الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > ثانيا: وصية المحجور عليه لفلس
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةأمَّا وَصيتُه على أَولادِه فلا تَصحُّ قَولًا واحِدًا؛ لأنَّه لا يَملكُ التَّصرفَ بنَفسِه فوَصيتُه أحَقُّ وأوْلى، قالَه في «المُطلع».
قُلتُ: ظاهِرُ كَلامِ كَثيرٍ من الأَصحابِ في بابِ المُوصَى إليه صِحةُ وَصيتِه بذلك، وهو أَولى بالصِّحةِ من الوَصيةِ بالمالِ.
والظاهِرُ أنَّ الذي حَداه إلى ذلك تَعليلُ الأَصحابِ بكَونِه مَحجورًا عليه في تَصرُّفاتِه أو لكَونِه مُحتاجًا إلى الثَّوابِ، وتَصرُّفُه في هذه مَحضُ مَصلحةٍ من غيرِ ضَررٍ؛ لأنَّه إنْ عاشَ لم يَذهَبْ من مالِه شَيءٌ، ولا يَلزمُ من ذلك أنَّ الوَصيةَ على أَولادِه لا تَصحُّ، اللَّهمَّ إلا أنْ يَكونَ في المَسألةِ نَقلٌ خاصٌّ (١).
ثانيًا: وَصيةُ المَحجورِ عليه لفَلَسٍ:
الوَصيُّ المُفلِسُ إذا أَوصَى قبلَ الحَجرِ عليه فعامَّةُ العُلماءِ على صِحةِ وَصيتِه وصِحةِ جَميعِ تَصرُّفاتِه.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ما فعَلَه المُفلسُ قبلَ حَجرِ الحاكِمِ عليه من بَيعٍ أو هِبةٍ أو إِقرارٍ أو قَضاءِ بعضِ الغُرماءِ أو غيرِ ذلك فهو جائِزٌ نافِذٌ، وبهذا قالَ أَبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ ولا نَعلمُ أحدًا خالَفَهم، ولأنَّه رَشيدٌ غيرُ مَحجورٍ عليه نفَذَ تَصرفُه كغيرِه، ولأنَّ سَببَ المَنعِ الحَجرُ فلا يَتقدَّمُ التَّصرفُ سَببَه، ولأنَّه من أهلِ التَّصرفِ ولم يُحجَرْ عليه أشبَهَ المَليءَ (٢).
(١) «الإنصاف» (٧/ ١٨٥).
(٢) «المغني» (٤/ ٢٨٣، ٢٨٤)، و «الشرح الكبير» (٤/ ٤٦٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٤٤٨).
وأمَّا إنْ أَوصَى بعدَ الحَجرِ عليه بسَببِ الفَلسِ فإمَّا أنْ يَموتَ والدَّينُ مُستغرِقٌ لمالِه فهذا لا تَصحُّ وَصيتُه، وإنْ كانَ الدَّينُ غيرَ مُستغرِقٍ لمالِه أو أَجازَها الغُرماءُ ففيه تَفصيلٌ عندَ العُلماءِ.
قالَ الكاسانِيُّ: وأمَّا الذي يَرجعُ إلى المُوصي فأَنواعٌ، منها ألَّا يَكونَ على المُوصي دَينٌ مُستغرِقٌ لتَرِكتِه فإنْ كانَ لا تَصحُّ وَصيتُه؛ لأنَّ اللهَ تبارك وتعالى قدَّمَ الدَّينَ على الوَصيةِ والمِيراثِ؛ في قَولِه تبارك وتعالى في آيةِ المَواريثِ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، ولمَا رُويَ عن سيِّدِنا علِيٍّ رضي الله عنه أنَّه قالَ: «إنَّكم تَقرَؤونَ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ وإنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَضى بالدَّينِ قبلَ الوَصيةِ» (١)، أشارَ سيِّدُنا علِيٌّ رضي الله عنه إلى أنَّ التَّرتيبَ في الذِّكرِ لا يُوجبُ التَّرتيبَ في الحُكمِ.
ولأنَّ الدَّينَ واجِبٌ والوَصيةَ تَبرعٌ، والواجِبُ مُقدَّمٌ على التَّبرعِ، ومَعنى تَقدُّمِ الدَّينِ على الوَصيةِ والمِيراثِ أنَّه يُقضَى الدَّينُ أولًا، فإنْ فضَلَ منه شَيءٌ يُصرفُ إلى الوَصيةِ والمِيراثِ وإلا فلا (٢).
وقالَ الدَّرديرُ: صَحَّ إِيصاءُ حُرٍّ مالِكٍ للمُوصَى به مِلكًا تامًّا، فمُستغرَقُ الذِّمةِ وغيرُ المالِكِ لا تَصحُّ وَصيتُهما.
(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه الإمام أَحمد في «مسنده» (١٢٢١)، والترمذي (٢٠٩٤)، وابن ماجه (٢٧١٥).
(٢) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٣٥).
قالَ الدُّسوقيُّ: قَولُه: (فمُستغرَقُ الذِّمةِ … إلخ) تَعقَّبَه شَيخُنا بأنَّ مُستغرَقَ الذِّمةِ من أَفرادِ غيرِ المالِكِ، وليسَ خارِجًا بقَيدِ التَّمامِ، وإنَّما خرَجَ به العَبدُ؛ لأنَّ مِلكَه غيرُ تامٍّ، وهو قد خرَجَ بالحُريةِ، وحينَئذٍ لا حاجةَ لقَيدِ التَّمامِ، وقد يُقالُ: بل مُستغرَقُ الذِّمةِ مالِكٌ لمَا بيَدِه وإلا لمَا وُفِّيت منه دُيونُه، وتقدَّمَ أنَّ عِتقَه ماضٍ حيثُ جُهلَ أَربابُ التَّبعاتِ، نَعَمْ يُمنعُ من التَّصرفِ ولو رُزقَ بما يَفي لم يُتعرَّضْ له، تأمَّلْ (١).
وقالَ الماوَرديُّ: وأمَّا المَحجورُ عليه بالفَلسِ فإنْ رَدَّها الغُرماءُ بطَلَت، وإنْ أمضَوْها جازَت، فإنْ قُلنا: إنَّ حَجرَ الفَلسِ كحَجرِ المَرضِ، صَحَّت، وإنْ قُلنا: إنَّه كحَجرِ السَّفيهِ كانَت على وَجهَينِ (٢).
وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: ومَن عليه دَينٌ مُستغرِقٌ تَصحُّ وَصيتُه، كما يُؤخَذُ من كَلامِ القاضي (٣).
وقالَ الحَنابِلةُ: تَصحُّ الوَصيةُ من المَحجورِ عليه لفَلسٍ؛ لأنَّ الحَجرَ عليه لحَظِّ الغُرماءِ ولا ضَررَ عليهم؛ لأنَّه إنَّما تَنفُذُ وَصيتُه في ثُلثِه بعدَ وَفاءِ دُيونِه حتى لو كانَت الوَصيةُ بعينٍ من مالِه؛ لأنَّه قد يَتحوَّلُ ما بَقيَ من الدَّينِ فلا يَتعيَّنُ المالُ الأولُ إذَنْ للغُرماءِ، وإنْ ماتَ قبلَ ذلك أُلغيَت الوَصيةُ.
(١) «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٦/ ٤٨٤)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (١٠/ ٤٩٦).
(٢) «الحاوي الكبير» (٨/ ١٩٠)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٢١٦).
(٣) «مغني المحتاج» (٤/ ٦٥).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في حكم الوصية
الْأَرْضِ، فَنَبَتَتْ وَصَارَتْ بَقْلًا أَوْ بِالْبَيْضَةِ، فَصَارَتْ فَرْخًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِيمَا أَوْصَى بِهِ، فَيَثْبُتُ الرُّجُوعُ ضَرُورَةً هَذَا إذَا تَغَيَّرَ الْمُوصَى بِهِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ صَارَ شَيْئًا آخَرَ لِزَوَالِ مَعْنَاهُ، وَاسْمِهِ، فَتَعَذَّرَ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ فِيمَا أَوْصَى بِهِ.
وَأَمَّا إذَا تَغَيَّرَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَحُكْمُهُ يُذْكَرُ فِي بَيَانِ مَا تَبْطُلُ بِهِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَلَوْ أَوْصَى بِرُطَبِ هَذَا النَّخْلِ، فَصَارَ بُسْرًا فَالْقِيَاسُ أَنْ تَبْطُلَ الْوَصِيَّةُ لِتَغَيُّرِ الْمُوصَى بِهِ، وَهُوَ الرُّطَبُ مِنْ الرُّطُوبَةِ إلَى الْيُبُوسَةِ.
وَزَوَالِ اسْمِهِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الذَّاتِ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ بَقِيَ مِنْ وَجْهٍ.
أَلَا يَرَى أَنَّ غَاصِبًا لَوْ غَصَبَ رُطَبَ إنْسَانٍ، فَصَارَ تَمْرًا فِي يَدِهِ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ بَلْ يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ تَمْرًا، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ رُطَبًا مِثْلَ رُطَبِهِ.
فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ الْوَصِيَّةِ فَالْوَصِيَّةُ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ: وَصِيَّةٌ بِالْمَالِ، وَوَصِيَّةٌ بِفِعْلٍ مُتَعَلِّقٍ بِالْمَالِ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمَالِ، أَمَّا الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ فَحُكْمُهَا ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْمَالِ الْمُوصَى بِهِ لِلْمُوصَى لَهُ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوصايا
باب ما يكون رجوعا في الوصية
باب ما يكون رجوعا في الوصية
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِآخَرَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ لِلْمُوصِي الرُّجُوعَ فِي وَصِيَّتِهِ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا مِلْكُ مُعْطِيهَا فَأَشْبَهَتِ الْهِبَاتِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي عَطَايَا مَرَضِهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ.
ثُمَّ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ يَكُونُ بِقَوْلٍ أَوْ دَلَالَةٍ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ جَارِيًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لعمرو فقد اختلف الناس في حكم ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ أنه يكون وَصِيَّةً لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ.
وَالثَّانِي: وهو مذهب الحسن وعطاء وطاوس أَنَّهُ يَكُونُ وَصِيَّةً لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ بِالرُّجُوعِ أَشْبَهُ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهَا بَاطِلَةٌ لَا تصح لواحد منها لِإِشْكَالِ حَالِهِمَا.
وَالرَّابِعُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وأبى حنيفة.
أَنَّهَا تَكُونُ وَصِيَّةً لَهُمَا فَتُجْعَلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِهِ لِثَالِثٍ، جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا. وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لِرَابِعٍ جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: ثَلَاثَةُ معاني:
ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.