الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > د- الوصية للجيران
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 21 دقيقة قراءةد- الوَصيةُ للجِيرانِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أَوصَى لجِيرانِه، هل هُمْ الجِيرانُ المُلاصِقونَ لبَيتِه أو هُمْ أهلُ المَحلةِ أو هُمْ الأربَعونَ جارًا الأَقرَبونَ منه من كلِّ ناحِيةٍ أو ليسَ له حَدٌّ مُحدَّدٌ؟ على أَقوالٍ.
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ عندَهما إلى أنَّ الرَّجلَ إذا أَوصَى مَثلًا بثُلثِ مالِه لجِيرانِه فلأربَعينَ دارًا من كلِّ جانِبٍ من جَوانبِ دارِه الأربَعةِ، وقد نَصَّ عليه الشافِعيُّ رضي الله عنه في «الأُم» وهو إِمامٌ عارِفٌ باللُّغةِ، وكَلامُه فيها حُجةٌ، ويَدلُّ له خَبَرُ: «حَقُّ الجِوارِ أربَعونَ دارًا، هكذا وهكذا وهكذا وهكذا، وأَشارَ قُدَّامًا وخَلفًا ويَمينًا وشِمالًا» (١).
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: وقيلَ: الجارُ مَنْ لاصَقَ دارَه، وقيلَ: أهلُ المَحلةِ التي هو فيها، وقيلَ: المُلاصِقُ والمُقابِلُ، وقيلَ: أهلُ الزُّقاقِ غيرِ النافِذِ، وقيلَ: مَنْ ليسَ بينَه وبينَه دَربٌ يُغلقُ، وقيلَ: مَنْ يُصلِّي معه في المَسجدِ، وقيلَ: قَبيلتُه، وقيلَ: جَميعُ أهلِ البَلدِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠)﴾ [الأحزاب: ٦٠].
وعلى الأولِ -أي: الأربَعينَ- يُصرفُ ذلك الشَيءُ للمُسلمِ والغَنيِّ وضِدِّهما على عَددِ الدُّورِ لا على عَددِ السُّكانِ، والعِبرةُ بالساكِنِ لا بالمالكِ.
(١) حَدِيثٌ ضعيفٌ: رَواه الإمامُ أَبو يَعلى في «مسنده» (٥٩٨٢) قالَ الهيثميُّ في «المجمع» (٨/ ١٦٨): رَواه أَبو يَعلى عن شيخِه مُحمدِ بنِ جامعٍ العَطارِ وهو ضعيفٌ، وقالَ الحافظُ العِراقيُّ في «تخريج الإحياء» (٢/ ١٨٩): إنه حَديثٌ ضعيفٌ، وقد رُويَ مُرسلًا.
وتُقسَّمُ حِصةُ كلِّ دارٍ على عَددِ سُكانِها كما بحَثَه السُّبكيُّ، ولو رَدَّ بعضُ الجِيرانِ فالظاهِرُ كما قالَ الدَّميريُّ أنَّه يُردُّ على الباقينَ.
تَنبيهٌ: قَضيةُ كَلامِ الأَصحابِ وُجوبُ استِيعابِ الدُّورِ من الجَوانبِ الأربَعةِ وهو كذلك، وإنْ قالَ الأذرَعيُّ: المُتَّجهُ حَملُ كَلامِهم على أنَّ غايةَ الجِوارِ ذلك، لا أنَّه يَجبُ، فجُملةُ الدُّورِ حينَئذٍ مِئةٌ وسِتُّونَ كما صرَّحَ به القاضي أَبو الطَّيبِ وغيرُه، ولم يُصرِّحْ أحدٌ بأنَّ المَجموعَ أربَعونَ، فيَكونُ مَعنى قَولِه في الحَديثِ: «هكذا وهكذا» أنَّ الأربَعينَ تُعدُّ هكذا وهكذا حتى تَتمَّ، واعتُرِضَ هذا العَددُ بأنَّ دارَ المُوصي قد تَكونُ كَبيرةً في التَّربيعِ فيُسامِتُها من كلِّ جِهةٍ أكثَرُ من أربَعينَ دارًا فيَزيدُ العَددُ وهذا مِثالُه، وقد تَسامَت دارُ المُوصي دارانِ يَخرجُ من كلٍّ منهما شَيءٌ عنها، فيَزيدُ العَددُ أيضًا، وهذا مِثالُه، وربَّما يُقالُ: التَّعبيرُ بذلك جَرى على الغالِبِ من أنَّ كلَّ جانِبٍ لا يَزيدُ على ذلك، فإنْ وُجدَت زيادةٌ على ذلك اختارَ الوارِثُ من كلِّ جانِبٍ القَدرَ المُعتبَرَ.
فإنْ وُجدَ في أحدِ الجانبَينِ زِيادةٌ وفي آخَرَ نَقصٌ يَنبَغي أنْ يُكمَلَ الناقِصُ من الزائِدِ ويُقسَّمَ عليهما، ويَنبَغي أنْ يَكونَ الرُّبعُ كالدارِ المُشتمِلةِ على بُيوتٍ.
ولو كانَ للمُوصي دارانِ صُرفَ إلى جِيرانِ أكثَرِهما سُكنى؛ فإنِ استَوَيا فإلى جِيرانِهما، نقَلَه الأذرَعيُّ عن القاضي أَبي الطَّيبِ، ونقَلَه الزَّركَشيُّ عن بعضِهم.
ثم قالَ الأولُ: ويَنبَغي أنْ يُصرفَ إلى جِيرانِ من كانَ فيها حالَتَي المَوتِ والوَصيةِ، واقتصَرَ الثاني على حالةِ المَوتِ، ويَظهرُ قَولُ الأولِ إنْ كانَ في واحِدةٍ في حالَتَي المَوتِ والوَصيةِ، وإنْ كانَ في واحِدةٍ في حالةِ الوَصيةِ، وفي أُخرى في حالةِ المَوتِ، فالعِبرةُ بحالةِ المَوتِ، وإنْ لم يَكنْ في واحِدةٍ منهما فإلى جِيرانِهما، والوَجهُ كما قالَ شَيخُنا أنَّ جِيرانَ المَسجدِ كجِيرانِ الدارِ فيما أَوصَى لجِيرانِه، وقيلَ: جارُه مَنْ يَسمعُ النِّداءَ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ: وإنْ وَصَّى لجِيرانِه فهُم أهلُ أربَعينَ دارًا من كلِّ جانِبٍ، نَصَّ عليه أَحمدُ، وبه قالَ الأَوزاعيُّ والشافِعيُّ، ثم ذكَرَ حَديثَ أَبي هُريرةَ: «الجارُ أربَعونَ دارًا، هكذا وهكذا وهكذا وهكذا» (٢)، وهذا نَصٌّ لا يَجوزُ العُدولُ عنه إنْ صَحَّ، وإنْ لم يَثبُتِ الخَبَرُ فالجارُ هو المُقارِبُ ويَرجعُ في ذلك إلى العُرفِ (٣).
وقالَ المِرداويُّ: وعنه ثَلاثينَ، ذكَرَها أَبو الحُسَينِ، فظاهِرُ هذه الرِّوايةِ مُخالِفٌ للتي قبلَها، لكنْ فسَّرَها الحارِثيُّ بالأولِ.
ونقَلَ ابنُ مَنصورٍ: لا يَنبَغي أنْ يُعطَى هنا إلا الجارُ المُلاصِقُ.
(١) «مغني المحتاج» (٤/ ٩٦، ٩٨)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٢٧٩، ٢٨٠)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٢٠٥، ٢٠٩)، و «الديباج» (٣/ ٨٤، ٨٥).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: تقدم.
(٣) «المغني» (٦/ ١٣٥)، و «الكافي» (٢/ ٤٩١)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٤٩١، ٤٩٢)، و «شرح منتهى اإرادات» (٤/ ٤٧٠).
وقيلَ: يُرجعُ فيه إلى العُرفِ.
قُلتُ: وهو الصَّوابُ إنْ لم يَصحَّ الحَديثُ (١).
وقالَ الرُّحَيبانيُّ: وتُقسَّمُ الوَصيةُ على عَددِ الدُّورِ، ثم تُقسَّمُ حِصةُ كلِّ دارٍ على سُكانِها؛ لأنَّ مُطلَقَ الإِضافةِ يَقتَضي التَّسويةَ (٢).
وذهَبَ الإِمامُ أَبو حَنيفةَ إلى أنَّه لو أَوصَى لجِيرانِه فهُم المُلاصِقونَ له؛ لأنَّ الجِوارَ عِبارةٌ عن القُربِ وحَقيقةُ ذلك في المُلاصِقِ، وما بعدَه بَعيدٌ بالنِّسبةِ إليه، ولأنَّه يَستحِقُّ الشُّفعةَ بهذا الجِوارِ، ويَستَوي فيه الساكِنُ والمالِكُ، ومَن كانَ منهم له دارٌ في تلك الدُّورِ وليسَ بساكِنٍ فيها فليس من جِيرانِه، ويَستَوي أيضًا المُسلمُ والذِّميُّ والرَّجلُ والمَرأةُ والصَّغيرُ والبالِغُ.
وَجهُ قَولِ أَبي حَنيفةَ رحمة الله عليه أنَّ الجِوارَ المُطلَقَ يَنصرِفُ إلى الحَقيقةِ، وهي الاتِّصالُ بينَ المِلكَينِ بلا حائِلٍ بينَهما هو حَقيقةُ المُجاوَرةِ، فأمَّا مع الحائِلِ فلا يَكونُ مُجاوِرًا حَقيقةً، ولهذا وجَبَت الشُّفعةُ للمُلاصِقِ لا للمُقابلِ؛ لأنَّه ليسَ بجارٍ حَقيقةً، ومُطلقُ الاسمِ مَحمولٌ على الحَقيقةِ، ولأنَّ الجِيرانَ المُلاصِقينَ هُمْ الذين يَكونُ لبعضِهم على بعضٍ حُقوقٌ يَلزمُ الوَفاءُ بها حالَ حَياتِهم، فالظاهِرُ أنَّه أَرادَ بهذه الوَصيةِ قَضاءَ حَقٍّ كانَ عليه، وإذا كانَ كذلك تَنصرِفُ الوَصيةُ إلى الجِيرانِ المُلاصِقينَ، إلا أنَّه لا بُدَّ من
(١) «الإنصاف» (٧/ ٢٤٣، ٢٤٤).
(٢) «مطالب أولي النهى» (٤/ ٤٨١).
السُّكنَى في المِلكِ المُلاصِقِ لمِلكِ المُوصي، فإذا وُجدَ ذلك صارَ كأنَّه جارٌ له فيَستحِقُّ الوَصيةَ (١).
وذهَبَ الصاحِبانِ من الحَنفيةِ أَبو يُوسفَ ومُحمدٌ إلى أنَّه إذا أَوصَى لجِيرانِه فهُم المُلاصِقونَ ممَّن يَملِكُ الدُّورَ وغيرُهم ممَّن لا يَملِكُها، ولمَن يَجمعُه مَسجدُ تلك المَحلةِ التي فيها المُوصي من المُلاصِقينَ وغيرِهم من السُّكانِ ممَّن في تلك المَحلةِ وغيرِهم سَواءٌ في الوَصيةِ؛ لأنَّ هؤلاء يُسمَّونَ جِيرانًا، فالأَقرَبونَ والأبعَدونَ والكافِرُ والمُسلمُ والصَّبيُّ والمَرأةُ في ذلك سَواءٌ.
وَجهُ قَولِهما أنَّ اسمَ الجارِ كما يَقعُ على المُلاصقِ يَقعُ على المُقابلِ وغيرِه ممَّن يَجمعُهما مَسجدٌ واحِدٌ؛ فإنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يُسمَّى جارًا.
ولأنَّ مَقصودَ المُوصي من الوَصيةِ للجارِ هو البِرُّ به والإِحسانُ إليه، وأنَّه لا يَختَصُّ بالمُلاصِقِ.
قالَ أَبو جَعفرٍ الطَّحاويُّ: تَوقيتُ دُورٍ بعَينِها لا مَعنى له؛ لأنَّ التَّوقيتَ في مِثلِه لا يَثبُتُ إلا بالتَّوقيفِ.
وقَولُ مَنْ اعتبَرَ الجارَ هو المُلاصقَ فاسِدٌ أيضًا؛ لأنَّه رُويَ عن عائِشةَ أنَّها قالَت: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ لي جارَينِ، فإلى أيِّهما أُهدي؟ قالَ: «أقرَبِهما
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٥١)، و «مختصر اختلاف العُلماء» (٥/ ٥٠، ٥١)، و «الهداية» (٤/ ٢٤٩، ٢٥٠)، و «الاختيار» (٥/ ٩٣، ٩٤)، و «العناية» (١٦/ ١٦٢، ١٦٣)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٤٠٨، ٤٠٩)، و «اللباب» (٢/ ٦٠٣).
مِنك بابًا»، ورُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «إذا اجتمَعَ الداعِيانِ فأجِبْ أقرَبَهما بابًا؛ فإنَّ أقرَبَهما بابًا أقرَبُهما جِوارًا»، فلم يَعتبِرِ المُلاصقةَ واعتبَرَ القُربَ بالبابِ مع كَونِهما جارَينِ، فالقَولُ ما قالَ أَبو يُوسفَ ومُحمدٌ؛ لأنَّه في العادةِ كذلك (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا أَوصَى لجِيرانِه فهُم المُلاصِقونَ له من أيِّ جِهةٍ من الجِهاتِ، والمُقابِلونَ له وبينَهما زُقاقٌ أو شارِعٌ لَطيفٌ، فإنْ كانَ بينَهما نَهرٌ أو سُوقٌ مُتَّسعٌ لم يَكنْ جارًا، والمُعتبَرُ في الجارِ يَومُ القَسْمِ، فلو انتقَلَ بعضُهم أو كلُّهم وحدَثَ غيرُهم، أو بلَغَ صَغيرٌ فذلك لمَن حضَرَ، ولو كانوا يَومَ الوَصيةِ قَليلًا ثم كثُروا أُعطوا جَميعُهم.
