الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > ب- الوصية للميت
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةوذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يُشتَرطُ لصِحةِ الوَصيةِ للحَملِ أنْ يَكونَ مَوجودًا وَقتَ الوَصيةِ، فلا تَصحُّ الوَصيةُ لمَن سيُولَدُ أو لمَن ستَحمِلُه هذه المَرأةُ؛ لأنَّ الوَصيةَ تَمليكٌ فلا تَصحُّ للمَعدومِ، ولأنَّ الوَصيةَ أُجريَت مُجرَى المِيراثِ، ولو ماتَ إِنسانٌ لم يَرِثْه من الحَملِ إلا مَنْ كانَ مَوجودًا، كذلك الوَصيةُ (١).
ب- الوَصيةُ للمَيتِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ المُوصيَ إذا لم يَعلَمْ بمَوتِ المُوصَى له ثم أَوصَى له ثم تَبيَّنَ أنَّه كانَ مَيتًا قبلَ الوَصيةِ فالوَصيةُ باطِلةٌ؛ إذِ المَيتُ لا يَصحُّ تَمليكُه (٢).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفوا فيما لو علِمَ المُوصي مَوتَ المُوصَى له ثم أَوصَى له، هل تَصحُّ الوَصيةُ وتُصرفُ في دَينِه إنْ كانَ أو تُصرفُ في وُجوهِ الخَيرِ عنه أو تَكونُ لوَرثتِه، أو لا تَصحُّ وتَبطلُ وَصيتُه؟
(١) «الهداية» (٤/ ٢٣٥)، و «العناية» (١٦/ ٨٤)، و «تبيين الحقائق» (٦/ ١٨٦)، و «البحر الرائق» (٤/ ٤٦٠)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٤١٨)، و «الذخيرة» (٧/ ١٣)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٣٦٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٤٨٥)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٤٣٦)، و «الحاوي الكبير» (٨/ ٢١٥، ٢١٧)، و «البيان» (٨/ ١٦٥)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٣٦٥)، و «أسنى المطالب» (٣/ ٣١)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٦٧، ٦٨)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٢٢١)، و «المغني» (٦/ ٩١)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٢٣٥)، و «الإنصاف» (٧/ ٢٣١)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٣٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤٦٣).
(٢) «القوانين الفقهية» ص (٢٦٦).
فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ المُوصيَ إذا علِمَ بمَوتِ المُوصَى له فأَوصَى له فالوَصيةُ صَحيحةٌ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ فعَمَّ، ولأنَّه آدَميٌّ صَحَّت الوَصيةُ له كالحَيِّ، ولأنَّها أحدُ أَحوالِ الآدَميِّ فجازَت الوَصيةُ فيها كحالِ الحَياةِ، ولأنَّ الغَرضَ بالوَصيةِ نَفعُ المُوصَى له على وَجهٍ يَصحُّ من العُقلاءِ قَصدُه، وذلك يَختلِفُ باختِلافِ حالِ من يُوصَى له، تارةً يَكونُ بالتَّمليكِ للحَيِّ، وتارةً يَكونُ بغيرِه كالوَصيةِ للمَسجدِ والقَنطرةِ والجُسورِ وما أشبَهَ ذلك، فإذا أَوصَى لمَسجدٍ فقد عُلمَ أنَّه لم يُرِدْ تَمليكَه وإنَّما أرادَ صَرفَ الوَصيةِ في مَصالِحِه، وكذلك الجُسورُ والقَنطرةُ، وكذلك إذا أَوصَى لمَيتٍ وهو يَعلمُ أنَّه مَيتٌ، إنَّما أرادَ صَرفَ الوَصيةِ في وُجوهِ نَفعِه ومَصالحِه.
والغَرضُ من الوَصيةِ للمَيتِ أنْ يَكونَ مالُه الذي يَتركُه يُتصدَّقُ به عنه ويُقضَى منه دُيونَه إنْ كانَ عليه دَينٌ، ويَرثُه وَرثتُه إنْ لم يَكنْ عليه دَينٌ أو يَرثونَ الباقيَ، وسَواءٌ علِمَ المُوصي أنَّ على المُوصَى له دَينًا أو له وارِثٌ أو لا.
وحيث لم يَكنْ عليه دَينٌ ولا وارِثَ له فقَولانِ في المَذهبِ:
أحدُهما: أنَّها تَكونُ لبَيتِ المالِ؛ لأنَّه وارِثٌ شَرعيٌّ فيُدفعُ له حيثُ لم يَكنْ له وارِثٌ ولا عليه دَينٌ.
والثاني: تَبطلُ الوَصيةُ ولا تُعطَى لبَيتِ المالِ بِناءً على أنَّ بَيتَ المالِ حائِزٌ وليسَ بوارِثٍ (١).
(١) «المدونة الكبرى» (١٥/ ٧٣)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٥/ ١٨٠، ١٨١)، رقم (١٩٣٥)، و «المعونة» (٢/ ٥١٩)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٥١)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٧٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٤٩٠)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٣٧١)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥٣١)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (١٠/ ٤٩٨).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوصايا
٩٥٨ - مسألة؛ قال: (فإن مات الموصى له قبل موت الموصى، بطلت الوصية)
وإن كان مُعْسِرًا فقد عَتَقَ منه ما مَلَكَ وحدَه. وكلُّ مَوْضِعٍ قُلْنا: تكون أُمَّ وَلَدٍ. فإنَّها تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ ههُنا. سواءٌ كان مُوسِرًا أو مُعْسِرًا، على قول الخِرَقِىِّ، كما إذا اسْتَوْلَدَ الأمَةَ المُشْتَركَةَ. وقال القاضي: يَصِيرُ منها أُمُّ وَلَدٍ بِقَدْرِ ما مَلَكَ منها. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ.
٩٥٨ - مسألة؛ قال: (فَإنْ مَاتَ المُوصَى لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِى، بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ)
هذا قولُ أكْثَر أهْلِ العِلْم. رُوِى ذلك عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه. وبه قال الزُّهْرِىُّ، وحَمَّادُ بن أبي سليمانَ، ورَبِيعةُ، ومالِكٌ، والشافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال الحَسَنُ: تكونُ لِوَلَدِ المُوصَى له. وقال عَطَاءٌ: إذا عَلِمَ المُوصِى بمَوْتِ المُوصَى له، ولم يَحْدُثْ فيما أَوْصَى به شَيْئًا، فهو لِوَارِثِ المُوصَى له؛ لأنَّه ماتَ بعدَ عَقْدِ الوَصِيَّةِ، فيَقُومُ الوارِثُ مَقَامَه، كما لو ماتَ بعد مَوْتِ المُوصِى وقبلَ القَبُولِ. ولَنا، أنَّها عَطِيّةٌ صادَفَتِ المُعْطَى مَيِّتًا، فلم تَصِحَّ، كما لو وَهَبَ مَيِّتًا؛ وذلك لأنَّ الوَصِيّةَ عَطِيّةٌ بعدَ المَوْتِ، وإذا ماتَ قبل القَبُولِ بَطَلَتِ الوَصِيّةُ أيضًا. وإن سَلَّمْنا صِحَّتَها، فإنَّ العَطِيّةَ صادَفَتْ حَيًّا، بخِلَافِ مَسْأَلَتِنا.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في حكم الوصية
الْأَرْضِ، فَنَبَتَتْ وَصَارَتْ بَقْلًا أَوْ بِالْبَيْضَةِ، فَصَارَتْ فَرْخًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِيمَا أَوْصَى بِهِ، فَيَثْبُتُ الرُّجُوعُ ضَرُورَةً هَذَا إذَا تَغَيَّرَ الْمُوصَى بِهِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ صَارَ شَيْئًا آخَرَ لِزَوَالِ مَعْنَاهُ، وَاسْمِهِ، فَتَعَذَّرَ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ فِيمَا أَوْصَى بِهِ.
وَأَمَّا إذَا تَغَيَّرَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَحُكْمُهُ يُذْكَرُ فِي بَيَانِ مَا تَبْطُلُ بِهِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَلَوْ أَوْصَى بِرُطَبِ هَذَا النَّخْلِ، فَصَارَ بُسْرًا فَالْقِيَاسُ أَنْ تَبْطُلَ الْوَصِيَّةُ لِتَغَيُّرِ الْمُوصَى بِهِ، وَهُوَ الرُّطَبُ مِنْ الرُّطُوبَةِ إلَى الْيُبُوسَةِ.
وَزَوَالِ اسْمِهِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الذَّاتِ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ بَقِيَ مِنْ وَجْهٍ.
أَلَا يَرَى أَنَّ غَاصِبًا لَوْ غَصَبَ رُطَبَ إنْسَانٍ، فَصَارَ تَمْرًا فِي يَدِهِ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ بَلْ يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ تَمْرًا، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ رُطَبًا مِثْلَ رُطَبِهِ.
فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ الْوَصِيَّةِ فَالْوَصِيَّةُ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ: وَصِيَّةٌ بِالْمَالِ، وَوَصِيَّةٌ بِفِعْلٍ مُتَعَلِّقٍ بِالْمَالِ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمَالِ، أَمَّا الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ فَحُكْمُهَا ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْمَالِ الْمُوصَى بِهِ لِلْمُوصَى لَهُ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوصايا
باب ما يكون رجوعا في الوصية
باب ما يكون رجوعا في الوصية
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِآخَرَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ لِلْمُوصِي الرُّجُوعَ فِي وَصِيَّتِهِ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا مِلْكُ مُعْطِيهَا فَأَشْبَهَتِ الْهِبَاتِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي عَطَايَا مَرَضِهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ.
ثُمَّ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ يَكُونُ بِقَوْلٍ أَوْ دَلَالَةٍ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ جَارِيًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لعمرو فقد اختلف الناس في حكم ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ أنه يكون وَصِيَّةً لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ.
وَالثَّانِي: وهو مذهب الحسن وعطاء وطاوس أَنَّهُ يَكُونُ وَصِيَّةً لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ بِالرُّجُوعِ أَشْبَهُ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهَا بَاطِلَةٌ لَا تصح لواحد منها لِإِشْكَالِ حَالِهِمَا.
وَالرَّابِعُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وأبى حنيفة.
أَنَّهَا تَكُونُ وَصِيَّةً لَهُمَا فَتُجْعَلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِهِ لِثَالِثٍ، جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا. وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لِرَابِعٍ جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: ثَلَاثَةُ معاني:
ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.