وصية السكران

الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > وصية السكران

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

وصية السكران - الأقوال والأدلة

وهذا إذا لم يُعاينِ المَوتَ، فأمَّا إذا عايَنَ المَوتَ لم تَصحَّ وَصيتُه؛ لأنَّ الوَصيةَ قَولٌ ولا قَولَ له والحالةُ هذه (١).

٤ - وَصيةُ السَّكرانِ:

السَّكرانُ يَنقسِمُ إلى قِسمَينِ، هُما: سَكرانُ لا يَعرفُ الأرضَ من السَّماءِ ولا الرَّجلَ من المَرأةِ، وسَكرانُ مُختلِطٌ معه بَقيةٌ من عَقلِه إلا أنَّه لا يَملِكُ الاختِلاطَ من نَفسِه فيُخطئُ ويُصيبُ.

قالَ ابنُ رُشدٍ: فأمَّا السَّكرانُ الذي لا يَعرفُ الأرضَ من السَّماءِ ولا الرَّجلَ من المَرأةِ فلا اختِلافَ في أنَّه كالمَجنونِ في جَميعِ أَفعالِه وأَقوالِه فيما بينَه وبينَ الناسِ وفيما بينَه وبينَ اللهِ إلا فيما ذهَبَ وَقتُه من الصَّلواتِ (٢).

وأمَّا السَّكرانُ المُختلِطُ الذي معه بَقيةٌ من عَقلِه فقد اختَلفَ أهلُ العِلمِ في وَصيتِه هل تَصحُّ أو لا؟

فذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ ومُطرِّفٌ من المالِكيةِ إلى أنَّه لا تَصحُّ وَصيةُ السَّكرانِ؛ لأنَّه ليسَ بعاقِلٍ فلا تَصحُّ وَصيتُه كالمَجنونِ، وأمَّا إِيقاعُ طَلاقِه فإنَّما أوقَعَه مَنْ أوقَعَه تَغليظًا عليه لارتِكابِه المَعصيةَ فلا يَتعدَّى هذا إلى وَصيتِه؛ فإنَّه لا ضَررَ عليه فيها إنَّما الضَّررُ على وارِثِه (٣).

(١) «الإنصاف» (٧/ ١٨٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٠٦)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٤٤٤).
(٢) «البيان والتحصيل» (٤/ ٢٥٨).
(٣) «المغني» (٦/ ١٢٠)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٠٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤٤١).

وسُئلَ مُطرِّفٌ عن وَصيةِ السَّكرانِ إنْ أَوصَى، قالَ: إذا لم يَكنْ معه عَقلُه فكيف يَجوزُ؟ لا أرى وَصيتَه جائِزةً؛ لأنَّه كالمَجنونِ، ألَا تَرى لو أنَّ مَجنونًا لم يَكنْ معه عَقلُه أَوصَى فإنَّ وَصيتَه لا تَجوزُ؟ (١)

وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في وَجهٍ إلى صِحةِ وَصيةِ السَّكرانِ إذا أَوصَى حالَ سُكرِه، إلا أنَّه إذا رجَعَ عنها بعدَ إِفاقتِه فله الرُّجوعُ؛ لأنَّها غيرُ لازِمةٍ كما سيَأتي مُفصَّلًا.

قالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا وَصيةُ السَّكرانِ بالعِتقِ وغيرِه فالصَّحيحُ على مَذهبِ مالِكٍ أنَّها جائِزةٌ على القَولِ الذي رجَعَ إليه سحنونٌ؛ لأنَّ حُكمَ وَصيتِه حُكمُ ما عقَدَه على نَفسِه من البَيعِ وغيرِه، ولا يُقالُ في شَيءٍ من ذلك على مَذهبِ مالِكٍ إنَّه غيرُ مُنعقدٍ عليه، وإنَّما يُقالُ فيه على مَذهبِه إنَّه غيرُ لازِمٍ له لو أرادَ الرُّجوعَ فيه إذا أفاقَ من سُكرِه، فإذا لم يَرجعْ في وَصيتِه حتى ماتَ وجَبَ أنْ تَنفُذَ كما تَنفُذُ وَصيةُ الصَّحيحِ من السُّكرِ (٢).

قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: وأمَّا السَّكرانُ المُتعدِّي بسُكرِه فإنَّه في رأيِ المُصنفِ غيرُ مُكلَّفٍ وتَصحُّ وَصيتُه، واستَثنَى الزَّركَشيُّ من المُغمَى عليه ما لو كانَ سَببُه سُكرًا عَصى به وكَلامُه مُنتظِمٌ فتَصحُّ وَصيتُه (٣).

(١) «البيان والتحصيل» (٧/ ٤٨٩).
(٢) «البيان والتحصيل» (٤/ ٤/ ٢٦٠)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٦٨)، و «الشرح الصغير مع حاشية الصاوي» (١٠/ ٤٩٥)، ويُنظَر: «المبسوط» (٧/ ١٨٤)، و «المغني» (٦/ ١٢٠)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٤١٩، ٤٢٠)، و «الإنصاف» (٧/ ١٨٧).
(٣) «مغني المحتاج» (٤/ ٦٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في حكم الوصية

الْأَرْضِ، فَنَبَتَتْ وَصَارَتْ بَقْلًا أَوْ بِالْبَيْضَةِ، فَصَارَتْ فَرْخًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِيمَا أَوْصَى بِهِ، فَيَثْبُتُ الرُّجُوعُ ضَرُورَةً هَذَا إذَا تَغَيَّرَ الْمُوصَى بِهِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ صَارَ شَيْئًا آخَرَ لِزَوَالِ مَعْنَاهُ، وَاسْمِهِ، فَتَعَذَّرَ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ فِيمَا أَوْصَى بِهِ.

وَأَمَّا إذَا تَغَيَّرَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَحُكْمُهُ يُذْكَرُ فِي بَيَانِ مَا تَبْطُلُ بِهِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَلَوْ أَوْصَى بِرُطَبِ هَذَا النَّخْلِ، فَصَارَ بُسْرًا فَالْقِيَاسُ أَنْ تَبْطُلَ الْوَصِيَّةُ لِتَغَيُّرِ الْمُوصَى بِهِ، وَهُوَ الرُّطَبُ مِنْ الرُّطُوبَةِ إلَى الْيُبُوسَةِ.

وَزَوَالِ اسْمِهِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الذَّاتِ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ بَقِيَ مِنْ وَجْهٍ.

أَلَا يَرَى أَنَّ غَاصِبًا لَوْ غَصَبَ رُطَبَ إنْسَانٍ، فَصَارَ تَمْرًا فِي يَدِهِ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ بَلْ يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ تَمْرًا، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ رُطَبًا مِثْلَ رُطَبِهِ.

فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ الْوَصِيَّةِ فَالْوَصِيَّةُ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ: وَصِيَّةٌ بِالْمَالِ، وَوَصِيَّةٌ بِفِعْلٍ مُتَعَلِّقٍ بِالْمَالِ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمَالِ، أَمَّا الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ فَحُكْمُهَا ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْمَالِ الْمُوصَى بِهِ لِلْمُوصَى لَهُ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوصايا
باب ما يكون رجوعا في الوصية

باب ما يكون رجوعا في الوصية

مسألة:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِآخَرَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ لِلْمُوصِي الرُّجُوعَ فِي وَصِيَّتِهِ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا مِلْكُ مُعْطِيهَا فَأَشْبَهَتِ الْهِبَاتِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي عَطَايَا مَرَضِهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ.

ثُمَّ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ يَكُونُ بِقَوْلٍ أَوْ دَلَالَةٍ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.

وَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ جَارِيًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لعمرو فقد اختلف الناس في حكم ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:

أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ أنه يكون وَصِيَّةً لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ.

وَالثَّانِي: وهو مذهب الحسن وعطاء وطاوس أَنَّهُ يَكُونُ وَصِيَّةً لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ بِالرُّجُوعِ أَشْبَهُ.

وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهَا بَاطِلَةٌ لَا تصح لواحد منها لِإِشْكَالِ حَالِهِمَا.

وَالرَّابِعُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وأبى حنيفة.

أَنَّهَا تَكُونُ وَصِيَّةً لَهُمَا فَتُجْعَلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.

وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِهِ لِثَالِثٍ، جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا. وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لِرَابِعٍ جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا.

وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: ثَلَاثَةُ معاني:

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 158 - 159

ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.7 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر