شرط الوصية بالمنفعة

الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > شرط الوصية بالمنفعة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 17 دقيقة قراءة

شرط الوصية بالمنفعة - الأقوال والأدلة

شَرطُ الوَصيةِ بالمَنفعةِ:

اشتَرطَ الفُقهاءُ في الوَصيةِ بالمَنفعةِ ألَّا تَكونَ أكثَرَ من الثُّلثِ.

قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: أَجمَعوا على أنَّ الرَّجلَ إذا أَوصَى بغَلةِ بُستانِه أو بسُكنَى دارِه أو خِدمِة عَبدِه تَكونُ من الثُّلثِ (١)، فإذا كانَت أكثَرَ من الثُّلثِ تَصحُّ في الثُّلثِ وتَبطلُ في الباقي، إلا إذا أَجازَها الوَرثةُ.

لا وَصيةَ إلا بعدَ الدَّينِ:

أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الإِنسانَ إذا أَوصَى بوَصايا؛ فإنَّ هذه الوَصايا لا تَنفُذُ إلا بعدَ قَضاءِ الدَّينِ إنْ كانَ عليه دَينٌ؛ لمَا رُويَ من حَديثِ علِيٍّ رضي الله عنه قالَ: «إنَّكم تَقرَؤونَ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] وإنَّ رَسولَ اللهِ قَضَى بالدَّينِ قبلَ الوَصيةِ» (٢).

(١) «الإجماع» (٣٤١).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه الإمام أَحمد في «مسنده» (١٢٢١)، والترمذي (٢٠٩٤، ٢١٢٢)، وابن ماجه (٢٧١٥).

قالَ الإِمامُ ابنُ بَطَّالٍ رحمة الله عليه: وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّه لا مِيراثَ لأحَدٍ إلا بعدَ قَضاءِ الدَّينِ ولو أَحاطَ الدَّينُ بمالِه كلِّه، وإنَّ أهلَ الوَصايا بعدَ قَضاءِ الدَّينِ شُركاءُ الوَرثةِ فيما بَقيَ ما لم يُجاوِزْ ذلك الثُّلثَ (١).

وقالَ الإِمامُ التِّرمذيُّ: العَملُ على هذا عندَ عامةِ أهلِ العِلمِ أنَّه يُبدأُ بالدَّينِ قبلَ الوَصيةِ (٢).

قالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: قالَ اللهُ تبارك وتعالى في غيرِ آيةٍ في قِسمِ المِيراثِ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] و ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] قالَ الشافِعيُّ: فنقَلَ اللهُ تبارك وتعالى مِلكَ مَنْ ماتَ من الأَحياءِ إلى مَنْ بَقيَ من وَرثةِ المَيتِ، فجعَلَهم يَقومونَ مَقامَه فيما مِلكِهم من مِلكِه، وقالَ اللهُ ﷿: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] قال: فكانَ ظاهِرُ الآيةِ المَعقولُ فيها: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ إنْ كانَ عليهم دَينٌ وبهذا نَقولُ، ولا أعلَمُ من أهلِ العِلمِ فيه مُخالِفًا، وقد تَحتملُ الآيةُ مَعنًى غيرَ هذا أظهَرَ منه وأوْلى بأنَّ العامَّةَ لا تَختلفُ فيه فيما علِمتُ، وإِجماعُهم لا يَكونُ عن جَهالةٍ بحُكمِ اللهِ إنْ شاءَ اللهُ .

قالَ الشافِعيُّ: وفي قَولِ اللهِ ﷿: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] مَعانٍ سأذكُرُها إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، فلمَّا لم يَكنْ بينَ أهلِ العِلمِ خِلافٌ علِمتُه في أنَّ ذا الدَّينِ أحَقُّ بمالِ الرَّجلِ في حَياتِه منه حتى يَستوفِيَ دَينَه، وكانَ أهلُ المِيراثِ إنَّما يَملِكونَ عن المَيتِ ما كانَ المَيتُ أملَكَ به كانَ بَيِّنًا، واللهُ أعلَمُ في حُكمِ اللهِ ﷿، ثم -ما لم أعلَمْ- أهلُ العِلمِ، فاختلَفوا فيه أنَّ الدَّينَ مُقدَّمٌ على الوَصايا والمِيراثِ، فكانَ حُكمُ الدَّينِ كما وَصَفت مُنفرِدًا مُقدَّمًا، وفي قَولِ اللهِ ﷿: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ ثم إِجماعُ المُسلِمينَ أنْ لا وَصيةَ ولا مِيراثَ إلا بعدَ الدَّينِ دَليلٌ على

(١) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٣٣٩).
(٢) «سنن الترمذي» (٤/ ٤٣٥).

