د- الوصية لجهة عامة غير المسلمين (اليهود والنصارى أو غيرهم من أهل الذمة)

الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > د- الوصية لجهة عامة غير المسلمين (اليهود والنصارى أو غيرهم من أهل الذمة)

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

د- الوصية لجهة عامة غير المسلمين (اليهود والنصارى أو غيرهم من أهل الذمة) - الأقوال والأدلة

مُستقِرٍّ ولا يَرثُ ولا يُورثُ فهو كالمَيتِ، ولأنَّ مِلكَه يَزولُ عن مالِه برِدتِه فلا يَثبتُ له المِلكُ بالوَصيةِ (١).

وفي قَولٍ ثالِثٍ للحَنابِلةِ قالَه ابنُ حِمدانَ: إنْ بَقيَ مِلكُه صَحَّ الإِيصاءُ له كالهِبةِ له مُطلَقًا، وإنْ زالَ مِلكُه في الحالِ فلا، وإنْ وقَفَ أمرُ مالِه على إِسلامِه فأسلَمَ احتمَلَ وَجهَينِ.

قالَ في القاعِدةِ السادِسةَ عَشرةَ: فيه وَجهانِ بِناءً على زَوالِ مِلكِه وبَقائِه، فإنْ قيلَ بزَوالِ مِلكِه لم تَصحَّ الوَصيةُ له، وإلا صَحَّت، وصحَّحَ الحارِثيُّ عَدمَ البِناءِ (٢).

د- الوَصيةُ لجِهةٍ عامَّةٍ غيرِ المُسلِمينَ (اليَهودِ والنَّصارَى أو غيرِهم من أهلِ الذِّمةِ):

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الوَصيةِ لجِهةٍ عامَّةٍ غيرِ المُسلِمينَ، كالوَصيةِ لأهلِ الذِّمةِ كاليَهودِ والنَّصارى، بأنْ يُوصيَ بثُلثِ مالِه على فُقراءِ أهلِ الذِّمةِ مَثلًا، هل يَجوزُ أو لا؟

(١) يُنظَر: «الفتاوى الهندية» (٦/ ٩٢)، و «شرح مختصر خليلي» (٨/ ١٧١)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٣٧١)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٢٢٩)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٧١)، و «تحفة المحتاج مع حواشي الشرواني» (٨/ ١٣٣)، و «نهاية المحتاج مع حاشية الشبرملسي» (٦/ ٥٦)، و «المغني» (٦/ ١٢١، ١٢٢)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٤٦٨)، و «المحرر» (١/ ٣٨٣)، و «المبدع» (٦/ ٣٣)، و «الإنصاف» (٧/ ٢٢١).
(٢) «المبدع» (٦/ ٣٣)، و «الإنصاف» (٧/ ٢٢١).

فذهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّ الوَصيةَ لا تَصحُّ للكُفارِ، وإنْ صَحَّت للمُعيَّنِ منهم.

قالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: إنَّ الوَصيةَ لا تَصحُّ للكُفارِ، وإنْ صَحَّت للمُعيَّنِ الكافِرِ، فالفَرقُ بينَ أنْ يَكونَ الكُفرُ جِهةً أو تَكونَ الجِهةُ غيرَه، والكُفرُ ليسَ بمانِعٍ، كما أَوصَت صَفيةُ لأَخيها وهو يَهوديٌّ، فلو جُعلَ الكُفرُ جِهةً لم تَصحَّ الوَصيةُ اتِّفاقًا، كما لو قالَ: «أَوصَيت بثُلثي لمَن يَكفرُ باللهِ ورَسولِه ويَعبدُ الصَّليبَ ويُكذِّبُ مُحمدًا»، ، بخِلافِ ما لو قالَ: «أَوصَيت به لفُلانٍ» وهو كذلك؛ فإنَّ الوَصيةَ لا تَصحُّ على جِهةِ مَعصيةٍ وفِعلٍ مُحرَّمٍ مُسلمًا كانَ المُوصي أو ذِميًّا، فلو وَصَّى ببِناءِ كَنيسةٍ أو بَيتِ نارٍ أو عِمارَتِهما أو الإِنفاقِ عليهما كانَ باطِلًا (١).

وقالَ البُهوتيُّ: لا تَصحُّ الوَصيةُ لكافِرٍ غيرِ مُعيَّنٍ، كالوَصيةِ لليَهودِ والنَّصارى ونَحوِهم كالمَجوسِ أو لفُقراءِ اليَهودِ ونَحوِهم كالوَقفِ عليهم (٢).

وذهَبَ المالِكيةُ إلى كَراهةِ الوَصيةِ للذِّميِّينَ الأَباعدِ وعلى جِهتِهم.

قالَ أَبو الوَليدِ بنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا الوَصيةُ للأَباعدِ من الذِّميِّينَ فلا اختِلافَ في كَراهةِ ذلك؛ لأنَّ الوَصيةَ للمُسلِمينَ أفضَلُ، فالكَراهةُ إنَّما تَتعلَّقُ بإِيثارِ الذِّميِّينَ على المُسلِمين لا بالوَصيةِ نَفسِها للذِّميِّينَ؛ لأنَّ في ذلك أَجرًا على كلِّ حالٍ، ففي مُوطَّأِ ابنِ وَهبٍ عن مالِكٍ فيمَن نذَرَ صَدقةً على كافِرٍ

(١) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٦٠٦، ٦١٢).
(٢) «كشاف القناع» (٤/ ٤٢٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤٦٠).

يَلزمُه، وقالَ في مَوضعٍ آخَرَ: إنْ قالَ: «مالي صَدقةٌ على فُقراءِ اليَهودِ» يَلزمُه يَتصدَّقُ عليهم بثُلثِ مالِه، وقد قالَ اللهُ ﷿: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)[الإنسان: ٨] والأَسيرُ هو الكافِرُ، فإذا أَوصَى إليهم شَفقةً عليهم لفَقرِهم جازَ ذلك على كَراهةٍ؛ لأنَّ الأَجرَ في الصَّدقةِ على فُقراءِ المُسلِمينَ أحرى، والإِشفاقَ عليهم يَنبَغي أنْ يَكونَ أكثَرَ، وقد أَجازَ أشهَبُ الوَصيةَ للذِّميِّينَ كانوا ذَوي قَرابةٍ أو أجنَبيِّينَ إِجازةً مُطلقةً دونَ كَراهةٍ، ومَعنى ذلك في الأَجنبيِّينَ واللهُ أعلَمُ إذا كانَ لهم حَقٌّ من جِوارٍ أو من يَدٍ سَلفَت لهم إليه أو ما أشبَهَ ذلك، وأمَّا إنْ لم يَكنْ لذلك سَببٌ فالوَصيةُ مَحظورةٌ؛ إذْ لا يُوصي للكافِرِ من غيرِ سَببٍ ويَتركُ المُسلمَ إلا مُسلمُ سَوءٍ مَريضُ الإِيمانِ، قالَ اللهُ ﷿: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ … ﴾ إلى قوله: ﴿ … أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ إلى صِحةِ الوَصيةِ لأهلِ الذِّمةِ دونَ أهلِ الحَربِ، فقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: وعُلمَ ممَّا تقرَّرَ أنَّه لا يُشتَرط في الوَصيةِ للذِّميِّ التَّعيينُ بخِلافِ الحَربيِّ والمُرتدِّ، فتَصحُّ لأهلِ الذِّمةِ دونَ أهلِ الحَربِ والرِّدةِ، فلا تَصحُّ لهما كما صرَّحَ به ابنُ سُراقةَ (٢).

وما يُفهمُ من كَلامِ القاضي عبدِ الوَهابِ المالِكيِّ أنَّه يَجوزُ الوَصيةُ لأهلِ الشِّركِ، قالَ رحمة الله عليه: الوَصيةُ للمُشرِكينَ جائِزةٌ كانوا أهلَ حَربٍ أو ذِمةٍ،

(١) «البيان والتحصيل» (١٢/ ٤٧٧، ٤٧٨)، و «المختصر الفقهي» (١٦/ ١١٢، ١١٣).
(٢) «مغني المحتاج» (٤/ ٧١، ٧٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في ركن الوصية

عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»

وَالْكِتَابُ الْعَزِيزُ قَدْ يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا يُنْسَخُ الْكِتَابَ عِنْدَكُمْ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَهَذَا مِنْ الْآحَادِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُتَوَاتِرٌ غَيْرَ أَنَّ التَّوَاتُرَ ضَرْبَانِ: تَوَاتُرٌ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ أَنْ يَرْوِيَهُ جَمَاعَةٌ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَتَوَاتُرٌ مِنْ حَيْثُ ظُهُورِ الْعَمَلِ بِهِ قَرْنًا فَقَرْنًا مِنْ غَيْرِ ظُهُورِ الْمَنْعِ وَالنَّكِيرُ عَلَيْهِمْ فِي الْعَمَلِ بِهِ إلَّا أَنَّهُمْ مَا رَوَوْهُ عَلَى التَّوَاتُرِ؛ لِأَنَّ ظُهُورَ الْعَمَلِ بِهِ أَغْنَاهُمْ عَنْ رِوَايَتِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ الْعَمَلُ بِهَذَا مَعَ ظُهُورِ الْقَوْلِ أَيْضًا مِنْ الْأَئِمَّةِ بِالْفَتْوَى بِهِ بِلَا تَنَازُعٍ مِنْهُمْ، وَمِثْلُهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ قَطْعًا، فَيَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ بِهِ كَمَا يَجُوزُ بِالْمُتَوَاتِرِ فِي الرِّوَايَةِ إلَّا أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ أَنَّ جَاحِدَ الْمُتَوَاتِرِ فِي الرِّوَايَةِ يُكَفَّرُ وَجَاحِدَ الْمُتَوَاتِرِ فِي ظُهُورِ الْعَمَلِ لَا يُكَفَّرُ لِمَعْنَى عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوصايا
باب الوصية للقرابة من ذوي الأرحام

باب الوصية للقرابة من ذوي الأرحام

مَسْأَلَةٌ:

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ قَالَ ثُلُثِي لقرابتي أو لذوي وأرحمي لِأَرْحَامِي فَسَوَاءٌ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالَأُمِّ، وَأَقْرَبُهُمْ وَأَبْعَدُهُمْ وَأَغْنَاهُمْ وَأَفْقَرُهُمْ سَوَاءٌ لِأَنَّهُمْ أُعْطُوا بِاسْمِ القرابة كما أعطي من شهد القتال باسم الحضور وإن كان من قبيلة من قريش أعطي بقرابته المعروفة عند العامة فينظر إلى القبيلة التي ينسب إليها فيقال من بني عبد مناف ثم يقال وقد تفترق بنو عبد مناف فمن أيهم؟ قيل من بني عبد يزيد بن هاشم بن المطلب فإن قيل أفيتميز هؤلاء؟ قيل نعم هم قبائل فإن قيل فمن أيهم؟ قيل من بني عبيد بن عبد يزيد فإن قيل أفيتميز هؤلاء؟ قيل نعم بنو السائب بن عبيد بن عبد يزيد فإن قيل أفيتميز هؤلاء؟ قيل نعم بنو شافع وبنو علي وبنو عباس أو عياش شك المزني وكل هؤلاء بنو السائب فإن قيل أفيتميز هؤلاء؟ قيل نعم كل بطن من هؤلاء يتميز عن صاحبه فإذا كان من آل شافع قيل لقرابته هم آل شافع دون آل علي والعباس لأن كل هؤلاء متميز ظاهر " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْوَصِيَّةُ لِلْأَقَارِبِ فَمُسْتَحَبَّةٌ وَغَيْرُ واجبة لقوله تعالى: {وإذا حضر القسمة أولوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} النساء: ٨ .

وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى وُجُوبِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} الإسراء: ٢٦ . وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى بُطْلَانِهَا لِلْجَهْلِ بِعَدَدِهِمْ، وَأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ قَرَابَةٌ لأن أبيهم يَجْمَعُهُمْ.

وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ فَاسِدٌ، أَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَمَا قَدَّمْنَا مِنَ الْآيَةِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 217 - 219

ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده