الإسلام > الأيمان والمواريث > أركان الوصية > وقت قبول الوصية
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةوقالَ أَبو بَكرٍ عُثمانُ بنُ شطا الدِّمياطيُّ: (قَولُه: مع قَبولِ مُوصًى له) أي: باللَّفظِ، ولا يَكفي الفِعلُ، وقيلَ: يَكفي.
وعِبارةُ التُّحفةِ: قالَ الزَّركَشيُّ: ظاهِرُ كَلامِهم أنَّ المُرادَ القَبولُ اللَّفظيُّ، ويُشبهُ الاكتِفاءَ بالفِعلِ وهو الأخذُ كالهَديةِ. اه.
وسبَقَه إليه القَموليُّ فقالَ في «الرَّهن»: يَكفي التَّصرفُ بالرَّهنِ ونَحوِه، وكِلاهما ضَعيفٌ.
والفَرقُ بينَ هذا والهَديةِ ونَحوِ الوَكيلِ واضِحٌ؛ إذِ النَّقلُ للإِكرامِ الذي استَلزَمته الهَديةُ عادةً يَقتَضي عَدمَ الاحتِياجِ للفَظٍ في القَبولِ وليسَ كذلك هنا.
ونَحوُ الوَكالةِ لا يَقتَضي تَملُّكَ شَيءٍ فلا يُشبهُ ما هنا، وإنَّما يُشبِهُه -أي: ما هنا- الهِبةُ، وهي لا بُدَّ فيها من القَبولِ لَفظًا (١).
وَقتُ قَبولِ الوَصيةِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ خِلافًا لزُفرَ على أنَّ العِبرةَ في قَبولِ الوَصيةِ بعدَ مَوتِ المُوصي، ولا حُكمَ للقَبولِ ولا للرَّدِّ قبلَ مَوتِه، فلو قبلَ في حَياتِه ثم رَدَّ بعدَ مَوتِه أو رَدَّ في حَياتِه ثم قبِلَ بعدَ مَوتِه فلا حُكمَ له؛ إذْ لا حَقَّ له في القَبولِ أو الرَّدِّ قبلَ المَوتِ فأشبَهَ إِسقاطَ الشُّفعةِ قبلَ البَيعِ، ولأنَّ الوَصيةَ لم تَقعْ بعدُ فأشبَهَ رَدَّ المَبيعِ قبلَ إِيجابِ البَيعِ، ولأنَّه ليسَ بمَحلٍّ للقَبولِ فلا يَكونُ مَحلًّا للرَّدِّ كما قبلَ الوَصيةِ.
(١) «إعانة الطالبين» (٣/ ٣٨٦).
فلو رَدَّ المُوصَى له قبلَ مَوتِ المُوصي ولو كانَ حَياءً كما يَقعُ كَثيرًا ثم قبِلَ بعدَه صَحَّ قَبولُه بالاتِّفاقِ.
وكذا إذا قبِلَ في حَياتِه ثم رَدَّ بعدَ وَفاتِه صَحَّ الرَّدُّ؛ لأنَّ نَفعَ الوَصيةِ لنَفسِه ولا إِضرارَ به على المُوصي؛ لأنَّ المُوصَى به يَرجعُ إلى وَرثةِ المُوصي، ولا ضرَرَ له في ذلك (١).
قالَ الإِمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: ولا يَكونُ قَبولٌ ولا رَدٌّ في وَصيةٍ حَياةَ المُوصي، فلو قبلَ المُوصَى له قبلَ مَوتِ المُوصي كانَ له الرَّدُّ إذا ماتَ، ولو رَدَّ في حَياةِ المُوصي كانَ له أنْ يَقبلَ إذا ماتَ، والوَرثةُ يُجبَرون على ذلك؛ لأنَّ تلك الوَصيةَ لم تَجبْ إلا بعدَ مَوتِ المُوصي، فأمَّا في حَياتِه فقَبولُه ورَدُّه وصَمتُه سَواءٌ؛ لأنَّ ذلك فيما لم يَملِكْ (٢).
وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأَجمَعوا على أنَّه لا يَجبُ للمُوصَى له إلا بعدَ مَوتِ المُوصي (٣).
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٣٣)، و «العناية شرح الهداية» (١٦/ ٢٠٩، ٢١٠)، و «تبيين الحقائق» (٦/ ٢٠٦)، و «البحر الرائق» (٨/ ٥٢١)، و «الدر المختار» (٦/ ٧٠٠، ٧٠١)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٦٩)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٤٨٦)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٣٦٩)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥٢٨)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٥٢)، و «الحاوي الكبير» (٨/ ٢٦٤)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٤٠٢)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٨٨)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ١٧٩)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٤٠٩)، و «المغني» (٦/ ٦٨)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤١٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤٥١).
(٢) «الأم» (٤/ ٩٧).
(٣) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٥٢).
وقالَ الكاسانِيُّ: إذا ثبَتَ أنَّ القَبولَ رُكنٌ في عَقدِ الوَصيةِ فوَقتُ القَبولِ ما بعدَ مَوتِ المُوصي، ولا حُكمَ للقَبولِ والرَّدِّ قبلَ مَوتِه، حتى لو رَدَّ قبلَ المَوتِ ثم قبِلَ بعدَه صَحَّ قَبولُه؛ لأنَّ الوَصيةَ إِيجابُ المِلكِ بعدَ المَوتِ، والقَبولُ أو الرَّدُّ يُعتبَرُ، كذا الإِيجابُ؛ لأنَّه جَوابٌ، والجَوابُ لا يَكونُ إلا بعدَ تقدُّمِ السُّؤالِ.
ونَظيرُه إذا قالَ لامرأتِه: «إذا جاءَ الغَدُ فأنتِ طالِقٌ على ألفِ دِرهمٍ»، أنَّه إنَّما يُعتبَرُ القَبولُ أو الرَّدُّ إذا جاءَ الغَدُ، كذا هذا، فإذا كانَ التَّصرفُ يَقعُ إِيجابًا بعدَ المَوتِ يُعتبَرُ القَبولُ بعدَه (١).
وقالَ المَوصِليُّ: قَبولُ الوَصيةِ بعدَ المَوتِ، حتى لو أَجازَها قبلَه أو رَدَّها فليسَ بشَيءٍ؛ لأنَّ حُكمَه -وهو ثُبوتُ المِلكِ- إنَّما يَثبتُ بعدَ المَوتِ، فلا اعتِبارَ بما يُوجدُ قبلَه كما إذا وُجدَ قبلَ العَقدِ، وهو إنَّما يَملكُه بالقَبولِ؛ لأنَّه تَمليكٌ بعَقدٍ فيَتوقَّفُ على القَبولِ كغيرِه من العُقودِ، بخِلافِ المِيراثِ؛ لأنَّه خِلافةٌ عن المَيتِ حتى يَثبتَ للوارِثِ خيارُ العَيبِ دونَ المُوصَى له، ويَثبتُ جَبرًا شَرعًا من غيرِ قَبولٍ، ولأنَّه لو ملَكَ المُوصَى به من غيرِ قَبولٍ كانَ للمُوصي إِلزامُه المِلكَ بغيرِ اختِيارِه، وليسَ ذلك إلا لمَن له عليه وِلايةٌ ولا وِلايةَ له عليه، ولأنَّه لو جازَ ذلك لأَوصَى له بما يَضرُّه مِثلَما إذا علَّقَ طَلاقَه بمِلكِه وأنَّه لا يَجوزُ، وإذا كانَ القَبولُ شَرطًا لا يَملِكُه المُوصَى له إلا بالقَبولِ (٢).
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٣٣).
(٢) «الاختيار» (٥/ ٨١).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في حكم الوصية
الْأَرْضِ، فَنَبَتَتْ وَصَارَتْ بَقْلًا أَوْ بِالْبَيْضَةِ، فَصَارَتْ فَرْخًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِيمَا أَوْصَى بِهِ، فَيَثْبُتُ الرُّجُوعُ ضَرُورَةً هَذَا إذَا تَغَيَّرَ الْمُوصَى بِهِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ صَارَ شَيْئًا آخَرَ لِزَوَالِ مَعْنَاهُ، وَاسْمِهِ، فَتَعَذَّرَ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ فِيمَا أَوْصَى بِهِ.
وَأَمَّا إذَا تَغَيَّرَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَحُكْمُهُ يُذْكَرُ فِي بَيَانِ مَا تَبْطُلُ بِهِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَلَوْ أَوْصَى بِرُطَبِ هَذَا النَّخْلِ، فَصَارَ بُسْرًا فَالْقِيَاسُ أَنْ تَبْطُلَ الْوَصِيَّةُ لِتَغَيُّرِ الْمُوصَى بِهِ، وَهُوَ الرُّطَبُ مِنْ الرُّطُوبَةِ إلَى الْيُبُوسَةِ.
وَزَوَالِ اسْمِهِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الذَّاتِ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ بَقِيَ مِنْ وَجْهٍ.
أَلَا يَرَى أَنَّ غَاصِبًا لَوْ غَصَبَ رُطَبَ إنْسَانٍ، فَصَارَ تَمْرًا فِي يَدِهِ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ بَلْ يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ تَمْرًا، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ رُطَبًا مِثْلَ رُطَبِهِ.
فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ الْوَصِيَّةِ فَالْوَصِيَّةُ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ: وَصِيَّةٌ بِالْمَالِ، وَوَصِيَّةٌ بِفِعْلٍ مُتَعَلِّقٍ بِالْمَالِ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمَالِ، أَمَّا الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ فَحُكْمُهَا ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْمَالِ الْمُوصَى بِهِ لِلْمُوصَى لَهُ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوصايا
باب ما يكون رجوعا في الوصية
باب ما يكون رجوعا في الوصية
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِآخَرَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ لِلْمُوصِي الرُّجُوعَ فِي وَصِيَّتِهِ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا مِلْكُ مُعْطِيهَا فَأَشْبَهَتِ الْهِبَاتِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي عَطَايَا مَرَضِهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ.
ثُمَّ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ يَكُونُ بِقَوْلٍ أَوْ دَلَالَةٍ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ جَارِيًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لعمرو فقد اختلف الناس في حكم ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ أنه يكون وَصِيَّةً لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ.
وَالثَّانِي: وهو مذهب الحسن وعطاء وطاوس أَنَّهُ يَكُونُ وَصِيَّةً لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ بِالرُّجُوعِ أَشْبَهُ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهَا بَاطِلَةٌ لَا تصح لواحد منها لِإِشْكَالِ حَالِهِمَا.
وَالرَّابِعُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وأبى حنيفة.
أَنَّهَا تَكُونُ وَصِيَّةً لَهُمَا فَتُجْعَلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِهِ لِثَالِثٍ، جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا. وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لِرَابِعٍ جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: ثَلَاثَةُ معاني:
ارجع إلى أركان الوصية للاطلاع على جميع المسائل.