أنَّ كلَّ دَينٍ في صِحةٍ كانَ أو في مَرضٍ بإِقرارٍ أو بَيِّنةٍ أو أيِّ وَجهٍ ما كانَ سَواءٌ؛ لأنَّ اللهَ ﷿ لم يَخصَّ دَينًا دونَ دَينٍ (١).

وقالَ الإِمامُ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: اتَّفقَوا على أنَّ المَواريثَ التي ذَكَرنا إنَّما هي فيما أَفضَلَت الوَصيةُ الجائِزةُ ودُيونُ الناسِ الواجِبةُ، فإنْ فضَلَ بعدَ الدُّيونِ شَيءٌ وقَعَ المِيراثُ بعدَ الوَصيةِ كما ذَكَرنا.

واتَّفَقوا على أنَّ الوَصيةَ لا تَجوزُ إلا بعدَ أَداءِ دُيونِ الناسِ، فإنْ فضَلَ شَيءٌ جازَت الوَصيةُ وإلا فلا (٢).

وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ: ليسَ للوَرثةِ حَقٌّ -أي: في المِيراثِ- إلا بعدَ وَفاءِ الدَّينِ، وهذا باتِّفاقِ المُسلِمينَ، كما أنَّ النَّبيَّ قَضى بالدَّينِ قبلَ الوَصيةِ (٣).

وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ: حَديثُ علِيٍّ «أنَّه قَضى بالدَّينِ قبلَ التَّركةِ» أَحمدُ وأَصحابُ السُّننِ من حَديثِ الحارِثِ عنه وعلَّقَه البُخاريُّ ولَفظُهم: قبلَ الوَصيةِ، والحارِثُ -وإنْ كانَ ضَعيفًا- فإنَّ الإِجماعَ مُنعقِدٌ على وَفقِ ما رَوى (٤).

(١) «الأم» (٤/ ١٠٠، ١٠١).
(٢) «مراتب الإجماع» ص (١١٠).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٢٩٢).
(٤) «تلخيص الحبير» (٣/ ٩٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوصايا
٩٦٦ - مسألة؛ قال: (والوصية بالحمل وللحمل جائزة، إذا أتت به لأقل من ستة أشهر منذ تكلم بالوص

فصل: وإن وَصَّى بالحَمْلِ المَوْجُودِ، اعْتُبِرَ وُجُودُه كما في حَمْلِ الأمَةِ بما يُعْتَبَرُ وُجُودُ الحَمْلِ المُوصَى له. وإن كان حَمْلَ بَهِيمةٍ، اعْتُبِرَ وُجُودُه بما يَثْبُتُ به وُجُودُه في سائِرِ الأحْكامِ.

فصل: وإذا أَوْصَى لما تَحْمِلُ هذه المَرْأَةُ، لم يَصِحَّ. وقال بعضُ أصْحابِ الشافِعيِّ: يَصِحُّ، كما تَصِحُّ الوَصِيَّةُ بما تَحْمِلُ هذه الجارِيَةُ. ولَنا، أنَّ الوَصِيّةَ تَمْلِيكٌ، فلا تَصِحُّ لِلْمَعْدُومِ، بخِلَافِ المُوصَى به، فإنَّه يُمْلَكُ، فلم يُعْتَبَرْ وُجُودُه، ولأنَّ الوَصِيَّةَ أُجْرِيَتْ مُجْرَى المِيرَاثِ، ولو ماتَ إنْسانٌ لم يَرِثْهُ من الحَمْلِ إلَّا مَنْ كان مَوْجُودًا، كذلك الوَصِيَّةُ. ولو تَجَدَّدَ لِلْمَيِّتِ مالٌ بعد مَوْتِه، بأن يَسْقُطَ في شَبَكَتِه صَيْدٌ، لَوَرِثَهُ وَرَثَتُه، ولذلك قَضَيْنَا بثُبُوتِ الإِرْثِ في دِيَتِه، وهى تَتَحَدَّدُ بعد مَوْتِه، فجازَ أَنْ تُمْلَكَ بالوَصِيَّةِ. فإن قيل: فلو وَقَفَ على مَنْ يَحْدُثُ مِن وَلَدِه أو وَلَدِ فُلانٍ صَحَّ، فالوَصِيّةُ أَوْلَى؛ لأنَّها تَصِحُّ بالمَعْدُومِ والمَجْهُولِ، بخِلَافِ الوَقْفِ. قُلْنا: الوَصِيَّةُ أُجْرِيَتْ مُجْرَى المِيرَاثِ، ولا يَحْصُلُ المِيرَاثُ إلَّا لِمَوْجُودٍ، فكذا الوَصِيَّةُ، والوَقْفُ يُرَادُ لِلدَّوَامِ، فمن ضَرُورَتِه إثْباتُه لِلْمَعْدُومِ.

