الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > متى يحكم بدخول الموصى به في ملك الموصى له؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةوفي وَجهٍ للشافِعيةِ يُشتَرطُ الفَورُ في القَبولِ بعدَ المَوتِ، قالَ النَّوويُّ: وليسَ بشَيءٍ (١).
متى يُحكمُ بدُخولِ المُوصَى به في مِلكِ المُوصَى له؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُوصَى به متى يَدخلُ في مِلكِ المُوصَى له، هل يَكونُ بمَوتِ المُوصي أو بقَبولِه بعدَ مَوتِ المُوصي أو هو مَوقوفٌ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المِلكَ في المُوصَى به يَثبُتُ للمُوصَى له بقَبولِه؛ لأنَّه تَمليكٌ بعَقدٍ فيَتوقَّفُ على القَبولِ كالبَيعِ.
وعليه فما حصَلَ من كَسبٍ أو نَماءٍ مُنفصلٍ في المُوصَى به بعدَ مَوتِ المُوصي وقبلَ القَبولِ والنَّماءِ المُنفصلِ كالوَلدِ والثَّمرةِ والكَسبِ فلوَرثةِ المُوصي؛ لأنَّه مِلكُهم فنَماؤُه لهم، وتَتبعُها الزِّيادةُ المُتصلةُ.
قالَ الشافِعيةُ: وسَواءٌ قبِلَ الوَصيةَ أو رَدَّها.
وفي وَجهٍ للشافِعيةِ أنَّه إذا قبِلَ الوَصيةَ تَكونُ الزَّوائدُ له؛ لأنَّ له حَقَّ التَّمليكِ من حينِ المَوتِ، فهي حادِثةٌ في مَحلِّ حَقِّه.
(١) «روضة الطالبين» (٤/ ٤٠٣).
قالَ النَّوويُّ: وحيث قُلنا تَرتدُّ الزَّوائدُ فإلى مَنْ تَرتدُّ؟ وَجهانِ: أحدُهما: إلى المُوصي فتَكونُ من جُملةِ تَركتِه يُقضَى منها دَينُه، وتَنفُذُ وَصاياه كالأَصلِ.
وأَصحُّهما: أنَّها للوارِثِ؛ لأنَّها حدَثَت بعدَ زَوالِ مِلكِ المُوصي (١).
قالَ الحَنفيةُ: المُوصَى به يُملَكُ بالقَبولِ؛ لأنَّ الوَصيةَ مُثبِتةٌ للمِلكِ، والقَبولُ شَرطٌ للدُّخولِ فيه، فإنْ قبِلَ المُوصَى له الوَصيةَ بعدَ مَوتِ المُوصي يَثبُتُ المِلكُ له في المُوصَى به قبَضَه أو لم يَقبِضْه، وإنْ رَدَّ المُوصَى له الوَصيةَ بطَلَت برَدِّه.
إلا في مَسألةٍ واحِدةٍ، وهي أنْ يَموتَ المُوصي ثم يَموتَ المُوصَى له قبلَ القَبولِ والرَّدِّ، فيَدخلُ المُوصَى به في مِلكِ وَرثةِ المُوصَى له؛ لأنَّ الوَصيةَ قد تمَّت من جانِبِ المُوصي بمَوتِه تَمامًا لا يَلحقُه الفَسخُ من جِهتِه، وإنَّما تُوقفَ لحَقِّ المُوصَى له، فإذا ماتَ دخَلَ في مِلكِه كما في البَيعِ المَشروطِ فيه الخيارِ للمُشتَري إذا ماتَ قبلَ الإِجازةِ (٢).
(١) «روضة الطالبين» (٤/ ٤٠٤)، ويُنظَر: «مغني المحتاج» (٤/ ٨٩)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٤٤٨)، و «المبدع» (٦/ ٢١)، و «الإنصاف» (٧/ ٢٠٦)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤١٩، ٤٢٠)، و «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٦/ ٤٨٧).
(٢) «تحفة الفُقهاء» (٣/ ٢٠٦، ٢٠٧)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٣٢)، و «العناية شرح الهداية» (١٦/ ٧٤، ٧٥)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٣٨٣)، و «اللباب» (٢/ ٥٩٢)، و «الفتاوى الهندية» (٦/ ٩٠).
وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ في وَجهٍ ذكَرَه أَبو الخَطابِ إلى أنَّ مِلكَ الوَصيةِ مَوقوفٌ ومَعنى الوَقفِ هنا: عَدمُ الحُكمِ عليه عقِبَ المَوتِ بشَيءٍ، فإنْ قبِلَ المُوصَى له تَبيَّنَّا أنَّ المِلكَ ثبَتَ له من حين مَوتِ المُوصي.
وإنْ لم يَقبَلْ تَبيَّنَّا أنَّه لم يَملِكْ، وأنَّ المِلكَ بعدَ المَوتِ كانَ للوَرثةِ؛ لأنَّ المُوصَى به بعدَ مَوتِ المُوصي لا يَخلو إمَّا أنْ يُقالَ: إنَّه مِلكٌ للمَيتِ، أو يُقالَ: إنَّه دخَلَ في مِلكِ الوَرثةِ، أو يُقالَ: إنَّه قد ملَكَه المُوصَى له، أو يُقالُ: إنَّه مُراعًى، فبطَلَ أنْ يُقالَ: إنَّه مِلكٌ للمَيتِ؛ لأنَّه جَمادٌ لا يَملكُ، وبطَلَ أنْ يُقالَ: إنَّه مِلكٌ للوَرثةِ؛ لأنَّهم لا يَملِكونَ إلا بعدَ الدَّينِ والوَصيةِ، ولأنَّه خِلافُ الإِجماعِ، وبطَلَ أنْ يُقالَ: إنَّه قد دخَلَ في مِلكِ المُوصَى له؛ لأنَّه لو ملَكَه لمَا صَحَّ رَدُّه له كالمِيراثِ.
فإذا بطَلَت هذه الأَقسامُ ثبَتَ أنَّه مُراعًى.
وعلى هذا تَكونُ الثَّمرةُ والكَسبُ وسائِرُ زَوائِدِ المُوصَى به إنْ حصَلَت قبلَ مَوتِ المُوصي فهي له ولا تَتناوَلُها الوَصيةُ، وإنْ حصَلَت بعدَ المَوتِ وقبلَ القَبولِ فهي للمُوصَى له وعليه المُؤنةُ، ولو رَدَّه ولم يَقبَلْ يَكونُ ما ذكَرَ للوارِثِ.
قالَ الشافِعيةُ: ويُطالَبُ المُوصَى له بالنَّفقةِ إنْ توقَّفَ في قَبولِه ورَدِّه، فإنْ لم يَقبَلْ ولم يَردَّ خيَّرَه الحاكِمُ بينَهما، فإنْ أبَى حكَمَ عليه بالإِبطالِ،
كمُتحجِّرٍ امتنَعَ من الإِحياءِ، والكَلامُ في المُطالَبةِ حالًا، أمَّا النِّسبةُ لما يَستقِرُّ عليه الأمرُ فهي على المُوصَى له إنْ قبِلَ وعلى الوارِثِ إنْ رَدَّ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّ المُوصَى له يَملِكُ الوَصيةَ بمَوتِ المُوصي؛ لأنَّه مالٌ مُستحَقٌّ بالمَوتِ فانتقَلَ إليه بالمَوتِ كالمِيراثِ.
وعليه تَكونُ الزَّوائدُ الحاصِلةُ بعدَ مَوتِ المُوصي للمُوصَى له؛ لأنَّ المِلكَ انتقَلَ إليه بمُجردِ المَوتِ، فإذا كانَ المُوصَى به شَجرًا أثمَرَ بعدَ المَوتِ أو غَنمًا نَما عليها صُوفٌ بعدَ المَوتِ وقبلَ القَبولِ وكذا سائِرُ الغَلَّاتِ تَكونُ للمُوصَى له، بخِلافِ ما حدَثَ من الغَلَّاتِ قبلَ المَوتِ؛ فإنَّه من جُملةِ مالِ المُوصي بلا نِزاعٍ (٢).
قالَ الشافِعيةُ في هذا القَولِ: سَواءٌ قبِلَ الوَصيةَ أو رَدَّها، وفي وَجهٍ أنَّه إذا رَدَّ الوَصيةَ تَرتَدُّ الزَّوائدُ (٣).
(١) «البيان» (٨/ ١٧٢)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٤٠٤)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٤٠٩، ٤١٠)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٨٩، ٩٠)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ١٨٣، ١٨٥)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٧٧)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٤٤٨)، و «المبدع» (٦/ ٢١)، و «الإنصاف» (٧/ ٢٠٦)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٥/ ١٧٢، ١٧٣)، رقم (١٩٢٥)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٤٣٧).
(٢) «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٦٩)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٤٣٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٤٨٧)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥٢٨، ٥٢٩)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (١١/ ٢، ٣).
(٣) «روضة الطالبين» (٤/ ٤٠٤)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٨٩، ٩٠).
قالَ الدُّسوقيُّ: وحاصِلُها أنَّ غَلةَ المُوصَى به الحادِثةَ بعدَ المَوتِ وقبلَ القَبولِ: قيلَ: كلُّها للمُوصَى له. وقيلَ: كلُّها للمُوصي. وقيلَ: له ثُلثُها فقط، وهو المُشارُ له بقَولِ المُصنفِ: «وقَومٌ بغَلةٍ … إلخ».
وسَببُ هذا الخِلافِ الواقِعِ في الغَلةِ المَذكورةِ الخِلافُ في أنَّ المُعتبَرَ في تَنفيذِ الوَصيةِ هل هو وَقتُ قَبولِ المُعيَّنِ لها؛ إذْ مُقتَضى كَونِ قَبولِ المُعيَّنِ بعدَ المَوتِ شَرطًا في تَنفيذِ الوَصيةِ أنْ يَكونَ المُعتبَرُ في تَنفيذِها وَقتَ القَبولِ، فإذا تأخَّرَ القَبولُ حتى حدَثَت الغَلةُ بعدَ المَوتِ لا يَكونُ شَيءٌ منها للمُوصَى له، بل كلُّها للمُوصي، أو المُعتبَرُ في تَنفيذِها هو وَقتُ المَوتِ؛ لأنَّ المِلكَ للمُوصَى له بالمَوتِ ومُقتَضى كَونِ المِلكِ له بالمَوتِ، أو تَكونُ الغَلةُ المَذكورةُ كلُّها للمُوصَى له، أو المُعتبَرُ في تَنفيذِها الأمرانِ معًا وهُما وَقتُ القَبولِ ووَقتُ المَوتِ لكَونِ القَبولِ شَرطًا في تَنفيذِها والمِلكُ بالمَوتِ؟
أَقوالٌ ثَلاثةٌ، فمَن اعتبَرَ في تَنفيذِها وَقتَ قَبولِ المُعيَّنِ لها فقط قالَ: الغَلةُ كلُّها للمُوصي، ومَن اعتبَرَ في تَنفيذِها وَقتَ المَوتِ فقط قالَ: كلُّها للمُوصَى له، ومَن راعَى الأمرَينِ معًا أعطَى للمُوصَى له منها ثُلثَها، ومُراعاةُ الأمرَينِ معًا هو المَشهورُ، وأَعدَلُ الأَقوالِ عندَ سحنونٍ وهو مَعنى قَولِ «المَج» العِبرةُ بيَومِ النُّفوذِ، فالغَلةُ قبلَه بعدَ المَوتِ تَركةٌ تَسري الوَصيةُ لثُلثِها (١).
(١) «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٦/ ٤٨٧، ٤٨٨)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (١١/ ٢، ٣).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوصايا
٩٥٨ - مسألة؛ قال: (فإن مات الموصى له قبل موت الموصى، بطلت الوصية)
وإن كان مُعْسِرًا فقد عَتَقَ منه ما مَلَكَ وحدَه. وكلُّ مَوْضِعٍ قُلْنا: تكون أُمَّ وَلَدٍ. فإنَّها تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ ههُنا. سواءٌ كان مُوسِرًا أو مُعْسِرًا، على قول الخِرَقِىِّ، كما إذا اسْتَوْلَدَ الأمَةَ المُشْتَركَةَ. وقال القاضي: يَصِيرُ منها أُمُّ وَلَدٍ بِقَدْرِ ما مَلَكَ منها. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ.
٩٥٨ - مسألة؛ قال: (فَإنْ مَاتَ المُوصَى لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِى، بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ)
هذا قولُ أكْثَر أهْلِ العِلْم. رُوِى ذلك عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه. وبه قال الزُّهْرِىُّ، وحَمَّادُ بن أبي سليمانَ، ورَبِيعةُ، ومالِكٌ، والشافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال الحَسَنُ: تكونُ لِوَلَدِ المُوصَى له. وقال عَطَاءٌ: إذا عَلِمَ المُوصِى بمَوْتِ المُوصَى له، ولم يَحْدُثْ فيما أَوْصَى به شَيْئًا، فهو لِوَارِثِ المُوصَى له؛ لأنَّه ماتَ بعدَ عَقْدِ الوَصِيَّةِ، فيَقُومُ الوارِثُ مَقَامَه، كما لو ماتَ بعد مَوْتِ المُوصِى وقبلَ القَبُولِ. ولَنا، أنَّها عَطِيّةٌ صادَفَتِ المُعْطَى مَيِّتًا، فلم تَصِحَّ، كما لو وَهَبَ مَيِّتًا؛ وذلك لأنَّ الوَصِيّةَ عَطِيّةٌ بعدَ المَوْتِ، وإذا ماتَ قبل القَبُولِ بَطَلَتِ الوَصِيّةُ أيضًا. وإن سَلَّمْنا صِحَّتَها، فإنَّ العَطِيّةَ صادَفَتْ حَيًّا، بخِلَافِ مَسْأَلَتِنا.
ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.