الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > ب- الوصية للحربي والمستأمن
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 30 دقيقة قراءةومَعنى ذلك في الأَجنبيِّينَ واللهُ ﷾ أعلَمُ إذا كانَ لهم حَقٌّ من جِوارٍ أو يَدٍ سلَفَت لهم إليه أو ما أشبَهَ ذلك، وأمَّا إنْ لم يَكنْ لذلك سَببٌ فالوَصيةُ مَحظورةٌ؛ إذْ لا يُوصي للكافرِ من غيرِ سَببٍ ويَتركُ المُسلمَ إلا مُسلمُ سُوءٍ مَريضُ الإِيمانِ، قالَ اللهُ ﷿: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ … ﴾ [المجادلة: ٢٢] إلى قوله: ﴿ … أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (١).
ب- الوَصيةُ للحَربيِّ والمُستأمَنِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الوَصيةِ للكافرِ الحَربيِّ هل تَصحُّ له أو لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ في المَذهبِ والمالِكيةُ في المُعتمَدِ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأصَحِّ والحَنابِلةُ في احتِمالٍ إلى أنَّه لا تَصحُّ الوَصيةُ للكافرِ الحَربيِّ.
إلا أنَّ الحَنفيةَ يُفرِّقونَ بينَ ما إذا دخَلَ إلينا بأَمانٍ فعندَئذٍ تَصحُّ له الوَصيةُ، وبينَ ما إذا كانَ في بِلادِ الكُفارِ ولم يَدخُلْ إلينا بأَمانٍ، فإذا أَوصَى المُسلمُ لحَربيٍّ في دارِ الحَربِ لم تَصحَّ هذه الوَصيةُ، فإنْ خرَجَ الحَربيُّ المُوصَى له إلى دارِ الإِسلامِ بأَمانٍ وأَرادَ أخْذَ وَصيتِه لم يَكنْ له من ذلك شَيءٌ، وإنْ أَجازَت الوَرثةُ، هذا إذا كانَ المُوصي في دارِ الإِسلامِ وكانَ المُوصَى له حَربيًّا في دارِ الحَربِ، وأمَّا إذا كانَ المُوصي في دارِ الحَربِ أيضًا فقد اختَلفَ مَشايخُ الحَنفيةِ فيه.
(١) «البيان والتحصيل» (١٢/ ٤٧٧، ٤٧٨)، و «المختصر الفقهي» (١٦/ ١١٢، ١١٣)، و «الذخيرة» (٧/ ١٤، ١٥).
قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: ومنها ألَّا يَكونَ حَربيًّا عندَ مُستأمَنٍ، فإنْ كانَ لا تَصحُّ الوَصيةُ له من مُسلمٍ أو ذِميٍّ؛ لأنَّ التَّبرعَ بتَمليكِ المالِ إياه يَكونُ إِعانةً له على الحَربِ، وهذا لا يَجوزُ، وأمَّا كَونُه مُسلمًا فليسَ بشَرطٍ حتى لو كانَ ذِميًّا فأَوصَى له مُسلمٌ أو ذِميٌّ جازَ …
وإنْ كانَ مُستأمَنًا فأَوصَى له مُسلمٌ أو ذِميٌّ ذكَرَ في «الأَصل» أنَّه يَجوزُ؛ لأنَّه في عَهدِنا فأشبَهَ الذِّميَّ الذي هو في عَهدِنا، وتَجوزُ الوَصيةُ للذِّميِّ، وكذا الحَربيُّ المُستأمَنُ.
ورُويَ عن أَبي حَنيفةَ رضي الله عنه أنَّه لا يَجوزُ، وهذه الرِّوايةُ بقَولِ أَصحابِنا رحمهم الله أشبَهُ؛ فإنَّهم قالوا: إنَّه لا يَجوزُ صَرفُ الكَفارةِ والنَّذرِ وصَدقةِ الفِطرِ والأُضحيةِ إلى الحَربيِّ المُستأمَنِ لمَا فيه من الإِعانةِ على الحَربِ، ويَجوزُ صَرفُها إلى الذِّميِّ؛ لأنَّا ما نَهَينا عن بِرِّ أهلِ الذِّمةِ لقَولِ اللهِ ﷾: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨]، وقيلَ: إنَّ في التَّبرعِ عليه في حالِ الحَياةِ بالصَّدقةِ والهِبةِ رِوايتَينِ عن أَصحابِنا، فالوَصيةُ له على تلك الرِّوايتَينِ أيضًا (١).
وجاءَ في «شَرح السِّيَر الكَبير» للإِمامِ مُحمدِ بنِ الحَسنِ الشَّيبانِيِّ رحمة الله عليه: ووَصيةُ المُستأمنِ بجَميعِ مالِه لمُسلمٍ أو ذِميٍّ تَكونُ صَحيحةً وليسَ لوارِثِه فيها حَقُّ الرَّدِّ؛ لأنَّ حُرمةَ مالِه لحَقِّه لا لحَقِّ وارِثِه الذي في دارِ الحَربِ، ولأنَّ بُطلانَ الوَصيةِ فيما زادَ على الثُّلثِ عندَ عَدمِ إِجازةِ الوَرثةِ
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٤١).
من حُكمِ الإِسلامِ، والمُستأمَنُ غيرُ مُلتزِمٍ لذلك، ولهذا يَثبتُ هذا الحُكمُ في حَقِّ الذِّميِّ؛ لأنَّه مُلتزمٌ حُكمَ الإِسلامِ فيما يَرجعُ إلى المُعامَلاتِ، ووَصيةُ الذِّميِّ للحَربيِّ المُستأمَنِ بالثُّلثِ تَكونُ صَحيحةً بمَنزلةِ وَصيةِ المُسلمِ للذِّميِّ.
ووَصيةُ المُسلمِ أو الذِّميِّ لحَربيٍّ في دارِ الحَربِ لا تَكونُ صَحيحةً وإنْ أَجازَها الوَرثةُ إلا أنْ يَشاؤُوا أنْ يَهبُوا له شَيئًا من أَموالِهم فيَجوزَ ذلك إذا قبَضَ؛ لأنَّ مَنْ في دارِ الحَربِ في حَقِّ مَنْ هو في دارِ الإِسلامِ كالمَيتِ، فإنْ كانَ وارِثُ المُستأمَنِ معه بأَمانٍ فينا لم تَجُزْ وَصيتُه فيما زادَ على الثُّلثِ إلا بإِجازةِ الوارِثِ؛ لأنَّ حَقَّ وارِثِه ههنا مُراعًى بسَببِ الأَمانِ كحَقِّه، فإنْ حضَرَ له وارِثٌ آخَرُ من دارِ الحَربِ شارَكَ الذي كانَ حاضِرًا في مِيراثِه ولم يَكنْ للمُوصَى له إلا الثُّلثُ (١).
وقالَ شَيخي زادهْ: الوَصيةُ لحَربيٍّ هو في دارِهم باطِلةٌ؛ لأنَّها بِرٌّ وصِلةٌ وقد نُهينا عن بِرِّ مَنْ يُقاتِلُنا؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ … ﴾ [الممتحنة: ٩] الآيةَ، وفي «السِّيَر الكَبير» ما يَدلُّ على الجَوازِ ووَجهُ التَّوفيقِ أنَّه لا يَنبَغي أنْ يُفعلَ وإنْ فُعلَ جازَ، كذا في «الكافي» وفيه تَأمُّلٌ، وأمَّا وَصيةُ الحَربيِّ بعدَما دخَلَ دارَنا بأَمانٍ؛ فإنَّها جائِزةٌ؛ لأنَّ له وِلايةَ تَمليكِ المالِ في حَياتِه فكذا بعدَ مَماتِه، خَلا أنَّه لا فَرقَ بينَ وَصيتِه بالثُّلثِ أو بجَميعِ
(١) «شرح كتاب السير الكبير» (٥/ ٢٠٤٥، ٢٠٤٦).
مالِه؛ لأنَّ المُسلمَ إنَّما مُنعَ من الوَصيةِ بما زادَ على الثُّلثِ لحَقِّ وَرثةِ المُسلِمينَ؛ فإنَّ حَقَّهم مَعصومٌ من الإِبطالِ بخِلافِ وَرثةِ الحَربيِّ؛ لأنَّ حَقَّهم غيرُ مَعصومٍ، فلذلك لم يَمنَعْ حَقُّهم صِحةَ الوَصيةِ بالجَميعِ كما في شُروحِ «الجامِع الصَّغير» (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ عابدِين: قَولُه: (لا حَربيٍّ في دارِه) أي: وإنْ أَجازَت الوَرثةُ لنَهَينا عن بِرِّهم بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ … ﴾ [الممتحنة: ٩] الآيةَ، فعَدمُ الجَوازِ لحَقِّ الشَّرعِ لا لحَقِّ الوَرثةِ، بخِلافِ الوَصيةِ للوارِثِ أو للأَجنبيِّ بما زادَ على الثُّلثِ؛ فإنَّه لحَقِّ الوَرثةِ؛ لأنَّ الحَربيَّ في دارِه كالمَيتِ في حَقِّنا والوَصيةُ للمَيتِ باطِلةٌ.
ونَصَّ مُحمدٌ في «الأَصل» على عَدمِ جَوازِ الوَصيةِ للحَربيِّ صَريحًا، وكذا في «الجامِع الصَّغير»، وذكَرَ شُراحُه أنَّ في «السِّيَر الكَبير» ما يَدلُّ على الجَوازِ، ورَدَّه العَلامةُ قاضي زاده بأنَّ لَفظَ «السِّيَر الكَبير»: لو أَوصَى مُسلمٌ لحَربيٍّ والحَربيُّ في دارِ الحَربِ لا يَجوزُ، واعتَرَضه في «العَزمية» بأنَّ ناقِلي الجَوازِ مُؤتَمنونَ في الأخذِ والنَّقلِ.
وذكَرَ العَلامةُ جوى زاده أنَّ مُرادَهم بما يَدلُّ على الجَوازِ ما ذكَرَه في «شَرح السِّير الكَبير» للسَّرخَسيِّ بقَولِه: لا بأسَ أنْ يَصلَ الرَّجلُ المُسلمُ المُشركَ قَريبًا كانَ أو بَعيدًا، مُحارِبًا كانَ أو ذِميًّا، واستدَلَّ عليه بأَحاديثَ،
(١) «مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر» (٤/ ٤٢٠)، ويُنظَر: «الجوهرة النيرة» (٦/ ٣٧٩)، و «الفتاوى الهندية» (٦/ ٩٢)، و «درر الحكام» (٩/ ١٠، ١٢).
منها: أنَّه بعَثَ رَسولُ اللهِ ﷺ خَمسَمِئةِ دِينارٍ إلى مَكةَ حين قَحَطوا، وأمَرَ بدَفعِ ذلك إلى أَبي سُفيانَ بنِ حَربٍ وصَفوانَ بنِ أُميةَ ليُفرَّقا على فُقراءِ أهلِ مَكةَ، فقبِلَ ذلك أَبو سُفيانَ وأبو صَفوانَ.
قالَ: وبه نأخُذُ؛ لأنَّ صِلةَ الرَّحمِ مَحمودةٌ عندَ كلِّ عاقِلٍ وفي كلِّ دِينٍ، والإِهداءُ إلى الغيرِ من مَكارمِ الأَخلاقِ، قالَ ﷺ: «بُعثتُ لأُتمِّمَ مَكارمَ الأَخلاقِ»، فعَرَفنا أنَّ ذلك حَسنٌ في حَقِّ المُسلِمينَ والمُشرِكينَ جَميعًا. اه.
فالخِلافُ في جَوازِ صِلةِ الحَربيِّ وعَدمِه لا في جَوازِ الوَصيةِ وعَدمِه. اه، مُلخَّصًا، وتَمامُه في «الشُّرُنبُلالية».
والحاصِلُ: أنَّ التَّعليلَ بأنَّ الحَربيَّ كالمَيتِ اقتَضَى عَدمَ جَوازِ الوَصيةِ له، والتَّعليلُ بالنَّهيِ اقتَضَى عَدمَ جَوازِ كلٍّ من الوَصيةِ والصِّلةِ، وما في «السِّير» دَلَّ على جَوازِ الصِّلةِ دونَ الوَصيةِ خِلافًا لمَا فهِمَه شُراحُ «الجامِع»، فصارَ الخِلافُ في جَوازِ الصِّلةِ فقط.
أَقولُ: وقد رأيتُ نَصَّ الإِمامِ مُحمدٍ على جَوازِ الهَديةِ حيثُ قالَ في مُوطَّئِه في بابِ ما يُكرهُ من لُبسِ الحَريرِ والدِّيباجِ: ولا بَأسَ أيضًا بالهَديةِ إلى المُشركِ المُحاربِ ما لم يُهدَ إليه سِلاحٌ أو دِرعٌ، وهو قَولُ أَبي حَنيفةَ والعامةِ من فُقهائِنا. اه (١).
(١) «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٦٥٥).
وقالَ الإِمامُ شَمسُ الدِّينِ السَّرخَسيُّ: ولو أَوصَى له -أي: للحَربيِّ المُستأمَنِ- مُسلمٌ أو ذِميٌّ بوَصيةٍ جازَ ذلك؛ لأنَّه ما دامَ في دارِنا فهو في المُعامَلاتِ بمَنزلةِ الذِّميِّ بدَليلِ عُقودِ التَّمليكاتِ في حالةِ الحَياةِ.
وذكَرَ في «الأَمالي» أنَّ على قَولِ أَبي حَنيفةَ وأَبي يُوسفَ لا تَصحُّ الوَصيةُ من المُسلمِ والذِّميِّ للمُستأمَنِ؛ لأنَّه -وإنْ كانَ في دارِنا صُورةً- هو من أهلِ دارِ الحَربِ حُكمًا حتى يَتمكَّنَ من الرُّجوعِ إلى دارِ الحَربِ، أو يَكونُ لا يَتمكَّنُ من إِطالةِ المُقامِ في دارِ الإِسلامِ، ووَصيةُ مَنْ هو مِنْ أهلِ دارِ الإِسلامِ لمَن هو من أهلِ دارِ الحَربِ باطِلةٌ؛ لأنَّ لتَبايُنِ الدارَينِ تَأثيرًا في قَطعِ العِصمةِ والمُوالاةِ.
ومُحمدٌ قالَ: الوَصيةُ تَبرعٌ بالتَّمليكِ ابتِداءً بعدَ المَوتِ، فتُعتبَرُ بالتَّبرعِ في حالةِ الحَياةِ كالهِبةِ والصَّدقةِ، وذلك صَحيحٌ من المُسلمِ للمُستأمَنِ فكذلك هذا.
وإنْ أَوصَى الحَربيُّ في دارِ الحَربِ بوَصيةٍ ثم أسلَمَ أهلُ الدارِ وصاروا ذِمةً ثم اختَصَموا في تلك الوَصيةِ، فإنْ كانَت قائِمةً بعَينِها أجَزتُها، وإنْ كانَت قد استُهلِكَت قبلَ الإِسلامِ أبطَلتُها، من قِبَلِ أنِّي لا آخُذُ أهلَ الحَربِ بما اغتصَبَ بعضُهم من بعضٍ، فالمُستهلَكُ قبلَ الإِسلامِ بمَنزلةِ المَغصوبِ، والمُستهلَكُ لا ضَمانَ فيه على المُستهلِكِ، وما كانَ قائِمًا بعَينِه فالإِسلامُ المَوجودُ منه بعدَ العَقدِ قبلَ حُصولِ المَقصودِ بمَنزلةِ المُقتَرنِ بالعَقدِ فيَجبُ تَنفيذُها (١).
(١) «المبسوط» (٢٨/ ٩٣).
وقالَ المالِكيةُ في المُعتمَدِ: لا تَصحُّ الوَصيةُ للحَربيِّ؛ لأنَّ ذلك قَوةٌ لهم، ويَرجعُ ذلك مِيراثًا ولا يُجعلُ في صَدقةٍ ولا غيرِها (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وتَصحُّ الوَصيةُ للحَربيِّ ويُحتملُ ألَّا تَصحَّ؛ لأنَّه لا يَصحُّ الوَقفُ عليه (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ وبعضُ المالِكيةِ كالقاضي عبدِ الوَهابِ إلى أنَّ الوَصيةَ تَصحُّ للحَربيِّ المُعيَّنِ كما تَصحُّ للذِّميِّ.
قالَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ: تَصحُّ الوَصيةُ لحَربيٍّ مُعيَّنٍ سَواءٌ أكانَ بدارِنا أم كانَ في دارِ الحَربِ بما له تَملُّكُه بأنْ يُوصَى له بغيرِ سِلاحٍ، فإنْ أَوصَى له بسِلاحٍ فلا تَصحُّ الوَصيةُ كبَيعِه له.
أمَّا إذا أَوصَى لمَن يُحاربُ فلا يَصحُّ قَطعًا، إنَّما تَصحُّ للحَربيِّ إذا قالَ: أَوصَيت لفُلانٍ، ولم يَزِدْ على هذا، وكانَ في الواقِعِ حَربيًّا، أمَّا لو قالَ: «أَوصَيت لزَيد الحَربيِّ أو الكافرِ أو المُرتدِّ» لم تَصحَّ؛ لأنَّ تَعليقَ الحُكمِ بمُشتَقٍّ يُؤذِنُ بعِلِّيةِ ما منه الاشتِقاقُ، فكأنَّه قالَ: «أَوصَيت لزَيدٍ لحِرابَتِه أو لكُفرِه أو لرِدَّتِه» تَفسُدُ الوَصيةُ؛ لأنَّه جعَلَ الكُفرَ حامِلًا على الوَصيةِ.
(١) «البيان والتحصيل» (١٢/ ٤٧٨)، و «المختصر الفقهي» (١٦/ ١١٢، ١١٣)، و «الذخيرة» (٧/ ١٤، ١٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٤٩٠)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٧٠).
(٢) «الكافي» (٢/ ٤٧٩).
وفي مُقابِلِ الأصَحِّ: لا تَصحُّ الوَصيةُ له؛ لأنَّه يُقتلُ فلا مَعنى للوَصيةِ له كالوَقفِ عليه (١).
وقالَ الماوَرديُّ: وأمَّا الوَصيةُ للكافرِ فجائِزةٌ ذِميًّا كانَ أو حَربيًّا، وقالَ أَبو حَنيفةَ: الوَصيةُ للحَربيِّ باطِلةٌ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى أَباحَ للمُسلِمينَ أَموالَ المُشركينَ فلم يَجُزْ أنْ يُبيحَ للمُشركينَ أَموالَ المُسلِمينَ، وهذا فاسِدٌ من وَجهَينِ:
أَحدُهما: أنَّه لمَّا لم يَمنَعْ شِركَ الذِّميِّ لم يَمنَعْ شِركَ الحَربيِّ من الوَصيةِ كالنِّكاحِ.
والثاني: أنَّه لمَّا جازَت الهِبةُ للحَربيِّ وهو أَمضَى عَطيةً من الوَصيةِ كانَ أَولى أنْ تَجوزَ له الوَصيةُ، وسَواءٌ كانَ المُوصي مُسلمًا أو كافرًا (٢).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وتَصحُّ الوَصيةُ للحَربيِّ في دارِ الحَربِ، نَصَّ عليه أَحمدُ، وهو قَولُ مالِكٍ وأكثَرِ أَصحابِ الشافِعيِّ رضي الله عنه.
وقالَ بعضُهم: لا تَصحُّ. وهو قَولُ أَبي حَنيفةَ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ … ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨، ٩]، فيَدلُّ ذلك على أنَّ من قاتَلَنا لا يَحلُّ بِرُّه.
(١) «روضة الطالبين» (٤/ ٣٧١)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٢٢٩)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٧١)، و «تحفة المحتاج مع حواشي الشرواني» (٨/ ١٣٣)، و «نهاية المحتاج مع حاشية الشبرملسي» (٦/ ٥٦).
(٢) «الحاوي الكبير» (٨/ ١٩٣).
ولنا: أنه تَصحُّ هِبتُه فصَحَّت الوَصيةُ له كالذِّميِّ، وقد رُويَ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعطَى عُمرَ حُلةً من حَريرٍ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، كَسَوتَنيها وقد قُلتَ في حُلةِ عُطارِدٍ ما قُلتَ. فقالَ: إنِّي لم أُعطِكها لتَلبسَها. فكَساها عُمرُ أخًا مُشركًا له بمَكةَ» (١).
وعن أَسماءَ بِنتِ أَبي بَكرٍ قالَت: «أتَتني أُمِّي وهي راغِبةٌ، تَعني الإِسلامَ، فسألتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أتَتني أُمي وهي راغِبةٌ، أفأَصِلُها؟ قالَ: نَعَمْ» (٢)، وهذان فيهما صِلةُ أهلِ الحَربِ وبِرُّهم، والآيةُ حُجةٌ لنا فيمَن لم يُقاتِلْ، فأمَّا المُقاتِلُ فإنَّه نَهَى عن تَولِّيه لا عن بِرِّه والوَصيةِ له، وإنِ احتُجَّ بالمَفهومِ فهو لا يَراه حُجةً.
ثم قد حصَلَ الإِجماعُ على جَوازِ الهِبةِ، والوَصيةُ في مَعناها (٣).
وقالَ الحارِثيُّ: والصَّحيحُ من القَولِ أنَّه إذا لم يَتَّصفْ بالقِتالِ والمُظاهَرةِ صَحَّت، وإلا لم تَصحَّ (٤).
وقالَ القاضي عبدُ الوَهابِ المالِكيُّ: الوَصيةُ للمُشركينَ جائِزةٌ، كانوا أهلَ حَربٍ أو ذِمةٍ، وقالَ أَبو حَنيفةَ: لا تَصحُّ لأهلِ الحَربِ، فدَليلُنا
(١) أخرجه البخاري (٢٤٧٦).
(٢) أخرجه البخاري (٢٤٧٧)، ومسلم (١٠٠٣).
(٣) «المغني» (٦/ ١٢١، ١٢٢)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٤٦٧)، و «المحرر» (١/ ٣٨٣)، و «الإنصاف» (٧/ ٢٢١)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٢٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤٦٠).
(٤) «الإنصاف» (٧/ ٢٢٢).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في شرائط ركن الوصية
حَيَاةِ الْمُوصِي، ثُمَّ أَرَادَ الْوَرَثَةُ أَنْ يُعْطُوهُ مِنْ الْأَوْلَادِ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَعَلَّقَتْ بِعَيْنٍ مُشَارٍ إلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ فِيهَا يَنْزِلُ فِي غَيْرِهَا، فَإِنْ دَفَعَ الْوَرَثَةُ إلَيْهِ جَارِيَةً مِنْ الْجَوَارِي لَمْ يَسْتَحِقَّ مَا وَلَدَتْ قَبْلَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَمْ تَكُنْ، وَجَبَتْ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْوَصِيَّةِ إنَّمَا يُنْقَلُ بِالْمَوْتِ فَمَا حَدَثَ قَبْلَ الْمَوْتِ يَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ، فَيَكُونُ لِلْوَرَثَةِ، وَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا بِالْمَوْتِ فَحَدَثَ الْوَلَدُ عَلَى مِلْكِهِ قَالَ: فَإِنْ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ كُلُّهَا إلَّا وَاحِدَةً تَعَيَّنَتْ الْوَصِيَّةُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَنْ يُزَاحِمُهَا فِي تَعَلُّقِ الْوَصِيَّةِ فَتَعَيَّنَتْ ضَرُورَةُ انْتِفَاءِ الْمُزَاحِمِ، فَإِنْ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ كُلُّهَا، وَقَدْ بَقِيَ لَهَا أَوْلَادٌ حَدَثَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ، أَوْ أُحْرِقَ النَّخْلُ، وَبَقِيَ لَهَا ثَمَرٌ حَدَثَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَعَلَى الْوَرَثَةِ أَنْ يَدْفَعُوا إلَيْهِ وَلَدَ جَارِيَةٍ، وَثَمَرَةَ نَخْلَةٍ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِهَا فَيَظْهَرُ الِاسْتِحْقَاقُ فِي الْوَلَدِ الْحَادِثِ بَعْدَهُ، فَإِذَا هَلَكَتْ الْأُمُّ بَقِيَ الْحَقُّ فِي الْوَلَدِ عَلَى حَالِهِ، وَلَا يَظْهَرُ فِيمَا حَدَثَ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَاَللَّهُ ﷾ ﷿ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي شَرَائِطُ رُكْن الْوَصِيَّةِ
(فَصْلٌ) :
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوصايا
باب ما يكون رجوعا في الوصية
باب ما يكون رجوعا في الوصية
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِآخَرَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ لِلْمُوصِي الرُّجُوعَ فِي وَصِيَّتِهِ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا مِلْكُ مُعْطِيهَا فَأَشْبَهَتِ الْهِبَاتِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي عَطَايَا مَرَضِهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ.
ثُمَّ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ يَكُونُ بِقَوْلٍ أَوْ دَلَالَةٍ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ جَارِيًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لعمرو فقد اختلف الناس في حكم ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ أنه يكون وَصِيَّةً لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ.
وَالثَّانِي: وهو مذهب الحسن وعطاء وطاوس أَنَّهُ يَكُونُ وَصِيَّةً لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ بِالرُّجُوعِ أَشْبَهُ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهَا بَاطِلَةٌ لَا تصح لواحد منها لِإِشْكَالِ حَالِهِمَا.
وَالرَّابِعُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وأبى حنيفة.
أَنَّهَا تَكُونُ وَصِيَّةً لَهُمَا فَتُجْعَلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِهِ لِثَالِثٍ، جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا. وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لِرَابِعٍ جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: ثَلَاثَةُ معاني:
ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.