَ وَلدِ

الأَبِ ووَلدِ الأُمِّ؛ لأنَّهما على دَرجةٍ واحِدةٍ، وكذلك وَلَداهما، والأخُ للأَبِ أَولى من ابنِ الأخِ من الأبوَينِ كما في المِيراثِ، ثم بعدَهم الأَعمامُ ثم بَنوهم وإنْ سَفَلوا، يَستَوي العَمُّ من الأَبِ، والعَمُّ من الأُمِّ وكذلك أَبناؤُهما وعلى هذا التَّرتيبِ، ذكَرَه القاضي. وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ رضي الله عنه، إلا أنَّه يَرى دُخولَ وَلدِ البَناتِ والأَخواتِ والأَخوالِ والخالاتِ، وهذا القَولُ إنَّما يَخرجُ في مَذهبِ أَحمدَ على الرِّوايةِ الثالِثةِ التي تُجعلُ القَرابةُ فيها: كلَّ مَنْ يَقعُ عليهم اسمُ القَرابةِ، فأمَّا على الرِّوايةِ التي اختارَها الخِرقيُّ وأنَّ القَرابةَ اسمٌ لمَن كانَ من أَولادِ الآباءِ، فلا يَدخلُ فيه الأُمُّ ولا أَقاربُها؛ لأنَّ مَنْ لم يَكنْ من القَرابةِ لم يَكنْ أقرَبَ القَرابةِ، فعلى هذا تَتناوَلُ الوَصيةُ مَنْ كانَ أقرَبَ من أَولادِ المُوصي وأَولادِ آبائِه إلى أربَعةِ آباءٍ ولا يَعدُوهم ذلك.

وإنْ وَصَّى لجَماعةٍ من أقرَبِ الناسِ إليه أُعطيَ لثَلاثةٍ من أقرَبِ الناسِ إليه، وإنْ وُجدَ أكثَرُ من ثَلاثةٍ في دَرجةٍ واحِدةٍ كالإِخوةِ فالوَصيةُ لجَميعِهم؛ لأنَّ بعضَهم ليسَ بأَوْلى من بعضٍ والاسمُ يَشملُهم، وإنْ لم يُوجَدْ ثَلاثةٌ في دَرجةٍ واحِدةٍ كَمُلَت من الثانيةِ، وإنْ كانَت في الدَّرجةِ الثانيةِ جَماعةٌ سُوِّيَ بينَهم لمَا ذَكَرنا في الدَّرجةِ الأُولى، وإنْ لم يَكمُلْ من الثانيةِ فمِن الثالِثةِ، فإذا وُجدَ ابنٌ وأخٌ وعَمٌّ فالوَصيةُ تَكونُ بينَهم أَثلاثًا، وكذلك إنْ كانَ ابنٌ وأَخوانِ، وإنْ كانَ ابنٌ وثَلاثةُ إِخوةٍ دخَلَ جَميعُهم في الوَصيةِ، ويَنبَغي أنْ يَكونَ للابنِ ثُلثُ الوَصيةِ ولهم ثُلثاها، فإنْ كانَ الابنُ وارِثًا سقَطَ حَقُّه من الوَصيةِ إنْ لم يُجَزْ له، والباقي للإِخوةِ، وإنْ وَصَّى لعَصبَتِه فهو لمَن يَرِثُه

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوصايا
باب الوصية للقرابة من ذوي الأرحام

باب الوصية للقرابة من ذوي الأرحام

مَسْأَلَةٌ:

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ قَالَ ثُلُثِي لقرابتي أو لذوي وأرحمي لِأَرْحَامِي فَسَوَاءٌ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالَأُمِّ، وَأَقْرَبُهُمْ وَأَبْعَدُهُمْ وَأَغْنَاهُمْ وَأَفْقَرُهُمْ سَوَاءٌ لِأَنَّهُمْ أُعْطُوا بِاسْمِ القرابة كما أعطي من شهد القتال باسم الحضور وإن كان من قبيلة من قريش أعطي بقرابته المعروفة عند العامة فينظر إلى القبيلة التي ينسب إليها فيقال من بني عبد مناف ثم يقال وقد تفترق بنو عبد مناف فمن أيهم؟ قيل من بني عبد يزيد بن هاشم بن المطلب فإن قيل أفيتميز هؤلاء؟ قيل نعم هم قبائل فإن قيل فمن أيهم؟ قيل من بني عبيد بن عبد يزيد فإن قيل أفيتميز هؤلاء؟ قيل نعم بنو السائب بن عبيد بن عبد يزيد فإن قيل أفيتميز هؤلاء؟ قيل نعم بنو شافع وبنو علي وبنو عباس أو عياش شك المزني وكل هؤلاء بنو السائب فإن قيل أفيتميز هؤلاء؟ قيل نعم كل بطن من هؤلاء يتميز عن صاحبه فإذا كان من آل شافع قيل لقرابته هم آل شافع دون آل علي والعباس لأن كل هؤلاء متميز ظاهر " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْوَصِيَّةُ لِلْأَقَارِبِ فَمُسْتَحَبَّةٌ وَغَيْرُ واجبة لقوله تعالى: {وإذا حضر القسمة أولوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} النساء: ٨ .

وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى وُجُوبِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} الإسراء: ٢٦ . وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى بُطْلَانِهَا لِلْجَهْلِ بِعَدَدِهِمْ، وَأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ قَرَابَةٌ لأن أبيهم يَجْمَعُهُمْ.

وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ فَاسِدٌ، أَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَمَا قَدَّمْنَا مِنَ الْآيَةِ.

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في حكم الوصية

الْأَرْضِ، فَنَبَتَتْ وَصَارَتْ بَقْلًا أَوْ بِالْبَيْضَةِ، فَصَارَتْ فَرْخًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِيمَا أَوْصَى بِهِ، فَيَثْبُتُ الرُّجُوعُ ضَرُورَةً هَذَا إذَا تَغَيَّرَ الْمُوصَى بِهِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ صَارَ شَيْئًا آخَرَ لِزَوَالِ مَعْنَاهُ، وَاسْمِهِ، فَتَعَذَّرَ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ فِيمَا أَوْصَى بِهِ.

وَأَمَّا إذَا تَغَيَّرَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَحُكْمُهُ يُذْكَرُ فِي بَيَانِ مَا تَبْطُلُ بِهِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَلَوْ أَوْصَى بِرُطَبِ هَذَا النَّخْلِ، فَصَارَ بُسْرًا فَالْقِيَاسُ أَنْ تَبْطُلَ الْوَصِيَّةُ لِتَغَيُّرِ الْمُوصَى بِهِ، وَهُوَ الرُّطَبُ مِنْ الرُّطُوبَةِ إلَى الْيُبُوسَةِ.

وَزَوَالِ اسْمِهِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الذَّاتِ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ بَقِيَ مِنْ وَجْهٍ.

أَلَا يَرَى أَنَّ غَاصِبًا لَوْ غَصَبَ رُطَبَ إنْسَانٍ، فَصَارَ تَمْرًا فِي يَدِهِ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ بَلْ يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ تَمْرًا، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ رُطَبًا مِثْلَ رُطَبِهِ.

فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ الْوَصِيَّةِ فَالْوَصِيَّةُ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ: وَصِيَّةٌ بِالْمَالِ، وَوَصِيَّةٌ بِفِعْلٍ مُتَعَلِّقٍ بِالْمَالِ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمَالِ، أَمَّا الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ فَحُكْمُهَا ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْمَالِ الْمُوصَى بِهِ لِلْمُوصَى لَهُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 257 - 266

ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده