الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > لو رد الوصية وخص بها بعض الورثة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةامتنَعَ حُكِمَ عليه بالرَّدِّ وبطَلَ حَقُّه من الوَصيةِ؛ لأنَّها إنَّما تَنتقِلُ إلى مِلكِه بالقَبولِ ولم يُوجَدْ، ولأنَّ المِلكَ مُتردِّدٌ بينَه وبينَ الوَرثةِ، كما لو تحَجَّرَ أرضًا فامتنَعَ من إِحيائِها أو وقَفَ في مَشرَعةِ ماءٍ فلم يأخُذْ ولم يَنصرِفْ (١).
وفي قَولٍ للحَنابِلةِ: إذا لم يَقبَلْ بعدَ مَوتِه ولا رَدَّ فحُكمُه حُكمُ مُتحجِّرِ المَواتِ (٢).
لو رَدَّ الوَصيةَ وخَصَّ بها بعضَ الوَرثةِ:
ذهَبَ عامَّةُ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المُوصَى له إذا رَدَّ الوَصيةَ وخَصَّ بها بعضَ الوَرثةِ لم يَختَصَّ بها، وإنَّما تَكونُ لجَميعِهم يَتحاصُّونَ فيها.
وقالَ السَّرخَسيُّ: وإذا أَوصَى رَجلٌ بوَصيةٍ فقبِلَها بعدَ مَوتِه ثم رَدَّها على الوَرثةِ فرَدُّه جائِزٌ إذا قبِلوا ذلك؛ لأنَّ الرَّدَّ عليهم فَسخٌ للوَصيةِ وهم قائِمونَ مَقامَ المَيتِ.
ولو تُصوِّرَ منه الرَّدُّ على المَيتِ كانَ ذلك صَحيحًا إذا قبِلَه، فكذلك إذا رَدَّها على الوَرثةِ الذين يَقومونَ مَقامَه، وهذا لأنَّ فَسخَ العَقدِ مُعتبَرٌ بالعَقدِ فإذا كانَ أصلُ هذا العَقدِ يَتمُّ بالإِيجابِ والقَبولِ كذلك يَجوزُ فَسخُه
(١) «المهذب» (١/ ٤٥٢، ٤٥٣)، و «البيان» (٨/ ١٧٤)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٤٠٣)، و «الكافي» (٢/ ٤٨٣)، و «الإنصاف» (٧/ ٢٠٥)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤١٧)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٤٥٩)، و «روضة القضاة» (٢/ ٦٨٣).
(٢) «الإنصاف» (٧/ ٢٠٥).
بالتَّراضي، وبهذا فارَقَ الصَّدقةَ والهِبةَ؛ فإنَّ ذلك ابتِداءُ التَّمليكِ، والشُّيوعُ فيما يَحتملُ القِسمةَ مع صِحتِه، وهذا فَسخُ الوَصيةِ، والشُّيوعُ لا يُؤثِّرُ في فَسخِ الوَصيةِ كما لا يُؤثِّرُ في أصلِ الوَصيةِ.
وإنْ رَدَّها على بعضِ الوَرثةِ دونَ بعضٍ ففي القياسِ هذا باطِلٌ؛ لأنَّ هذا تَمليكٌ منه لمَن رَدَّها عليه، فيَكونُ التَّملُّكُ بلَفظِ الهِبةِ والإِعطاءِ.
ولكنَّا نَستحسِنُ فنَجعلُ ذلك كالرَّدِّ على جَماعتِهم وكانَ بينَهم على فَرائضِ اللهِ تَعالى؛ لأنَّ أصلَ العَقدِ كانَ بينَه وبينَ المُوصي، والرَّدُّ فَسخٌ لذلك العَقدِ فيَجوزُ بينَه وبينَ المُوصي أيضًا، وأحدُ الوَرثةِ يَقومُ مَقامَ الوَرثةِ في حُقوقِهم كجَماعتِهم، فكانَ الرَّدُّ على أحدِهم بمَنزلةِ الرَّدِّ عليهم، أو هذا فَسخٌ لقَبولِه، وهو يَنفرِدُ بفَسخِ القَبولِ في حَقِّ نَفسِه، وإنَّما كانَ لا يَثبُتُ في حَقِّ الوَرثةِ إذا أبَوْا ذلك دَفعًا للضَّررِ عنهم وعن مُورِّثِهم، فإذا رَضُوا بذلك أو رَضيَ به أحدُهم وهو قائِمٌ مَقامَهم في فَسخِ القَبولِ منهم وصارَ كأنَّه رَدَّه قبلَ أنْ يَقبلَ، فيَكونُ مِيراثًا للوَرثةِ، وكذلك لو كانَ على المَيتِ دَينٌ فوَهَبه الطالِبُ للوَرثةِ أو لبعضِهم فهو هِبةٌ لهم كلِّهم كأنَّه وهَبَه للمَيتِ؛ لأنَّ أصلَ المَنفعةِ بهذه الهِبةِ للمَيتِ وأنَّه يُبرئُ ذِمتَه لها وأحدُ الوَرثةِ يَقومُ مَقامَه فيما هو من حَقِّه (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا رَدَّ ما أَوصَى له به رجَعَ مِيراثًا ويُحاُّص به أَربابُ الوَصايا؛ لأنَّه إنَّما أَوصَى لهم بوَصفِ مُزاحمتِه (٢).
(١) «المبسوط» (٢٨/ ٤٩).
(٢) «الذخيرة» (٧/ ١٢٤)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٥/ ١٧٢)، رقم (١٩٢٥)، و «الجامع لمسائل المدونة» (١٩/ ٩٢٦).
وقالَ الإِمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه في «الأُم»: إذا أَوصَى لرَجلٍ بوَصيةٍ، ثم قالَ المُوصَى له بعدَ مَوتِ المُوصي: «رَدَدت الوَصيةَ لفُلانٍ»، وسمَّى واحِدًا من الوَرثةِ رجَعَ إلى المُوصَى له، وقيلَ له: ما أرَدتَ بقَولِك: «لفُلانٍ»؟ فإنْ قالَ: «أرَدتُ أنِّي رَدَدت الوَصيةَ إلى جَميعِ الوَرثةِ لأجلِ ذلك المُسمَّى»، عادَت إلى جَميعِ الوَرثةِ، وكانَ المُسمَّى كغيرِه، وإنْ قالَ: «إنِّي أرَدتُ بذلك أنِّي جعَلتُها للمُسمَّى خاصةً»، اختُصَّ المُسمَّى بمِلكِها دونَ سائِرِ الوَرثةِ (١).
وقالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: ولو قالَ: «رَدَدتُ الوَصيةَ لفُلانٍ»، يَعني أحدَ الوَرثةِ، قالَ في «الأُم»: إنْ قالَ: «أرَدتُ لرِضاه»، كانَ رَدًّا على جَميعِ الوَرثةِ، وإنْ قالَ: «أرَدتُ تَخصيصَه بالرَّدِّ عليه»، فهو هِبةٌ له خاصَّةً.
قالَ الأَصحابُ: هذا تَفريعٌ على تَصحيحِ الرَّدِّ بعدَ القَبولِ، وإلا فما لا يَملِكُه لا يُمكنُه أنْ يُملِّكَه غيرُه.
ثم لم يُعتبَرْ لَفظُ الهِبةِ والتَّمليكِ، وقالَ القاضي أَبو الطَّيبِ: لا بُدَّ منه، وهو القياسُ.
ولو ماتَ ولم يُبيِّنْ ما أَرادَه جُعلَ رَدًّا على جَميعِ الوَرثةِ (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: وكلُّ مَوضعٍ صَحَّ فيه الرَّدُّ بطَلَت فيه الوَصيةُ، ويَرجعُ المُوصَى به إلى التَّركةِ فتَكونُ للوَرثةِ جَميعِهم؛ لأنَّ الأَصلَ ثُبوتُ الحُكمِ
(١) «البيان» (٨/ ١٧٤).
(٢) «روضة الطالبين» (٤/ ٤٠٣)، و «البيان» (٨/ ١٧٤).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في حكم الوصية
الْأَرْضِ، فَنَبَتَتْ وَصَارَتْ بَقْلًا أَوْ بِالْبَيْضَةِ، فَصَارَتْ فَرْخًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِيمَا أَوْصَى بِهِ، فَيَثْبُتُ الرُّجُوعُ ضَرُورَةً هَذَا إذَا تَغَيَّرَ الْمُوصَى بِهِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ صَارَ شَيْئًا آخَرَ لِزَوَالِ مَعْنَاهُ، وَاسْمِهِ، فَتَعَذَّرَ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ فِيمَا أَوْصَى بِهِ.
وَأَمَّا إذَا تَغَيَّرَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَحُكْمُهُ يُذْكَرُ فِي بَيَانِ مَا تَبْطُلُ بِهِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَلَوْ أَوْصَى بِرُطَبِ هَذَا النَّخْلِ، فَصَارَ بُسْرًا فَالْقِيَاسُ أَنْ تَبْطُلَ الْوَصِيَّةُ لِتَغَيُّرِ الْمُوصَى بِهِ، وَهُوَ الرُّطَبُ مِنْ الرُّطُوبَةِ إلَى الْيُبُوسَةِ.
وَزَوَالِ اسْمِهِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الذَّاتِ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ بَقِيَ مِنْ وَجْهٍ.
أَلَا يَرَى أَنَّ غَاصِبًا لَوْ غَصَبَ رُطَبَ إنْسَانٍ، فَصَارَ تَمْرًا فِي يَدِهِ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ بَلْ يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ تَمْرًا، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ رُطَبًا مِثْلَ رُطَبِهِ.
فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ الْوَصِيَّةِ فَالْوَصِيَّةُ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ: وَصِيَّةٌ بِالْمَالِ، وَوَصِيَّةٌ بِفِعْلٍ مُتَعَلِّقٍ بِالْمَالِ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمَالِ، أَمَّا الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ فَحُكْمُهَا ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْمَالِ الْمُوصَى بِهِ لِلْمُوصَى لَهُ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوصايا
باب ما يكون رجوعا في الوصية
باب ما يكون رجوعا في الوصية
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِآخَرَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ لِلْمُوصِي الرُّجُوعَ فِي وَصِيَّتِهِ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا مِلْكُ مُعْطِيهَا فَأَشْبَهَتِ الْهِبَاتِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي عَطَايَا مَرَضِهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ.
ثُمَّ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ يَكُونُ بِقَوْلٍ أَوْ دَلَالَةٍ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ جَارِيًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لعمرو فقد اختلف الناس في حكم ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ أنه يكون وَصِيَّةً لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ.
وَالثَّانِي: وهو مذهب الحسن وعطاء وطاوس أَنَّهُ يَكُونُ وَصِيَّةً لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ بِالرُّجُوعِ أَشْبَهُ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهَا بَاطِلَةٌ لَا تصح لواحد منها لِإِشْكَالِ حَالِهِمَا.
وَالرَّابِعُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وأبى حنيفة.
أَنَّهَا تَكُونُ وَصِيَّةً لَهُمَا فَتُجْعَلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِهِ لِثَالِثٍ، جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا. وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لِرَابِعٍ جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: ثَلَاثَةُ معاني:
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوصايا
٩٥٩ - مسألة؛ قال: (وإن رد الموصى له الوصية، بعد موت الموصى، بطلت الوصية)
لكل واحدٍ من فُلانٍ وفُلانٍ بِنِصْفِ الثُّلُثِ، أو بِنِصْفِ المائةِ، أو بخَمْسِينَ. لم يَسْتَحِقَّ أحَدُهُما أكثَرَ من نِصْفِ الوَصِيَّةِ، سواءٌ كان شَرِيكُه حَيًّا أو مَيِّتًا؛ لأنَّه عَيَّنَ وَصِيَّتَه في النِّصْفِ، فلم يكُنْ له حَقٌّ فيما سِوَاهُ.
٩٥٩ - مسألة؛ قال: (وَإنْ رَدَّ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيّةَ، بَعْدَ مَوْتِ المُوصِى، بَطَلَتِ الْوَصِيّةُ)
ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.