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في حكم الوصية

الْأَرْضِ، فَنَبَتَتْ وَصَارَتْ بَقْلًا أَوْ بِالْبَيْضَةِ، فَصَارَتْ فَرْخًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِيمَا أَوْصَى بِهِ، فَيَثْبُتُ الرُّجُوعُ ضَرُورَةً هَذَا إذَا تَغَيَّرَ الْمُوصَى بِهِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ صَارَ شَيْئًا آخَرَ لِزَوَالِ مَعْنَاهُ، وَاسْمِهِ، فَتَعَذَّرَ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ فِيمَا أَوْصَى بِهِ.

وَأَمَّا إذَا تَغَيَّرَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَحُكْمُهُ يُذْكَرُ فِي بَيَانِ مَا تَبْطُلُ بِهِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَلَوْ أَوْصَى بِرُطَبِ هَذَا النَّخْلِ، فَصَارَ بُسْرًا فَالْقِيَاسُ أَنْ تَبْطُلَ الْوَصِيَّةُ لِتَغَيُّرِ الْمُوصَى بِهِ، وَهُوَ الرُّطَبُ مِنْ الرُّطُوبَةِ إلَى الْيُبُوسَةِ.

وَزَوَالِ اسْمِهِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الذَّاتِ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ بَقِيَ مِنْ وَجْهٍ.

أَلَا يَرَى أَنَّ غَاصِبًا لَوْ غَصَبَ رُطَبَ إنْسَانٍ، فَصَارَ تَمْرًا فِي يَدِهِ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ بَلْ يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ تَمْرًا، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ رُطَبًا مِثْلَ رُطَبِهِ.

فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ الْوَصِيَّةِ فَالْوَصِيَّةُ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ: وَصِيَّةٌ بِالْمَالِ، وَوَصِيَّةٌ بِفِعْلٍ مُتَعَلِّقٍ بِالْمَالِ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمَالِ، أَمَّا الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ فَحُكْمُهَا ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْمَالِ الْمُوصَى بِهِ لِلْمُوصَى لَهُ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوصايا
باب ما يكون رجوعا في الوصية

باب ما يكون رجوعا في الوصية

مسألة:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِآخَرَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ لِلْمُوصِي الرُّجُوعَ فِي وَصِيَّتِهِ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا مِلْكُ مُعْطِيهَا فَأَشْبَهَتِ الْهِبَاتِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي عَطَايَا مَرَضِهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ.

ثُمَّ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ يَكُونُ بِقَوْلٍ أَوْ دَلَالَةٍ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.

وَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ جَارِيًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لعمرو فقد اختلف الناس في حكم ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:

أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ أنه يكون وَصِيَّةً لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ.

وَالثَّانِي: وهو مذهب الحسن وعطاء وطاوس أَنَّهُ يَكُونُ وَصِيَّةً لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ بِالرُّجُوعِ أَشْبَهُ.

وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهَا بَاطِلَةٌ لَا تصح لواحد منها لِإِشْكَالِ حَالِهِمَا.

وَالرَّابِعُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وأبى حنيفة.

أَنَّهَا تَكُونُ وَصِيَّةً لَهُمَا فَتُجْعَلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.

وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِهِ لِثَالِثٍ، جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا. وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لِرَابِعٍ جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا.

وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: ثَلَاثَةُ معاني:

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 304 - 306

ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل