الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > فائدة الخلاف
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 7 دقيقة قراءةوقالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ القُرطُبيُّ رحمة الله عليه: واختلَفوا كما قُلنا إذا أَجازَها الوَرثةُ، فقالَ الجُمهورُ: تَجوزُ، وقالَ أهلُ الظاهِرِ والمُزنِيُّ: لا تَجوزُ.
وسَببُ الخِلافِ هل المَنعُ لعِلةِ الوَرثةِ أو هو عِبادةٌ، فمَن قالَ: عِبادةٌ قالَ: لا تَجوزُ، وإنْ أَجازَها الوَرثةُ، ومَن قالَ بالمَنعِ لحَقِّ الوَرثةِ أَجازَها إذا أَجازَها الوَرثةُ، وتَردُّدُ هذا الخِلافِ راجِعٌ إلى تَردُّدِ المَفهومِ من قَولِه ﷺ: «لا وَصيةَ لوارِثٍ»، هل هو مَعقولُ المَعنى أو ليسَ بمَعقولٍ (١).
فائِدةُ الخِلافِ:
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وفائِدةُ الخِلافِ أنَّ الوَصيةَ إذا كانَت صَحيحةً فإِجازةُ الوَرثةِ تَنفيذٌ وإِجازةٌ مَحضةٌ يَكفي فيها قَولُ الوارِثِ: «أجَزتُ أو أمضَيتُ أو نفَّذتُ»، فإذا قالَ ذلك لزِمَت الوَصيةُ.
وإنْ كانَت باطِلةً كانَت الإِجازةُ هِبةً مُبتدأَةً تَفتقِرُ إلى شُروطِ الهِبةِ من اللَّفظِ والقَبولِ والقَبضِ كالهِبةِ المُبتدَأةِ، ولو رجَعَ المُجيزُ قبلَ القَبضِ فيما يُعتبَرُ فيه القَبضُ صَحَّ رُجوعُه (٢).
إلا أنَّ الفُقهاءَ الذين أَجازوها إذا أذِنَ الوَرثةُ اختلَفوا هل تَكونُ ابتِداءً عَطيةً منهم أو تَنفيذًا لوَصيةِ المُوصي؟
فذهَبَ المالِكيةُ في المُعتمَدِ والشافِعيةُ في قَولٍ وهو قَولٌ للحَنابِلةِ إلى أنَّ الوَرثةَ إذا أَجازوها للوارِثِ فهي ابتِداءُ عَطيةٍ منهم، لا تَنفيذٌ لوَصيةِ
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٥١).
(٢) «المغني» (٦/ ٥٨).
المُوصي، فعلى هذا لا بُدَّ من قَبولِ المُوصَى له وحيازَتِه قبلَ حُصولِ مانِعٍ للمُجيزِ، وأنْ يَكونَ المُجيزُ من أهلِ التَّبرعِ.
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ وابنُ القَصارِ وابنُ العَطارِ والقاضي عبدُ الوَهابِ من المالِكيةِ إلى أنَّه ليسَ ابتِداءَ عَطيةٍ، وإنَّما هو تَنفيذٌ لمَا فعَلَه المُوصي؛ لأنَّ المَنعَ هو لحَقِّ الوَرثةِ، فإذا أَجازوه؛ فإنَّما تَرَكوا ما كانَ لهم من حَقِّ الفَسخِ، فصَحَّ بَتركِهم الفَسخَ فِعلُ المَيتِ وصاروا كأنَّهم أذِنوا له بأنْ يُوصيَ بأكثَرَ من ثُلثِه، وصارَ المَيتُ كأنَّه أَوصَى بما له أنْ يُوصيَ وهو الثُّلثُ الذي لا اعتِراضَ لهم فيه.
فعلى هذا القَولِ لا تَحتاجُ إلى قَبولٍ ولا حَوزٍ، بل يَصحُّ بقَولِه: «أجَزتُ وأنفَذتُ وأمضَيتُ» ونَحوَ ذلك (١).
قالَ الإِمامُ أَبو بَكرٍ الجَصاصُ رحمة الله عليه: ومَتى أَجازَت الوَرثةُ الوَصيةَ لم يَكنْ ذلك هِبةً مُستأنَفةً من جِهتِهم فتُحملُ على أَحكامِ الهِباتِ في شَرطِ القَبضِ والتَّسليمِ ونَفيِ الشُّيوعِ فيما يُقسَمُ والرُّجوعِ فيها، بل تَكونُ مَحمولةً على أَحكامِ الوَصايا الجائِزةِ دونَ الهِباتِ من قِبَلِ مُجيزِيها من الوَرثةِ (٢).
(١) «الاستذكار» (٧/ ٢٦٧)، و «الإشراف» (٥/ ١٥٦)، رقم (١٩٠٦)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٤٤٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٤٩٢، ٤٩٣)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥٣٣)، و «البيان» (٨/ ١٥٦، ١٥٧)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٣٧٣)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٧٨)، و «الإنصاف» (٧/ ١٩٤، ١٩٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤٤٧).
(٢) «أحكام القرآن» (١/ ٢٠٧).
وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واختلَفوا في إِجازةِ الوَرثةِ، هل هي تَنفيذٌ لمَا كانَ أمَرَ به المُوصي أو هِبةٌ مُستأنَفةٌ؟
فقالَ مالِكٌ وأَبو حَنيفةَ وأَحمدُ: هي تَنفيذٌ لمَا كانَ أمَرَ به المُوصي وليسَ بابتِداءٍ.
وعن الشافِعيِّ قَولانِ، أَحدُهما كمَذهبِهم، والآخَرُ أنَّها هِبةٌ مُبتدَأةٌ يُعتبَرُ فيها ما يُعتبَرُ في الهِبةِ من الإِيجابِ والقَبولِ والقَبضِ (١).
وقالَ الإِمامُ العِمرانِيُّ: فإنْ أَجازَه الوَرثةُ فهل يَكونُ ذلك تَنفيذًا لمَا فعَلَه المُوصي أو ابتِداءَ عَطيةٍ من الوَرثةِ؟ على قَولَينِ.
وقالَ الشَّيخُ أَبو إِسحاقَ: هل تَصحُّ الوَصيةُ بما زادَ على الثُّلثِ؟ فيه قَولانِ:
أَحدُهما: لا تَصحُّ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهى سَعدًا عن الوَصيةِ بما زادَ على الثُّلثِ، والنَّهيُ يَقتَضي فَسادَ المَنهيِّ عنه.
والثاني: تَصحُّ؛ لأنَّ الوَصيةَ صادَفَت مِلكَه، وإنَّما يَتعلَّقُ بها حَقُّ الوارِثِ فيما بَعدُ، وذلك لا يَمنعُ صِحةَ تَصرُّفِه، كما لو اشتَرى رَجلٌ شِقصًا فيه شُفعةٌ، فباعَ الشِّقصَ قبلَ أنْ يأخُذَه الشَّفيعُ.
فإنْ قُلنا: إنَّ إِجازةَ الوَرثةِ في الوَصيةِ للوارِثِ فيما زادَ على الثُّلثِ تَنفيذٌ لمَا فعَلَه المُوصي كَفاهم لَفظُ الإِجازةِ، ولا يَحتاجُ المُوصَى له إلى قَبولِ الإِجازةِ.
(١) «الإفصاح» (٢/ ٧١)، و «البيان» (٨/ ١٥٦، ١٥٧).
ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.