ويُعطَى الجارُ وزَوجتُه الساكِنةُ معه بجِوارِ المُوصي لا الساكِنةُ بمَحلٍ غيرِ مُجاورٍ له عندَ سحنونٍ وابنِ الماجِشونِ، وهو المَذهبُ، وقالَ ابنُ شَعبانَ: لا تُعطَى شَيئًا.
وأمَّا زَوجةُ المُوصي إذا كانَ بها مانِعٌ من الإِرثِ كالكُفرِ مَثلًا فلا تَدخلُ ولو كانَت وارِثةً؛ لأنَّها غيرُ جارةٍ في العُرفِ.
ويَدخلُ الوَلدُ الكَبيرُ والثَّيبُ قَطعًا؛ لأنَّ نَفقتَهما لا تَجبُ على أَبيهما.
وفي دُخولِ الوَلدِ الصَّغيرِ مع أَبيه والبِكرِ مع أَبيها قَولانِ، قالَ سحنونٌ:
(١) «مختصر اختلاف العُلماء» (٥/ ٥١)، ويُنظَر: «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٥١)، و «الهداية» (٤/ ٢٤٩، ٢٥٠)، و «الاختيار» (٥/ ٩٣، ٩٤)، و «العناية» (١٦/ ١٦٢، ١٦٣)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٤٠٨، ٤٠٩)، و «اللباب» (٢/ ٦٠٣).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في حكم الوصية
الْأَرْضِ، فَنَبَتَتْ وَصَارَتْ بَقْلًا أَوْ بِالْبَيْضَةِ، فَصَارَتْ فَرْخًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِيمَا أَوْصَى بِهِ، فَيَثْبُتُ الرُّجُوعُ ضَرُورَةً هَذَا إذَا تَغَيَّرَ الْمُوصَى بِهِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ صَارَ شَيْئًا آخَرَ لِزَوَالِ مَعْنَاهُ، وَاسْمِهِ، فَتَعَذَّرَ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ فِيمَا أَوْصَى بِهِ.
وَأَمَّا إذَا تَغَيَّرَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَحُكْمُهُ يُذْكَرُ فِي بَيَانِ مَا تَبْطُلُ بِهِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَلَوْ أَوْصَى بِرُطَبِ هَذَا النَّخْلِ، فَصَارَ بُسْرًا فَالْقِيَاسُ أَنْ تَبْطُلَ الْوَصِيَّةُ لِتَغَيُّرِ الْمُوصَى بِهِ، وَهُوَ الرُّطَبُ مِنْ الرُّطُوبَةِ إلَى الْيُبُوسَةِ.
وَزَوَالِ اسْمِهِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الذَّاتِ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ بَقِيَ مِنْ وَجْهٍ.
أَلَا يَرَى أَنَّ غَاصِبًا لَوْ غَصَبَ رُطَبَ إنْسَانٍ، فَصَارَ تَمْرًا فِي يَدِهِ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ بَلْ يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ تَمْرًا، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ رُطَبًا مِثْلَ رُطَبِهِ.
فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ الْوَصِيَّةِ فَالْوَصِيَّةُ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ: وَصِيَّةٌ بِالْمَالِ، وَوَصِيَّةٌ بِفِعْلٍ مُتَعَلِّقٍ بِالْمَالِ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمَالِ، أَمَّا الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ فَحُكْمُهَا ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْمَالِ الْمُوصَى بِهِ لِلْمُوصَى لَهُ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوصايا
باب ما يكون رجوعا في الوصية
باب ما يكون رجوعا في الوصية
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِآخَرَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ لِلْمُوصِي الرُّجُوعَ فِي وَصِيَّتِهِ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا مِلْكُ مُعْطِيهَا فَأَشْبَهَتِ الْهِبَاتِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي عَطَايَا مَرَضِهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ.
ثُمَّ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ يَكُونُ بِقَوْلٍ أَوْ دَلَالَةٍ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ جَارِيًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لعمرو فقد اختلف الناس في حكم ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ أنه يكون وَصِيَّةً لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ.
وَالثَّانِي: وهو مذهب الحسن وعطاء وطاوس أَنَّهُ يَكُونُ وَصِيَّةً لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ بِالرُّجُوعِ أَشْبَهُ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهَا بَاطِلَةٌ لَا تصح لواحد منها لِإِشْكَالِ حَالِهِمَا.
وَالرَّابِعُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وأبى حنيفة.
أَنَّهَا تَكُونُ وَصِيَّةً لَهُمَا فَتُجْعَلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِهِ لِثَالِثٍ، جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا. وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لِرَابِعٍ جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: ثَلَاثَةُ معاني:
ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.